أزعجني علم تاريخي غير دقيق في تقويم خليفة الصديق ساد في عقودنا الأخيرة. فقد أصبح الخليفة مثلاً يضرب في ركوب الرأس العقائدي أو الهوس الديني الذي يبلد حس المرء السياسي ويجعله أسير أيدولوجيته لا يسمع ولا يرى. ووجد فيه بعض خصوم الإنقاذ الحاكم سابقة تاريخية ل “صناجة” الإنقاذ العقائدية التي يفسرون بها عزلة النظام السياسية وتطفل العالم علينا. وأنا غير معني بالإنقاذ هنا بالطبع. ولكن بدا لي أننا ربما احتجنا إلى مراجعة صورتنا عن الخليفة كعقائدي مهووس.
فمما يعاب على الخليفة عبد الله أنه استعلى على مساع الإمبراطور منليك الحبشي الذي عرض عليه تحالفاً “أفريقياً” ضد القوى الأوربية الغازية. وكان من جاء بالعرض هو رأس منقشا رسول الإمبراطور. فقد طلب الرأس من خليفة الصديق أن يتحالفوا ضد قوى الإثم الأوربي و”الإنجليز الحمر” بالذات. ولم يقتنع الخليفة بذلك. ورد عائبو الخليفة تعنته إلى أصوليته الإسلامية. فقد أعمته كراهة الحبش المسيحيين دون أن يقف على الخطر الحق القادم لا ريب فيه وهو من المستعمرين الأوربيين. وواضح أن لائمي الخليفة أسقطوا ضيقهم بالأصولية الدينية، التي تفاقمت في عقودنا الأخيرة، على سياسة الخليفة تجاه الحبشة. ولكنهم ربما ظلموا الخليفة. فهناك شواهد على أن الخليفة مال إلى عرض الحبش، بل أكرم وفادة رأس منقشا في أوائل 1898، وترخص مأكل ضيافتهم ومشرب ضيافتهم. فقدموا لهم لحم الخنزير وبنت الحان حتى يفكوا عقدة لسانهم كما قال توماس باكنهام مؤلف “التكالب على أفريقيا” المشهور.
ولكن هناك ما هو أهم من هذا في دفع العيب عن الخليفة في تواثقه مع منليك. فقد اختلف المؤرخون حول جدية منليك في عرضه على الخليفة عبد الله التحالف ضد الغزاة الأوربيين. وكانت مجلة التاريخ الأفريقي المشهورة ساحة لحوار حول هذه المسألة في النصف الأول من الستينات بين الدكتور ج ن ساندرسن، استاذ التاريخ بجامعة الخرطوم والمختص بتاريخ صراع القوى الأوربية في أعالي النيل، والدكتور هارولد ماركوس أستاذ التاريخ بجامعة ولاية متشغان والمختص في تاريخ أثيوبيا. وكان من رأي ساندرسن أن منليك كان صادقاً في عرضه للتحالف مع الخليفة لصد الغزاة الأوربيين. وله في ذلك أدلة يضيق بها المجال هنا بالطبع. ويبدو أن كتابنا ورثوا عن ساندرسن هذا الرأي الذي يبدو فيه الخليفة سلبياً تجاه تودد منليك، أو سافر العداء له. وليس هذا بمستغرب فقد كان ساندرسن بيننا وتلقينا معارف التاريخ عنه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم