lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة خطأ واحد ارتكبته نخبة بعينها، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل تداخلت فيه سياسات الاستعمار مع إخفاقات ما بعد الاستقلال، حتى أصبح هذا الشعب وكأنه محكوم بأن يدفع ثمن اختيارات لم يُستشر فيها، وأخطاء لم يكن شريكًا في صنعها. فالحظ العاثر الذي يلاحق جنوب السودان ليس قدرًا سماويًا، بقدر ما هو نتيجة تراكمات بشرية وسياسية كان يمكن تفادي كثير منها لو توفرت الإرادة والرؤية. منذ بدايات الحكم الثنائي، وُضع جنوب السودان في هامش متعمد من خارطة التطور. لم يكن ذلك ناتجًا عن إهمال إداري أو ضعف إمكانيات، بل كان سياسة واعية انتهجتها الإدارة البريطانية، تقوم على تعطيل التعليم، وتقييد فرص التكوين المعرفي، وخلق فاصل ثقافي ونفسي بين الجنوب والشمال. فقد رأت بريطانيا أن وحدة الوعي بين شطري السودان تمثل خطرًا مباشرًا على استمرار نفوذها، وأن التعليم، بقدر ما هو أداة تنمية، هو أيضًا أداة تحرر. لهذا السبب، أُبقي جنوب السودان خارج مسار التحديث الذي عرفته مناطق أخرى، ليس لأن أهله أقل قدرة أو استعدادًا، بل لأن الاستعمار خشي من نتائج وعيهم. فشعبٌ متعلم، واعٍ بحقوقه، ومتصالح مع ذاته، لا يمكن التحكم فيه بسهولة، ولا يمكن ضمان ولائه الدائم. وهكذا، زُرعت بذور الاختلال الأولى في بنية المجتمع الجنوبي، حيث خرج من حقبة الاستعمار مثقلًا بالحرمان التعليمي، وضعف البنية الإدارية، وغياب النخب المؤهلة لإدارة الدولة. بعد نهاية الحكم الثنائي، لم يرث الجنوب دولة قابلة للحياة، بل ورث فراغًا مؤسسيًا، ونخبة محدودة التكوين، وجراحًا اجتماعية عميقة. وفي ظل هذا الواقع، دخل بعض أبنائه المعترك السياسي دون أدوات حقيقية للفهم والإدارة، فغلب الارتجال على التخطيط، وردّ الفعل على الفعل، وتحولت السياسة من فن إدارة الممكن إلى ساحة صراع على النفوذ والوجود. ومع ذلك، لم يكن شعب جنوب السودان مجرد ضحية صامتة للتاريخ. فقد بدأت ملامح الوعي القومي في التشكل مبكرًا، لا سيما عبر الحركة العمالية، التي لعبت دورًا مهمًا في تحويل المعاناة اليومية إلى وعي سياسي. وكان عمال نسيج أنزارا مثالًا واضحًا على أن الوعي الوطني لا يولد فقط في مراكز التعليم، بل قد ينبثق من قسوة العمل، ومن الإحساس بالظلم، ومن الرغبة في الكرامة. من تلك البيئات، انطلقت شرارة عام 1955، لتعلن بداية مرحلة جديدة في التعبير عن الرفض، وإن كانت أدواتها لا تزال بدائية. لقد كشفت تلك المرحلة المبكرة عن مفارقة مؤلمة: شعب يمتلك إحساسًا عاليًا بالظلم، لكنه يفتقر إلى النخب القادرة على تحويل هذا الإحساس إلى مشروع سياسي متكامل. وهذا الخلل، الذي صُنع في رحم الاستعمار، استمر لاحقًا بأشكال مختلفة، حيث ظلت السياسة في الجنوب تتقدم أسرع من الوعي المؤسسي، وظلت البندقية تسبق الفكرة، والحدث يسبق التخطيط. إن أخطر ما خلّفته تلك السياسات الاستعمارية لم يكن فقط نقص التعليم، بل تشويه مفهوم الدولة ذاته. فالدولة، في الوعي المبكر، لم تُفهم باعتبارها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، بل كأداة للسيطرة، أو غنيمة تُنتزع بالقوة. هذا الفهم المشوّه، الذي وُلد في غياب مؤسسات تعليمية وسياسية راسخة، ظل يلاحق التجربة الجنوبية حتى بعد الاستقلال، وأعاد إنتاج نفسه في صراعات النخب، وفي ضعف الثقة بين المجتمع والدولة. وحين ننظر اليوم إلى واقع جنوب السودان، لا يمكن فصل أزماته الحالية عن تلك الجذور. فالفساد، والمحاصصة، والانقسامات القبلية، ليست ظواهر طارئة، بل امتدادات طبيعية لمسار لم يُصحَّح في الوقت المناسب. فالدولة التي تُبنى دون تعليم كافٍ، ودون مؤسسات قوية، ودون ثقافة سياسية جامعة، تظل هشة، قابلة للانقسام عند أول اختبار حقيقي. إن تحميل المسؤولية للاستعمار وحده سيكون تبسيطًا مخلًا، كما أن تحميلها للنخب الحالية فقط فيه تجاهل للتاريخ. فالأزمة نتاج تفاعل بين ماضٍ صُنع بعناية لإضعاف الجنوب، وحاضرٍ فشل في كسر ذلك الإرث. وبين هذا وذاك، ظل الشعب يدفع الثمن، مرة بالحرمان، ومرة بالحرب، ومرة بخيبة الأمل. هذا المقال لا يسعى إلى اجترار الماضي من أجل البكاء عليه، بل لفهمه بوصفه مفتاحًا لتفكيك الحاضر. فالأمم التي لا تراجع جذور أزماتها، محكوم عليها بإعادة إنتاجها بأشكال جديدة. وجنوب السودان، إن أراد الخروج من دائرة الحظ العاثر، لا بد له أولًا أن يعترف بأن التخلف لم يكن صدفة، وأن معالجته لا تكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الوعي، والتعليم، والمؤسسات، على أسس جديدة. يتبع…
الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (2-5)
لم يأتِ الوعي القومي في جنوب السودان دفعة واحدة، ولم يولد في قاعات الدرس أو أروقة النخب، بل تشكّل ببطء، وتحت ضغط القهر اليومي، وفي مساحات العمل الشاق والمعاناة الصامتة. فقبل أن تتبلور الفكرة السياسية، سبقت البندقية إلى الميدان، ليس بدافع حب العنف، بل لأن الأبواب الأخرى كانت موصدة، ولأن الصوت الذي لا يُسمع لا يجد أمامه سوى الضجيج وسيلةً للفت الانتباه. في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان الجنوب يعيش حالة من التناقض الحاد: شعور متزايد بالظلم والتهميش، يقابله ضعف شديد في التنظيم السياسي والقيادة المؤهلة. لم يكن هذا التناقض وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لسياسات طويلة حرمت المجتمع من التعليم والتكوين المؤسسي، وتركته يواجه مصيره بأدوات ناقصة. ومع ذلك، فإن هذا النقص لم يمنع تشكّل وعي أولي، قاده البسطاء قبل المتعلمين، والعمال قبل الساسة. لعبت الحركة العمالية دورًا محوريًا في هذا التحول. ففي أماكن مثل مصانع نسيج أنزارا، لم يكن العمال يناقشون النظريات السياسية، لكنهم كانوا يعيشون الظلم في أدق تفاصيله: ساعات عمل طويلة، أجور متدنية، تمييز واضح، وغياب لأي أفق إنساني. من هنا، بدأ الإحساس بأن المشكلة ليست فردية، بل بنيوية، وأن المعاناة المشتركة يمكن أن تتحول إلى قوة جماعية. هكذا، وُلد الوعي قبل أن تُصاغ لغته السياسية. جاءت أحداث عام 1955 لتعكس هذا التحول. لم تكن انتفاضة منظمة بالمعنى الكلاسيكي، ولم تستند إلى قيادة مركزية أو برنامج سياسي واضح، لكنها كانت صرخة جماعية ضد واقع لم يعد محتملًا. ومنذ تلك اللحظة، دخل جنوب السودان في طور جديد من تاريخه، طورٍ أصبحت فيه البندقية لغة التعبير الأساسية، ليس لأنها الخيار الأفضل، بل لأنها الخيار المتاح. اندلعت الحرب الأولى في ظل غياب شبه كامل للكادر القيادي المؤهل. كان المقاتلون يملكون الشجاعة، لكنهم يفتقرون إلى الرؤية الاستراتيجية. وكانت النوايا صادقة في كثير من الأحيان، لكنها غير مسنودة بخبرة سياسية قادرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب دائمة. