الذهب السوداني بين فرص التنمية ومخاطر الاقتصاد الموازي

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com

منبر بنيان مقالات من
بطون كتب

  1. مدخل عام

يُعَد الذهب من أهم الموارد الطبيعية التي تمتلكها السودان، إذ يشكل أكثر من 40% من صادرات البلاد في بعض السنوات، وهو ما جعله يُلقب بـ “النفط الجديد” للسودان بعد فقدان معظم عائدات النفط عقب انفصال الجنوب عام 2011. غير أنّ هذا المورد الاستراتيجي، بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية، تحوّل في كثير من الأحيان إلى مدخل لاقتصاد الظل والتهريب.

يقول الباحث بول كوليير في كتابه “The Plundered Planet” (2010):
“الموارد الطبيعية حين لا تُدار بشفافية تصبح نقمة، لأنها تغذي الفساد وتخلق اقتصادًا موازيًا ينخر في جسد الدولة.”

وهذا ما ينطبق بصورة لافتة على التجربة السودانية.

  1. الذهب كفرصة للتنمية

يمتلك السودان احتياطيًا يُقدَّر بأكثر من 1500 طن من الذهب وفق تقديرات وزارة المعادن (2023)، ما يجعله من بين أكبر خمس دول إفريقية في الاحتياطي.

ويذكر جيفري ساكس في كتابه “The End of Poverty” (2005):
“الثروات المعدنية يمكن أن تكون محرّكًا للتنمية المستدامة إذا ما استُثمرت في التعليم والبنية التحتية والصحة.”

لكن الواقع السوداني يشير إلى أن نسبة كبيرة من العائدات تُهدر خارج القنوات الرسمية، مما يحرم البلاد من استثمار هذه الثروة في التنمية البشرية.

  1. اقتصاد الظل والتهريب

تشير تقارير رسمية إلى أن أكثر من 70% من إنتاج الذهب في السودان يُهرَّب إلى خارج البلاد، إما عبر الحدود أو عبر مطارات غير مراقبة. وتقدّر الخسائر السنوية بما يفوق 5 مليارات دولار.
ويكتب ألان كاراس في كتابه “Smuggling: Contraband and Corruption in World History” (2010):
“التهريب ليس مجرد فعل اقتصادي، بل هو انهيار في العقد الاجتماعي، إذ يشعر المواطن أن الدولة لم تعد كيانًا موثوقًا لإدارة الموارد.”

هذه الظاهرة تجعل الذهب السوداني يُدار خارج الموازنة العامة، فيغيب عن برامج التنمية ويغذي شبكات الفساد والجريمة المنظمة.

  1. مقارنات دولية

غانا: طوّرت نظام “التعدين الحرفي المنظم”، ما سمح بإدماج آلاف المعدنين التقليديين في الاقتصاد الرسمي، وزيادة عائداتها من الذهب بنسبة 30% خلال عقد واحد.

بوتسوانا (في حالة الألماس): وضعت نموذجًا صارمًا يربط بين استغلال الموارد الطبيعية وبناء صندوق سيادي يستثمر في التعليم والبنية التحتية.

تشيلي (في حالة النحاس): أنشأت “كوديلكو” كشركة وطنية تدير الموارد بمنهجية شفافة، وأصبحت العائدات تمثل أساسًا للاستقرار الاقتصادي.

ويؤكد ريتشارد أوتي في كتابه “The Political Economy of African Natural Resources” (2012):
“المسألة ليست في وجود الموارد بل في كيفية إدارتها، إذ يمكن للموارد أن تكون رافعة أو لعنة، تبعًا لطبيعة المؤسسات الحاكمة.”

  1. الأثر على الإنسان والمجتمع

التهريب والاقتصاد الموازي لا يحرمان الدولة من مواردها فحسب، بل يضران بالمجتمع. فقد أدى ذلك إلى:

  1. حرمان الشباب من فرص العمل المنظمة.
  2. انتشار الأمراض البيئية بسبب التعدين العشوائي (مثل الزئبق والسيانيد).
  3. تغذية النزاعات المحلية بين القبائل حول مناطق التعدين.

ويذكر محمد إبراهيم منصور في كتابه “الاقتصاد غير الرسمي في السودان” (2018):
“التعدين العشوائي، إذا لم يُضبط، يتحول إلى سوق سوداء ضخمة تبتلع الاقتصاد الرسمي وتُضعف الدولة.”

  1. برامج وحلول مقترحة
  2. إصلاح تشريعي: وضع قانون صارم للذهب يجرّم التهريب بعقوبات رادعة.
  3. إدماج المعدنين التقليديين: من خلال شركات صغيرة أو جمعيات تعاونية مرخصة.
  4. شفافية الإيرادات: إعلان دوري لحجم الإنتاج والعائدات وفق مبادرة EITI.
  5. إنشاء صندوق سيادي: على غرار التجارب النرويجية والبوتسوانية، لتوجيه العائدات إلى التعليم والبنية التحتية.
  6. تعاون دولي: عبر آليات الاتحاد الإفريقي لضبط الحدود والحد من شبكات التهريب العابر للقارات.
  7. خاتمة

الذهب السوداني يمثل فرصة استثنائية إذا ما استُغل ضمن رؤية وطنية شاملة، لكنه قد يظل نقمة إذا استمرت هيمنة الاقتصاد الموازي والتهريب. ولعل التجارب الدولية من غانا إلى بوتسوانا وتشيلي تثبت أن الإدارة الرشيدة هي الفارق الحقيقي.

كما يقول أمارتيا سن في كتابه “Development as Freedom” (1999):
“الثروة الحقيقية لأي دولة ليست في مواردها الطبيعية، بل في كيفية تحويل هذه الموارد إلى فرص لتحرير الإنسان من الفقر والجهل والمرض.”

المراجع

  1. بول كوليير، The Plundered Planet، 2010.
  2. جيفري ساكس، The End of Poverty، 2005.
  3. ألان كاراس، Smuggling: Contraband and Corruption in World History، 2010.
  4. ريتشارد أوتي، The Political Economy of African Natural Resources، 2012.
  5. أمارتيا سن، Development as Freedom، 1999.
  6. محمد إبراهيم منصور، الاقتصاد غير الرسمي في السودان، 2018.
  7. تقارير وزارة المعادن السودانية، 2023.

عبد العظيم الريح مدثر

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

من عيون الشعر العربي وتعقيب

من عيون الشعر العربي وتعقيب على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائم اعتدت إن اكتب في …