د. هشام عثمان
لم يكن ينقص المشهد السوداني في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلا أن يخرج لنا كليب من قبره، أو أن يطلب الزير سالم نقطة نظام.
فقد اختار مندوب السودان أن يستدعي إلى المنبر الأممي واحداً من أكثر تعبيرات الثأر العربي التصاقاً بحرب البسوس: «شِسع نعل كليب». والعبارة ليست مجرد زخرفة لغوية؛ إنها تستدعي في الذاكرة حرباً جاهلية ارتبطت بالثأر والانتقام واستمرت، وفق الرواية التراثية، عقوداً طويلة. وقد وردت العبارة فعلاً في سجال المندوب السوداني مع المندوب الإماراتي في الأمم المتحدة.
وهنا تصبح المفارقة أكبر من العبارة نفسها.
الدبلوماسية الحديثة جاءت أصلاً لكي تنقل الخصومة من منطق «طعنة بطعنة» إلى منطق الحجة والقانون والمصالح والتفاوض. أما أن تستدعي حرب البسوس إلى قاعة الأمم المتحدة، فكأنك تقول للعالم إن قاموسنا السياسي لم يغادر بعدُ مجلس جساس وكليب.
ولو كان لا بد من استحضار الشعر الجاهلي، لكان الأجدر استحضار زهير بن أبي سلمى، لا روح المهلهل. فزهير لم يكن يمجد الحرب، بل قال كلمته الشهيرة عن أن الحرب إذا أُشعلت لا يملك أصحابها السيطرة على عواقبها.
وهذه هي المفارقة السودانية الكبرى: بلد عركته الحرب حتى لم يبق في الرحى إلا دقيقها، ثم يخرج ممثله إلى العالم ليخاطب خصومه بلغة تزيد قاموس الحرب اشتعالاً.
المشكلة ليست في قوة العبارة العربية، ولا في جمال استدعاء التراث. المشكلة في اختيار المرجعية الرمزية.
فمن يمثل دولة في الأمم المتحدة لا يمثل قبيلة في مجلس ثأر، ولا فارساً في سوق عكاظ. وظيفته أن يحوّل المأساة السودانية إلى حجة يفهمها العالم، وأن يجعل القانون الدولي يتكلم بلسان السودان، لا أن يجعل السودان يبدو وكأنه يستعيد خصومة من القرن السادس.
ولعل أكثر ما يلائم هذا المشهد شخصية كروية سودانية قديمة اشتهرت بعشوائية لعبها: لاعب الهلال عبد الرحيم برشم.
كان برشم، في الذاكرة الكروية، نموذجاً لما يمكن تسميته «اللعب البرشمي»: الكرة أمامه، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن إلى أين ستذهب الركلة؛ وأحياناً يبدو أن «الواطة» نفسها كانت احتمالاً قائماً في مسار التسديدة.
وهكذا يمكن أن نقول إننا أمام دبلوماسية برشمية: الكرة في الملعب الدبلوماسي، لكن التسديدة تذهب إلى دفتر الجاهلية؛ والسؤال المطروح شيء، والإجابة تأتي من حرب البسوس؛ والمطلوب إقناع العالم بحجة سياسية، فإذا بنا نسمع عن نعل كليب.
وهنا يتبدى الفرق الهائل بين الدبلوماسية التي تصنعها الدولة والدبلوماسية التي تعكس انفعال اللحظة.
السودان عرف، في تاريخه الدبلوماسي، رجالاً كانوا يستطيعون أن يحملوا قضية بلادهم إلى العالم بلغة يفهمها العالم، ومن بينهم منصور خالد، الذي جعل من المعرفة السياسية والتاريخية والقانونية أدوات للعمل الدبلوماسي.
أما اليوم، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للدبلوماسية السودانية ليس أن تكون حادة أو قوية؛ بل أن تفقد التمييز بين قوة الحجة وقوة الانفعال.
فالأمم المتحدة ليست ساحة لحرب البسوس.
والخصومة الدولية ليست مباراة برشمية.
والسيف، حتى في الاستعارة، لا ينبغي أن يحل محل القلم حين يكون صاحب القلم جالساً في الأمم المتحدة.
رحم الله كليباً، وأعان السودان على أن يخرج من حرب البسوس التي يعيشها إلى دبلوماسية القرن الحادي والعشرين.
