الدبلوماسية والعولمة: تماهي الشأن الداخلي مع الخارجي .. بقلم: الطيب عمر حسن
30 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
34 زيارة
تُعرَف الدبلوماسية بمعناها العام بأنها المهنة أو النشاط أو المهارة التي تُعني بإدارة السياسة الخارجية للدولة. ووفقاً للتعريف السابق يتضح لنا أن النشاط الدبلوماسي يتركز تقليدياً حول العلاقات بين الدول. إلا أنه في العصر الحديث أصبح هذا النشاط يهتم أيضاً بالعلاقات بين الدول من جهة وبين لاعبين دوليين جدد من جهة أخري مثل المنظمات الأقليمية و الدولية, وكذلك كيانات الدولة الفرعية (sub-state entities) التي لديها صلاحيات مستمدة من الدستور لإنشاء علاقات خارجية مع نظيراتها أو مع الدول الأجنبية سعياً وراء مصالحها الخاصة بصورة مستقلة عن حكوماتها المركزية. أدت هذه التطورات المستحدثة والتي تعتبر من توابع العولمة, إلي زيادة تعقيد النظام الدولي بعد ان تداخلت بعض إختصاصات الدول مع بعض إختصاصات المنظمات غير الحكومية والشركات العابرة للقارات والولايات داخل الدول. يدفعنا هذا للتطرق إلي العولمة كمفهوم دولي أصبح يساهم ويؤثر في تشكيل معظم مناحي الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات وحتي السياسة الداخلية والخارجية للدول عبرقارات العالم المختلفة. وبالرغم من أن العولمة تبدو وكأنها تيار ينبع من الدول المتقدمة ويصب في بقية دول العالم, إلا أنه في الواقع طريق ذي إتجاهين. فالدول المتقدمة تتأثر بالمهاجرين من الدول الفقيرة وبقضايا مثل الجماعات المتطرفة, مثلما تتأثر الدول النامية بالشركات الضخمة متعددة الجنسيات وبالتدخل في شؤونها الداخلية من قبل بعض الدول القوية.
يمكن القول أن تيار العولمة بدأ بالتشكل عندما سعت بعض الجهات التجارية الي تطوير اعمالها ورفعها لمستويات دولية, مما جعل لنشاطاتها نوع من التأثير الدولي. ثم برزت الي الوجود إختراعات مثل التلغراف والسفن البخارية (والشراعية سابقاً), لتساهم في إعادة تشكيل العالم القديم عندما سهلت للدول الصناعية والمؤسسات التجارية الكبيرة فرصة التواصل والوصول إلي أبعد الأراضي ما وراء البحار. وحالياً يمكن إرجاع الإنتشار الطاغي للعولمة إلي الثورة التي إنتظمت قطاعي الإتصالات وتقانة المعلومات, إلي جانب السرعة الهائلة التي طرات علي وسائل النقل عموماً والطائرات خصوصاً. أدي هذا التطور في وسائل النقل إلي سهولة حركة البضائع والخدمات والأفراد, وحتي الامراض والجرائم والقِيم والأيديولوجيات من بلد إلي آخر ومن قارة إلي أخري دون أي عوائق تذكر. وأصبح من الطبيعي أن تجد محلاً تجارياً صغيراً في مدينة أوروبية يعرض فواكه مستوردة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية يعمل فيه شخص ذو أصول أسيوية. بينما يصيب مرض مثل (الإيبولا) مواطنين امريكيين علي سبيل المثال كانوا يعملون في إحدي البلدان الموبوءة بالمرض في غرب أفريقيا. وتجد في العراق بريطانياً يذبحه مهووسون بأيديولوجية دينية متطرفة.
كل هذه القوي الدافعة للعولمة جلبت تغييرات عديدة شملت حتي فكرة الزمان و المكان في وقتنا الحاضر بعد أن أزالت تقريباً كل حدود المكان و الزمان بين مختلف الدول. وحولت عالمنا المعاصر إلي مجرد قرية صغيرة, وحولتنا نحن إلي مواطنين عالميين (cosmopolitan). بحيث أصبحت التظاهرات في شوراع لندن تُشاهد مباشرة من علي تلفاز في مقهي في أمدرمان. وأصبح من المألوف أن تجد من يتحدث لغتين أجنبيتين أو ثلاث إلي جانب لغته الام, أو أن تجد من وُلد في دولة أفريقية ودرس في دولة أوروبية وعمل في دولة آسيوية, وربما تزوج من مواطنة أميركية.
