الذرَّة – النواة التي فجرت العالم

مقال سردي علميً، ضمن سلسلة “مقالات من بطون كتب – منبر بنيان”. وهو مقال يُعانق العقل والفلسفة والواقع المعاصر
مقدمة: من عظمة الاكتشاف إلى لعنة الاستخدام
كانت الذرة – في بدايات القرن العشرين – مجرد افتراض فلسفي قديم يعود إلى اليوناني ديموقريطس. لكن بحلول الحرب العالمية الثانية، أصبحت الذرة هي محور الصراع البشري الأعظم.
في كتاب “The Making of the Atomic Bomb” للكاتب الأمريكي ريتشارد رودس، لا نقرأ فقط سردًا تاريخيًا لاكتشاف الذرة وبناء القنبلة، بل نغوص في رحلة الإنسان من شغف الاكتشاف إلى جنون القوة.
الفصل الأول: الفكرة تولد من شظايا الضوء
بدأ كل شيء من معامل ضيقة في أوروبا:
بيار وماري كوري يعزلان الراديوم.
رذرفورد يضرب نواة الذرة بجسيمات ألفا.
ثم جاء نيلز بور ليمنح الذرة نظامًا شبيهًا بالمجموعة الشمسية.
كل خطوة كانت فتحًا علميًا، لكن لم يكن يخطر ببالهم أن هذه المعرفة ستقود يومًا إلى موت جماعي في هيروشيما.
الفصل الثاني: شظايا النواة… تُفجّر
في ألمانيا عام 1938، اكتشف الفيزيائيون انشطار نواة اليورانيوم.
وحين قرأ آينشتاين هذا الخبر، كتب رسالة إلى الرئيس الأمريكي محذرًا: “ألمانيا قد تطور سلاحًا ذريًا”.
فانطلقت أمريكا في أكبر مشروع علمي-عسكري في التاريخ: مشروع مانهاتن.
علماء من أوروبا وأمريكا، رؤوس عبقرية تلاقت، لخلق أول سلاح قادر على إبادة مدينة كاملة بلحظة.
الفصل الثالث: ترينيتي – حين انفجرت المعرفة
في صحراء نيو مكسيكو، فجّرت أمريكا أول قنبلة ذرية في يوليو 1945.
قال أوبنهايمر، وهو يشاهد كرة النار تتصاعد:
“الآن أصبحتُ الموت… مدمّر العوالم.”
وبعد أسابيع، سقطت قنبلتا هيروشيما وناجازاكي.
مات 200 ألف إنسان.
ولم يمت أحد من مطلقي القنبلة.
وماتت الأخلاق في أعين كثير من العلماء.
تحليل نقدي: هل خدعنا العلم أم استخدمناه بخبث؟
الكتاب يعرض ببراعة المسارات العلمية، لكنه لا يغفل المواقف الأخلاقية:
هل كان يجب أن تُستخدم القنبلة؟
هل كان علماء الذرة ضحايا للسياسة أم شركاء؟
هل كانت المعرفة نقمة حين افتقدت الضمير؟
هذا السؤال ما زال مطروحًا حتى اليوم.
الذرة في السوق طاقة ، هيمنة، تجارة
بعد الحرب، تحولت الذرة من رمز دمار إلى وعد بالنهضة:
بناء المفاعلات النووية لتوليد الطاقة.
استخدام النظائر المشعة في الطب والزراعة.
استغلال اليورانيوم في سوق السلاح والطاقة.
وهكذا أصبحت الذرة سلعة، لكنها سلعة لا تُباع إلا للحلفاء… وتُمنع عن “الخصوم”.
الذرة في ميزان العالم:القوة والردع
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي دخلا سباق الردع.
ثم انضمت الصين، وفرنسا، وبريطانيا، ثم إسرائيل، والهند، وباكستان، والآن إيران على الأبواب.
كل منهم يحمل قنبلة نووية… لكن لا أحد يستطيع استخدامها.
الكل يعرف: القنبلة تمنحك الردع… لا الانتصار.
درس العصر: من إسرائيل وإيران إلى كل من يظن الذرة أمانًا
حين اندلع النزاع الأخير بين إسرائيل وإيران، انكشفت الحقيقة:
القبة الحديدية لم تحمِ تل أبيب.
لا مفاعل نافع في وجه آلاف الصواريخ.
وملايين البشر عاشوا في الملاجئ رغم النووي.
الذرة سلاح ردع، لا سلاح بقاء.
خاتمة: هل نستحق هذا العقل؟
حين سأل أحدهم أينشتاين عن الحرب العالمية الثالثة، قال:
“لا أعلم، لكن الرابعة ستكون بالعصي والحجارة.”
هل هذا هو مستقبلنا؟
بعد كل هذا التقدم، نعود إلى العصر الحجري لأننا لم نُحسن استخدام نعمة الذرة؟
الكتاب لا يصرخ، لكنه يُنذر…
والتاريخ لا يُعيد نفسه، بل نحن من نُعيد أخطاءه حين ننسى عبره
“نواصل بإذن الله “

بقلم عبد العظيم الريح مدثر
مستشار إقتصادي ومؤسس أعمال السنهوري الإستشاريه. الخرطوم بحري
sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …