Sudanile-Logo-SQ

الديموقودية كمدخل لوقف استباحة حقوق المجتمعات الأصلية وتدمير مواردها في زمن الحرب في السودان

د. بخيت اوبي
في ظل تفاقم النزاعات والصراعات والانقسامات الحادة والتصدعات العميقة للمجتمعات في ظل الحرب الجارية في السودان منذ منتصف ابريل ٢٠٢٣م، تلوح في الافق الحاجة الماسة إلى مفاهيم جديدة مستنبطة من تاريخ الشعوب السودانية وحضارتها، تدمج بين الإرث الثقافي والحداثة، بهدف حماية الحقوق الأساسية للأفراد والمجتمعات. من بين هذه المفاهيم، تبرز “الديموقودية” كمدخل فلسفي، وواقعي يعكس روح الشعب السوداني وتاريخه وحضارته، حيث تمزج بين الديمقراطية الحديثة والجودية، إذ يمثل نمط فريد من الحكم والإدارة يستند إلى التجربة الشعبية والتراث الثقافي. فهل يمكن لهذه الصيغة أن تكون وسيلة فعالة لوقف استباحة حقوق المجتمعات الأصلية وتدمير مواردها في ظل الحرب المستعرة في السودان؟
جوهر “الديموقودية” في سياقها السوداني، ليست مجرد نظام سياسي رسمي، وإنما هي منهج حياة ينبثق من صميم التراث الشعبي، حيث يلتقي فيها مفهوم الديمقراطية الحديثة بمبادئ الجودية التقليدية في الإرث الشعبي، وهي قيم تتعلق بالعدالة، التعاون، واحترام الحقوق الجماعية والفردية. إذ أن الجودية كمفهوم سوداني أصيل، يعبر عن مبادئ التوافق، السلم الأهلي، والتداول السلمي للسلطة، الاستناد إلى الحكمة والممارسة في حل مشكلات المجتمعات المحلية، ويؤكد على أن الحكم يجب أن ينبع من إرادة الجماعة واستنادًا إلى قيم التعايش والتسامح.ولاشك في أن هذا الدمج يخلق نظامًا فكريًا وسياسيًا يعكس الروح الشعبية ويعزز من مقاومة الاستغلال والنهب، خاصة في ظروف الحرب والصراعات، حيث تتعرض المجتمعات الأصلية للاستباحة من قبل قوى داخلية وخارجية، وتنهب مواردها لتمويل نزاعات غير عادلة. من الناحية الفلسفية، تعكس “الديموقودية” مبدأ التوازن بين السلطة والعدالة، بين الفرد والجماعة. فهي تؤمن بأن السلطة ليست ملكًا لأفراد أو جهة واحدة، وإنما هي وظيفة تتداولها الجماعات عبر آليات تعكس إرادتها الحرة، مع الالتزام بقيم العدل والكرامة الإنسانية.
وفي ظل الحرب في السودان، تصبح “الديموقودية” فلسفة مقاومة ترفض فرض الوصاية أو الاستغلال، وتدعو إلى إشراك المجتمعات الأصلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتها ومواردها، بشكل يضمن عدم تكرار استباحة حقوقها ومواردها. ويمكن الإشارة في هذا المضمار إلى بعض الحلول التي تلامس الواقع وربما اقرب إلى التطبيق العملى منها الآتي:
١-اعادة الاعتراف بالحقوق الجماعية للمجتمعات الاصلية وتضمين ذلك في الدستور في شكل نصوص أو قوانين دستورية تضمن حقوق هذه المجتمعات في ملكية أراضيها واستثمار مواردها، والمشاركة الفعالة في صنع القرار.
٢-تفعيل آليات العدالة الانتقالية: لإنصاف المجتمعات التي تعرضت للنهب والاستغلال، وإقامة لجان تحقيق مستقلة وتعويض المتضررين، وتحقيق العدالة وفق مبادئ “الديموقودية” التي تدمج بين العدالة والشفافية.
٣-تعزيز الحوار الثقافي والسياسي المبني على الجودية: وذلك عبر تعزيز قيم التوافق والتعايش بين مختلف المجموعات، بما يضمن عدم استغلال الاختلافات لزرع الفتن والنزاعات، وبصورو تعزز من الوحدة الوطنية.
٤-تطوير برامج تنموية مستدامة: تستهدف تحسين مستوى المعيشة، وتوفير بدائل اقتصادية للمجتمعات الأصلية، بحيث تقل الحاجة إلى الاعتماد على مواردها بشكل مفرط، وتحد من استغلالها في زمن الحرب.
٥-تعزيز الوعي والتربية على قيم “الديموقودية” المستمدة من التراث السوداني :من خلال منابر التعليم والإعلام، لزرع ثقافة المواطنة، والعدالة، والتسامح، باعتبارها أسس حماية حقوق المجتمعات الأصلية.
خلاصة القول إن “الديموقودية” كمفهوم وكممارسة، تمثل فرصة فريدة لدمج التراث الثقافي السوداني مع مبادئ الديمقراطية الحديثة، بهدف بناء نظام حكم يعكس إرادة الشعب ويصون حقوقه. فهي ليست مجرد خيار سياسي، وإنما فلسفة حياة تستند إلى قيم العدالة، التوافق، والتسامح، تُمكن المجتمعات الأصلية من مقاومة استباحة حقوقها ومواردها، خاصة في زمن الحرب والتحديات الكبرى. فالسودان، بتاريخ تراثه الغني، يحتاج إلى أن ينهج هذا الطريق، الذي يجمع بين الحكمة الشعبية والمعرفة الإنسانية، ليصنع مستقبلًا يتسق مع روحه وتاريخه، ويضمن حقوق أجياله القادمة.وتعويض المتضررين، وتحقيق العدالة وفق مبادئ “الديموقودية” التي تدمج بين العدالة والشفافية.

bakhietobey2010@gmail.com

عن بخيت أوبي

بخيت أوبي