يقودنا هذا إلي القول دون مبالغة أن جميع مناحي الحياة تأثرت بالعولمة سلباً أو إيجاباً, تبعاً لِوُجهة النظر التي نأخذها, والممارسة الدبلوماسية كنشاط بشري ليست إستثناءاً من هذه القاعدة. وتعتبر الدبلوماسية كممارسة إرثاً إنسانياً عالمياً ساهمت في بنائه العديد من الحضارات البشرية علي مر العصور. إلا أن الواقع الحالي يشير إلي أن الممارسة الدبلوماسية الحديثة تقوم علي مرتكزات أوروبية بصورة أساسية. حيث تتأثر الدبلوماسية الحديثة بالقيم الاوروبية في أنماط البروتوكول الخاصة بالملبس والمأكل والمشرب, وفي آداب السلوك الإجتماعي (etiquette), وفي أساليب التفاوض والمكاتبات الدبلوماسية وما شابه ذلك. وهنالك عدة أسباب وراء هذا التأثير. أهمها في تقديري هو توسع الدول الأوروبية جغرافياً بين القرن السادس عشر والقرن العشرين عبر الإستعمار حتي وصلت إلي جميع القارات المعروفة وغير المعروفة حينها. الامر الذي أدي تبعاً لذلك إلي إنتشار نُظم الدولة والنظم الدبلوماسية الاوروبية في مختلف الدول التي كانت واقعة تحت الإحتلال الأوروبي في ذلك الوقت, ثم إنتشرت تلك النظم بعد ذلك في بقية دول العالم خارج القارة الاوروبية عندما صارت ” أعرافاً دولية “.
ظلت صور الممارسة الدبلوماسية تتطور مع تطور صور العولمة حتي وصلت إلي أرقي أشكال “عولمة الدبلوماسية” ممثلة في إنشاء عصبة الأمم (League of Nations) في العام 1919م, والتي إستُبدِلت لاحقاً بمنظمة الامم المتحدة (United Nations) في العام 1945م. والتي تضم في عضويتها حالياً 193 دولة مستقلة ذات سيادة, بعد ان كانت عضويتها 50 دولة فقط في العام الذي نشأت فيه, ثم إزداد العدد وتضاعف بعد تفكك الإمبراطوريات الإستعمارية الأوروبية ونيل العديد من الدول لإستقلالها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما ساهم تفكك دول كبيرة مثل الإتحاد السوفيتي (USSR) ويوغوسلافيا سابقاً في زيادة عدد الدول المستقلة وزيادة عضوية الامم المتحدة تبعاً لذلك. وتجدر الإشارة إلي أن السودان إنضم رسمياً إلي الأمم المتحدة بتاريخ 12 نوفمبر 1956 م وذلك مباشرة بعد نيله إستقلاله عن بريطانيا العظمي.
جعلت العولمة الحد الفاصل بين القضايا المحلية والقضايا الدولية يكاد يتلاشي في هذا العصر. إن قضايا مثل التلوث البيئي وحقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل (Weapons of Mass Destruction, WMD) والحكم الرشيد والديمقراطية ماعادت قضايا “محلية “, بل أصبحت قضايا “دولية ” لما لها من تأثيرات تمتد إلي خارج حدود الدول والأقاليم في عالم يصبح كل يوم اكثر ترابطاً وتشابكاً. هذه الظواهر الجديدة جعلت الدبلوماسية الحديثة مجبرة علي التعامل مع قضايا غير تقليدية بالنسبة للدبلوماسيين, تتراوح ما بين التغير المناخي إلي التدخل الإنساني ومسؤلية الحماية (Responsibility to Protect or R2P) إلي جانب قضايا أخري. كل ذلك يجعل التحديات التي تواجه الدبلوماسيين تختلف من بلد لآخر ومن قارة لأخري. فبينما تهتم الدول الصناعية المتطورة بقضايا التغير المناخي بصورة كبيرة, تحوز قضايا مثل حل النزاعات الداخلية وقضايا حقوق الإنسان علي صدارة إهتمام الدبلوماسيون الأفارقة لما لها من تأثير مباشر وخطير علي العلاقات الدبلوماسية ومشاريع التنمية بين الدول الأفريقية “الفقيرة” والدول المانحة “الغنية”, غربيةً كانت او غيرها. ويجد الدبلوماسيون الأفارقة أنفسهم مواجهون كذلك بمعالجة قضايا تتعلق بتنمية البني التحتية وبناء وحفظ السلام علي سبيل المثال إلي جانب مهامهم الدبلوماسية التقليدية.
إن الدول النامية في الوقت الحالي بحاجة ماسة إلي الإهتمام بتوجيه نشاطاتها الدبلوماسية نحو القطاعات المهمة مثل جذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة (Foreign Direct Investments, FDI), إضافة لزيادة التعاون بين دول الجنوب في جميع المجالات بصورة تجعل ممارساتها الدبلوماسية كدول نامية أكثر موائمةً مع العولمة.
مازالت عملية العولمة مستمرة في يومنا هذا, وسيظل تأثيرها علي العلاقات الدولية مستمراً في المستقبل. لذلك فإن الممارسة الدبلوماسية لأي دولة تحتاج إلي أن تتطور لتعكس الجوانب المتعلقة بالعولمة بما فيها الزيادة المضطردة في اعداد اللاعبين في النظام الدولي من الجهات الفاعلة من غير الدولة (non-state actors). أخيراً, فإن تطور الممارسة الدبلوماسية بسبب كل هذه المتغيرات سيؤدي إلي تطور مفهوم الدبلوماسية نفسه في المستقبل القريب.
tayiboo@yahoo.com