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من شأن تلك المرحلة، لأنها حققت إنجازًا بالغ الأهمية: كسرت حاجز الصمت، وفرضت قضية جنوب السودان على الأجندة الإقليمية والدولية. برزت حركة «أنيانيا» كإطار جامع لذلك النضال، ورغم محدودية إمكانياتها، استطاعت أن تمنح الجنوب صوتًا مسموعًا. لم تكن الحركة مثالية، ولم تكن خالية من الانقسامات، لكنها نجحت في ربط معاناة الجنوب بالسياق الأفريقي العام، حيث كانت القارة تعيش ذروة حركات التحرر الوطني. لم يعد نضال الجنوب يُنظر إليه كقضية محلية معزولة، بل كجزء من معركة أوسع ضد الظلم والاستبداد. في تلك الفترة، كان الانتماء الأفريقي عنصرًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجنوبي. فجنوب السودان وجد نفسه أقرب، نفسيًا وسياسيًا، إلى تجارب كينيا وتنزانيا وزيمبابوي، منه إلى مركز الحكم في الخرطوم. لم يكن ذلك تعبيرًا عن عداء ثقافي، بقدر ما كان بحثًا عن نموذج يُشبهه، وعن خطاب يعترف بإنسانيته وحقه في الكرامة. وهكذا، تلاقى نضاله مع المدّ التحرري الأفريقي، الذي رفع شعار تحرير الإنسان قبل الأرض. من رحم هذا المناخ، نشأت تنظيمات سياسية مثل الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني (سانو)، محاولةً نقل الصراع من ساحة السلاح وحدها إلى فضاء السياسة. غير أن هذه المحاولات ظلت محدودة التأثير، بسبب ضعف القاعدة التعليمية، وضيق هامش العمل السياسي، وتغوّل العسكر على الفعل المدني. فكانت السياسة تتبع الحرب، بدل أن تقودها، وكانت الفكرة تأتي متأخرة، بعد أن تكون الدماء قد سالت. هذا التقديم المستمر للبندقية على الفكرة ترك أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الجنوبي. فقد ترسخ، بمرور الوقت، اعتقاد غير معلن بأن القوة هي الطريق الأسرع لتحقيق المطالب، وأن التنظيم السياسي مجرد ملحق للصراع المسلح. هذا الاعتقاد، وإن كان مفهومًا في سياقه التاريخي، إلا أنه زرع بذور أزمة لاحقة، حين تحولت القوة من وسيلة اضطرارية إلى ثقافة سياسية قائمة بذاتها. انتهت الحرب الأولى باتفاق أديس أبابا عام 1972، حاملةً معها آمالًا كبيرة بمرحلة جديدة من السلام والاستقرار. غير أن هذه الآمال كانت أكبر من الواقع السياسي القائم. فالاتفاق أوقف القتال، لكنه لم يعالج الجذور العميقة للأزمة، ولم يُنتج مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع وحماية السلام. وهكذا، ظل الوعي القومي في حالة نمو غير مكتمل، وتراكمت التناقضات تحت السطح، في انتظار انفجار جديد. لقد علّمت تلك المرحلة شعب جنوب السودان أن رفع السلاح قادر على إيصال الصوت، لكنه غير كافٍ لبناء الدولة. ومع ذلك، لم تُستخلص هذه الخلاصة بالكامل، لا على مستوى النخب، ولا على مستوى البنية السياسية العامة. فظل الجنوب يتأرجح بين الإحساس بالحق، والعجز عن تحويله إلى مشروع مستدام، وهي مفارقة ستتكرر لاحقًا بأشكال أكثر قسوة. ما بين 1955 و1972، تشكّل وعيٌ قلق، شجاع، لكنه غير مكتمل. وُلدت فيه فكرة الجنوب كقضية، لا كدولة. وهذا الفارق، الذي قد يبدو بسيطًا في الظاهر، سيكون لاحقًا أحد أعقد إشكالات التجربة الجنوب سودانية. فقضية يمكن الدفاع عنها بالسلاح، أما الدولة فلا تُبنى إلا بالعقل، والمؤسسات، والقدرة على إدارة الاختلاف. يتبع…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم