الدولة التي تآكلت: من “لبننة العالم” إلى واقع السودان

د. محمد عبدالله

في مطلع التسعينيات، وسط غبار انهيار جدار برلين وبداية تشكّل عالم جديد لم تكن ملامحه قد اكتملت بعد، صدر كتاب للدبلوماسي والمفكر الفرنسي جان ماري غيهنو بعنوان صادم: نهاية الديمقراطية. لكن قراءة متأنية للكتاب تكشف أن غيهنو لم يكن نذير شؤم يعلن وفاة الفكرة الديمقراطية، بقدر ما كان راصدًا دقيقًا لتحوّل تاريخي عميق: لحظة بدأت فيها الدولة القومية — الوعاء الذي احتضن الديمقراطية الحديثة — تفقد قدرتها على احتواء مجتمعاتها ورسم حدود واضحة لسلطتها.

لم يكن غيهنو متشائمًا بقدر ما كان واقعيًا. فقد انطلق من فكرة بسيطة ومقلقة في آن: الديمقراطية ليست يقينًا أخلاقيًا معلقًا في الفراغ، بل نظامًا سياسيًا نشأ داخل شروط محددة. فهي تحتاج إلى إطار جغرافي واضح يُعرّف “الشعب” صاحب السيادة، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة السياسة بوصفها مجالًا للاختيار والمساءلة. غير أن ما أعقب نهاية الحرب الباردة — من تسارع العولمة الاقتصادية وثورة الاتصالات — أخذ يقوّض هذه الشروط بهدوء. تراجعت الحدود أمام حركة رأس المال، وتحوّلت العلاقات الإنسانية إلى شبكات عابرة للدول، ووجدت الحكومات نفسها تتقاسم السلطة مع فاعلين يتجاوزونها نفوذًا، من الشركات متعددة الجنسيات إلى المؤسسات المالية الدولية.

في هذا “العالم بلا مركز”، كما يصفه غيهنو، بدأ المواطن يفقد إحساسه بجدوى المشاركة السياسية. فالقرارات التي تمس حياته — من الاقتصاد إلى الأمن — لم تعد تُتخذ حصريًا داخل الإطار الذي يمارس فيه حقه الانتخابي. وهكذا، تتحول الديمقراطية تدريجيًا من ممارسة حية إلى طقس إجرائي، أو إلى شكل يحتفظ بلغته لكنه يفقد مضمونه.

وللتعبير عن هذا المآل، صاغ غيهنو استعارة لافتة: “لبننة العالم”. لم يكن يقصد أن العالم سيغدو نسخة طبق الأصل من لبنان خلال حربه الأهلية، بل استخدم التجربة اللبنانية بوصفها نموذجًا مكثفًا لظاهرة آخذة في الاتساع: دولة قائمة في الشكل لكنها متآكلة في الفعل؛ مجتمع متعدد لكنه مفتوح على صراعات هوياتية متكررة؛ وسلطة موزعة بين فاعلين محليين وخارجيين، بحيث يغدو غموض السيادة وتعدد مراكز القوى سمة عامة لا استثناء.

إذا انتقلنا من هذا الأفق النظري إلى السودان، سنجد أن ما صاغه غيهنو كاحتمال، يتجسد هنا كواقع يومي. فالدولة السودانية، منذ استقلالها، لم تنجح في ترسيخ نفسها بوصفها إطارًا جامعًا. ظلّت، في كثير من مراحلها، أقرب إلى سلطة تعلو المجتمع من كونها تعبيرًا عنه، ومع كل انقلاب أو حرب أهلية كانت تتآكل أكثر، وتفقد قدرتها على تمثيل مواطنيها وصيانة عقدهم المشترك.

في هذا الفراغ، عادت الولاءات الصغرى لتملأ المشهد، لا بوصفها بقايا تقليدية، بل كبدائل عملية. القبيلة، والجهة، والطائفة، لم تعد مجرد هويات ثقافية، بل صارت شبكات حماية ومعنى في آن. فهي التي تؤمّن حين تغيب الدولة، وتمنح الإحساس بالانتماء حين يتلاشى المعنى الوطني. وهكذا، لم يعد السؤال المركزي “من يحكم؟”، بل “من يحميني؟” — وهو تحوّل يكشف انتقال السياسة من فضاء الدولة إلى فضاءات ما دونها.

خطورة هذا التحول لا تكمن في تعدد الهويات بحد ذاته، بل في غياب الإطار الذي ينظمها. فحين تتراجع المواطنة بوصفها رابطة جامعة، ويتقدم الانتماء الضيق، يتحول المجال السياسي من ساحة تفاوض بين أفراد متساوين إلى ساحة تنافس بين كتل مغلقة. وفي مثل هذا السياق، تصبح التسويات هشة بطبيعتها، لأن ما يُدافع عنه ليس برنامجًا قابلًا للمراجعة، بل هوية يُنظر إليها كقضية وجود.

السودان اليوم، بانقسامه بين قوى مسلحة، وتداخُل صراعاته الداخلية مع رهانات إقليمية ودولية، يقترب من هذا النموذج الذي وصفه غيهنو: دولة لا تحتكر العنف ولا القرار، ومجتمع حيّ لكنه يفتقر إلى إطار جامع مستقر. ليس انهيارًا كاملاً، بل تفككًا مستمرًا لا يستقر على شكل.

ومع ذلك، فإن استدعاء هذا التحليل لا يعني التسليم بمآلاته. فغيهنو نفسه لم يكتب نبوءة مغلقة، بل طرح سؤالاً مفتوحًا: كيف يمكن الحفاظ على معنى الحرية في عالم لم تعد فيه الدولة القومية حاضنتها الوحيدة؟ وفي السودان، يأخذ هذا السؤال طابعًا أكثر إلحاحًا: كيف يمكن بناء إطار سياسي يعترف بالتنوع العميق، دون أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر دائم للصراع؟

ربما لا تكمن الإجابة في استعادة نموذج الدولة القديمة، ولا في ترك الهويات تتصارع بلا قيد، بل في البحث عن صيغة جديدة للسياسة: صيغة تعترف بالانتماءات الصغرى دون أن تسمح لها بابتلاع المجال العام، وتعيد تعريف المواطنة كعقد فعلي للحقوق والواجبات، لا كشعار مجرد. إنها مهمة معقدة، تتطلب تفكيك إرث طويل من الإقصاء، وإعادة بناء الثقة في فكرة العيش المشترك.

في النهاية، لا يبدو السودان وكأنه يعيش “نهاية الديمقراطية”، بقدر ما يعيش أزمة شروطها. فالديمقراطية لا تموت لأنها فكرة فاشلة، بل لأنها تفقد التربة التي تنمو فيها. والسؤال الذي تفرضه هذه التجربة ليس ما إذا كانت الديمقراطية ستعود كما كانت، بل ما إذا كان بالإمكان تخيّل شكل جديد لها، يتسع لعالم يتغير و لبلد لم يستقر بعد على صورته النهائية .
muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

السودان… مأساة الدولة التي لم تصبح أمة

د. محمد عبدالله بين الأكاديميين الذين خاضوا غمار أفريقيا، يظل للمؤرخ الفرنسي جيرار برونييه * …