من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
اقتصاد الواقع… قراءة هادئة في عصب العالم
مقدمة
الديون في ظاهرها علاقة مالية بسيطة:
مُقرض يمنح مالًا،
ومُقترض يسدده مع فائدة.
لكن في عمق النظام الاقتصادي العالمي، لم تعد الديون مجرد أداة تمويل، بل تحولت في كثير من الحالات إلى:
وسيلة نفوذ
أداة ضغط
لغة سيطرة ناعمة
وسلاح بلا جيوش
السؤال الحقيقي إذن ليس:
من استدان؟
بل: من صمّم شروط الاستدانة؟ ومن يملك
مفاتيح الخروج منها؟
أولًا: متى تتحول الديون من تمويل إلى هيمنة؟
الديون تصبح أداة هيمنة حين: لا تُستخدم لبناء القدرة الإنتاجية
تُربط بشروط سياسية أو هيكلية
تُفرض بعملة لا يملكها المقترض
تُدار بفوائد تتجاوز النمو الحقيقي
تُجدد ديونًا قديمة بدل تمويل جديد
هنا لا تكون الديون جسرًا للتنمية، بل دائرة تبعية.
ثانيًا: من يُقرض من في النظام العالمي؟
في الخريطة الواقعية: الدول الغنية والمؤسسات الدولية تُقرض
الدول النامية والضعيفة اقتصاديًا تقترض
لكن المفارقة أن: المال غالبًا يعود إلى الدول المقرضة
عبر شركاتها
ومشترياتها
وخدماتها الاستشارية
فيبقى الدين على الدولة الفقيرة،
بينما تُستعاد القيمة إلى مركز النظام.
ثالثًا: المؤسسات المالية الدولية… حياد أم نفوذ؟
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يقدمان أنفسهما كجهات فنية،
لكن تجارب كثيرة أظهرت أن: شروط الإقراض ليست محايدة دائمًا
الوصفات تكاد تتكرر مهما اختلفت الدول
الخصوصيات المحلية تُهمل
الأثر الاجتماعي يُؤجل
الإصلاحات المطلوبة مقابل القروض كثيرًا ما تشمل:
رفع الدعم
خصخصة الخدمات
تحرير الأسعار
تقليص دور الدولة
وهي إجراءات قد تُحسن الأرقام، لكنها تُربك المجتمعات.
رابعًا: من يدفع الثمن فعليًا؟
نادرًا ما يدفع صانع القرار ثمن الدين.
الذي يدفعه عادة: المواطن العادي
الطبقة الوسطى
الخدمات العامة
الأجيال القادمة
الدين لا يُسدَّد فقط من الميزانية،
بل من:
فرص ضائعة
تعليم أضعف
صحة أكثر هشاشة
سيادة أقل مرونة
وهكذا يتحول الدين إلى عبء اجتماعي طويل الأمد.
خامسًا: الديون والسيادة الوطنية
حين تتراكم الديون:
تتقلص حرية القرار
تُقيد السياسات المالية
تُدار الأولويات من الخارج
تُستبدل الرؤية الوطنية بالالتزام التعاقدي
السيادة لا تُسلب دفعة واحدة،
بل تُقايَض بالتدريج… قرضًا بعد قرض.
سادسًا: هل كل الديون سيئة؟
لا.
الديون ليست شرًا مطلقًا.
الدين قد يكون: أداة تنمية
رافعة استثمار
وسيلة عبور لأزمة
لكن الفرق الجوهري هو:
هل يُستخدم لبناء اقتصاد منتج؟
أم لسد فجوات استهلاكية؟
هل يُدار بشفافية؟
أم يُستهلك بلا مساءلة؟
الدين الذكي يولّد قدرة على السداد.
الدين الرديء يولّد دينًا جديدًا.
سابعًا: الصين والديون… نموذج مختلف أم وجه آخر؟
في السنوات الأخيرة، برزت الصين كمُقرض كبير عبر: مبادرة الحزام والطريق
وقد انقسم التحليل بين:
من يراها شريكًا تنمويًا
ومن يراها صانع تبعية جديدة
الواقع أن: الديون الصينية أقل أيديولوجية
لكنها ليست بلا كلفة
وتبقى مرتبطة بمصالح استراتيجية
ما يؤكد أن المشكلة ليست في هوية المقرض،
بل في ضعف موقف المقترض.
ثامنًا: لماذا تقع الدول في فخ الديون؟
لأسباب متراكبة:
اقتصادات ريعيه
ضعف الإنتاج
فساد داخلي
غياب التخطيط طويل الأمد
ضغط سياسي واجتماعي
بحث سريع عن حلول سهلة
الديون غالبًا نتيجة أزمة حوكمة قبل أن تكون أزمة تمويل.
تاسعًا: هل يمكن الخروج من دائرة الهيمنة؟
الخروج ممكن لكنه صعب، ويتطلب: إصلاحًا داخليًا حقيقيًا
تنويع الاقتصاد
تقليل الاعتماد على الخارج
إدارة ذكية للدين
شفافية أمام المجتمع
تحويل القروض إلى أصول منتجة
لا يوجد تحرر بلا كلفة،
لكن كلفة الاستمرار أعلى دائمًا.
خاتمة
الديون ليست مجرد أرقام في دفاتر الدولة،
بل علاقات قوة مكتوبة بلغة المال.
وحين يُسأل: من يُقرض من؟
فالإجابة الأهم هي: من يملك شروط اللعبة؟
ومن يتحمل نتائجها؟
رأي منبر بنيان
نحن لا نُدين الاستدانة،
ولا نُقدّس الرفض المطلق.
نُدين فقط
الديون التي تُستخدم بدل الإصلاح
والقروض التي تُغني الحاضر وتفقر المستقبل
السيادة لا تُشترى بالقروض،
والتنمية لا تُستورد شيكًا مؤجلًا.
مراجع إرشادية عامة
تقارير صندوق النقد الدولي
دراسات الديون السيادية
أدبيات الاقتصاد السياسي العالمي
تحليلات الحزام والطريق
تجارب أمريكا اللاتينية وإفريقيا
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم