بقلم: لوال كوال لوال
لم يكن الدكتور جون قرنق مجرد قائد عسكري أو زعيم حركة تمرد، بل كان، في جوهره، مشروعًا فكريًا وسياسيًا سابقًا لزمنه، حاول أن ينقل قضية جنوب السودان من مربع الشكوى التاريخية إلى أفق الدولة الحديثة. ففي سياق سياسي طغت عليه البندقية، جاء قرنق محمّلًا بفكرة، لا بوصفها ترفًا نظريًا، بل باعتبارها شرطًا ضروريًا لإنهاء الحرب وبناء سلام مستدام. تميّز قرنق عن سابقيه بقدرته على قراءة الأزمة السودانية بوصفها أزمة بنيوية شاملة، لا مجرد صراع بين شمال وجنوب. فقد أدرك أن التهميش ليس حكرًا على الجنوب، وأن بنية الدولة السودانية نفسها قائمة على الإقصاء، وأن أي حل جزئي سيؤدي، عاجلًا أو آجلًا، إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة. من هنا، جاءت فكرة «السودان الجديد» كمحاولة لإعادة تعريف الدولة، والهوية، والمواطنة، على أسس تتجاوز العرق والدين والجهة. لم تكن هذه الرؤية سهلة الهضم، لا في الشمال ولا في الجنوب. ففي الشمال، اعتُبرت تهديدًا مباشرًا لامتيازات تاريخية راسخة، وفي الجنوب، رآها بعضهم تراجعًا عن مطلب الاستقلال الكامل، أو التفافًا على حلم الدولة الخاصة. ومع ذلك، ظل قرنق متمسكًا برؤيته، مؤمنًا بأن الانفصال دون تغيير بنية التفكير السياسي سيقود إلى دولة ضعيفة، أسيرة لصراعاتها الداخلية. استطاع قرنق أن يمنح الحركة الشعبية لتحرير السودان بعدًا مختلفًا، فحوّلها من تنظيم عسكري محض إلى إطار سياسي واسع، يستقطب المهمشين من مختلف أقاليم السودان. وبذلك، لم يعد الجنوب وحده حاملًا للمشروع، بل انضمت إليه قوى من جبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وحتى من داخل الشمال نفسه. هذا التوسّع في الرؤية منح الحركة شرعية تتجاوز الجغرافيا، ورسّخ صورة قرنق كقائد قومي، لا جهوي. لكن هذا التحول لم يخلُ من تناقضات. فالحركة، رغم خطابها السياسي المتقدم، ظلت محكومة بثقافة عسكرية فرضتها ظروف الحرب. وكان التوتر دائمًا قائمًا بين منطق الفكرة ومنطق السلاح، بين بناء التنظيم السياسي وإدارة المعارك. ومع ذلك، نجح قرنق في الحفاظ على توازن هش، جعل الحركة فاعلًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه، سواء في الميدان أو على طاولة التفاوض. جاءت اتفاقية السلام الشامل عام 2005 كتتويج لمسار طويل من الصراع والتفاوض. لم تكن الاتفاقية مثالية، ولم تُلبِّ جميع تطلعات الحركة الشعبية، لكنها فتحت نافذة حقيقية لتحول تاريخي. فقد أصبح قرنق النائب الأول لرئيس الجمهورية، وحاكم جنوب السودان، وبدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، مرحلة كان يُفترض أن تنتقل فيها الحركة من منطق الحرب إلى منطق الدولة. في تلك اللحظة، تعلّقت آمال واسعة بشخص قرنق، ليس فقط في الجنوب، بل في السودان بأسره. فقد رأى فيه كثيرون فرصة نادرة لكسر الحلقة الجهنمية من الاستبداد والحروب، وبناء دولة تعترف بتعددها وتحتفي به. وكان وصوله إلى الخرطوم، واستقباله الجماهيري غير المسبوق، تعبيرًا صادقًا عن تعطّش شعبي للتغيير، وعن إيمان بأن هذا الرجل يحمل ما لم يحمله غيره. لكن القدر كان أسرع من الأحلام. بعد واحد وعشرين يومًا فقط من توليه منصبه، رحل قرنق في حادث مأساوي، تاركًا خلفه فراغًا سياسيًا وفكريًا هائلًا. لم يكن رحيله مجرد فقدان قائد، بل فقدان مشروع بأكمله. فالأفكار، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى من يحميها، ويترجمها إلى مؤسسات، ويقود عملية التحول الشاقة من الثورة إلى الدولة. كشف غياب قرنق عن هشاشة البنية السياسية التي كان يقودها. فسرعان ما طفت على السطح التناقضات المؤجلة، وتقدمت الولاءات الضيقة على الرؤية القومية، وعادت الحركة الشعبية إلى الانكماش داخل حدود الجنوب، متخليةً، عمليًا، عن مشروع السودان الجديد. ومع هذا الانكماش، تراجع الحلم الكبير، وحلّت محله حسابات السلطة، والصراع على المواقع، وتقاسم النفوذ. لم يكن ذلك التحول حتميًا، لكنه كان نتيجة مباشرة لغياب القيادة القادرة على ضبط التوازن بين الفكرة والمصلحة. فقد افتقدت الحركة، بعد قرنق، الشخصية الجامعة التي تستطيع فرض الانضباط السياسي، وإدارة الاختلاف الداخلي، ومنع انزلاق الصراع من مستوى الأفكار إلى مستوى السلاح. وهكذا، تحوّلت الخلافات السياسية إلى صراعات شخصية، ثم إلى مواجهات مسلحة لاحقًا. إن مأساة جون قرنق لا تكمن فقط في رحيله المبكر، بل في أن مشروعه لم يجد من يكمله بالجرأة نفسها. فالقادة الذين جاؤوا بعده ورثوا التنظيم، لكنهم لم يرثوا الرؤية. ورثوا السلطة، لكنهم لم يرثوا الفكرة. وهنا، بدأت أولى حلقات الحظ العاثر تتجلى بوضوح، حين ضاع المشروع في اللحظة التي كان فيها أقرب ما يكون إلى التحقق. كان قرنق يدرك، على الأرجح، أن الاستقلال وحده لن يكون حلًا سحريًا، وأن الدولة التي تُبنى دون إعادة صياغة عميقة للعقل السياسي، ستعيد إنتاج أزماتها بأسماء جديدة. ورحيله حرم الجنوب من فرصة اختبار هذه الفرضية على أرض الواقع. فبدل أن يكون الاستقلال تتويجًا لمسار إصلاحي، تحوّل لاحقًا إلى بداية لمسار مختلف، ستتكشف نتائجه المؤلمة في السنوات التالية. يتبع…
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم