الذهب والدولار والنظام المالي الجديد: تحولات ما بعد الهيمنة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون الكتب
مقدمة:

في كل منعطف من منعطفات التاريخ الاقتصادي كان هناك رمز للهيمنة. في زمن الإمبراطوريات كان النفوذ العسكري وحده كافيًا. في القرن العشرين أصبح النفط هو البوابة إلى السيطرة. أما في القرن الواحد والعشرين فقد صعد الدولار ليصبح أضخم أداة نفوذ عرفها العالم، ليس بصفته عملة ورقية فقط، بل بوصفه قلب النظام المالي الدولي وشريان التجارة العالمية. لكن هذا العالم الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية لم يعد ثابتًا كما كان. فالاقتصادات الصاعدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا والهند والبرازيل، بدأت تتعامل مع الدولار دون رهبة، وتبحث عن بدائل تضمن لها استقلال القرار الاقتصادي.

لقد أظهرت العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا منذ عام 2022 أن الدولار يمكن أن يتحول من عملة إلى سلاح، وأن الحسابات البنكية يمكن تجميدها بضغطة زر، وأن نظام التحويلات البنكية العالمي SWIFT خاضع للمشيئة السياسية لواشنطن. عند هذه اللحظة بدأ العالم يدرك أن النظام المالي القائم لم يعد آمنًا للجميع، وأن البحث عن نظام بديل لم يعد حلمًا بل ضرورة.

أولًا: لماذا كان الدولار ملكًا مطلقًا؟
هيمنة الدولار لم تُبنَ في يوم واحد، بل جاءت نتيجة أربعة عناصر:

القوة الاقتصادية للولايات المتحدة وتحكمها في التجارة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية
امتلاك أكبر سوق مالي وأكثرها سيولة واستقرارًا
ربط تجارة النفط بالدولار فيما عُرف باتفاق البترودولار
سيطرة أمريكية كاملة على مؤسسات التمويل الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد

ووفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي لعام 2024 فإن أكثر من نصف الاحتياطيات النقدية العالمية ما تزال بالدولار، ونحو 88% من تجارة العالم تُسعّر به. لكن هذه الأرقام بدأت تتراجع تدريجيًا لأول مرة منذ عقود.

ثانيًا: الذهب يعود إلى الواجهة
العودة القوية للذهب ليست مصادفة، لكنها علامة على ضعف الثقة في العملات الورقية، خاصة بعد موجات التضخم التي ضربت الأسواق الأمريكية والأوروبية في الفترة بين 2021 و2023.
تقارير مجلة فاينانشال تايمز البريطانية تشير إلى أن البنوك المركزية في الصين وروسيا وتركيا والهند وإيران سجلت أعلى مستويات شراء للذهب منذ ثلاثة عقود.
هذا السلوك ليس تخزينًا عشوائيًا للثروة، بل إعادة هندسة لنظام مالي بديل يقوم على الأصول الحقيقية بدل الاعتماد على الدولار وحده.

ثالثًا: البريكس والنظام المالي الجديد
التكتل الاقتصادي الذي كان يُنظر إليه قبل عشر سنوات كتجمع تنموي بسيط، أصبح اليوم أكبر تهديد مباشر لهيمنة الدولار.
دول البريكس بدأت تنفيذ نظام دفع مالي جديد يعرف باسم BRICS Pay، يعتمد على التسويات المباشرة بين العملات المحلية دون المرور بالدولار.
صحيفة وول ستريت جورنال أشارت مؤخرًا إلى أن بعض الدول الإفريقية والآسيوية بدأت بالفعل في تسوية واردات الطاقة والقمح مع روسيا والصين خارج النظام الأمريكي. وهذا التحول، إن توسع، يعني أن الدولار يفقد وظيفته الأساسية كعملة وسيطة.

رابعًا: هل تتراجع الولايات المتحدة؟
الاقتصاد الأمريكي ما يزال الأكبر عالميًا، لكن المؤشرات لا تسير في صالح الهيمنة المطلقة:
الدين العام تجاوز 34 تريليون دولار
العجز التجاري عند مستويات قياسية
فقدان الثقة في البنوك الأمريكية بعد انهيار عدة مؤسسات مالية عام 2023
تراجع نصيب أمريكا من التجارة العالمية مقابل صعود الصين والهند

تقرير معهد الاقتصاد الدولي في واشنطن أشار بوضوح إلى أن العالم يدخل مرحلة “تعدد الأقطاب النقدية”، وهو أخطر تحول تشهده المالية الدولية منذ اتفاق بريتون وودز عام 1944.

خامسًا: أين تقف الدول النامية؟
الدول النامية ليست متفرجة في هذا المشهد.
إذا ظلّت تعتمد على الدولار وحده، فهي تحت رحمة العقوبات المالية، وتقلبات أسعار الفائدة الأمريكية، وتضخم تكلفة الواردات.
أما إذا نجحت في تنويع احتياطياتها والاعتماد على الذهب والعملات الإقليمية، فإنها تفلت من قبضة الدولار وتبني اقتصادًا أكثر استقلالًا.

وغني عن القول إن إفريقيا التي تملك 40% من احتياطي الذهب غير المستغل في العالم يمكن أن تصبح جزءًا من النظام المالي الجديد، إذا تحررت من ضغوط المؤسسات المالية الغربية واستثمرت ثرواتها بشفافية.

سادسًا: السودان في معادلة ما بعد الدولار
السودان يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات الذهب في القارة، لكنه لم يستفد منه بالشكل الذي يجعله قوة مالية.
الذهب السوداني يخرج خامًا، ويتسرب جزء منه عبر التهريب والمضاربات.
ولو خضع هذا القطاع لإدارة وطنية صارمة، وأُسس بنك مركزي للذهب، وأصبحت صادراته جزءًا من التسويات التجارية بدلاً من الدولار وحده، لأصبح السودان لاعبًا ماليًا إقليميًا.
كما أن دمج الذهب في الاحتياطي القومي يخفف أثر العقوبات ويمنح الاقتصاد استقلالًا عن الدولار ومصارف الغرب.

خاتمة:

العالم يتغيّر.
ولأول مرة منذ 80 عامًا يبدو أن الدولار لم يعد ملكًا مطلقًا.
الذهب يعود، والبريكس تتوسع، والدول النامية تمتلك فرصة نادرة لإعادة صياغة مكانتها في النظام العالمي.

النظام المالي الجديد لن يُصنع في العواصم الغربية وحدها، بل في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ومن يتأخر عن فهم هذه التحولات سيجد نفسه على هامش التاريخ الاقتصادي القادم.

الرأي الاستشاري:

إن استقلال الدول النامية لا يتحقق بالشعارات ولا بخطابات السيادة، بل بإعادة السيطرة على الموارد الاستراتيجية: الذهب، المعادن الحيوية، العملة المحلية، التجارة الإقليمية.
الدول التي تنجح في بناء احتياطي حقيقي من الذهب وتتحرر تدريجيًا من الدولار، ستكون أقدر على حماية قرارها السياسي والاقتصادي.
أما السودان، فبين يديه ثروة تكفي لبناء اقتصاد قوي، لكنه يحتاج إلى إدارة مهنية شفافة، ووقف التهريب، وتأسيس بورصة ذهب وطنية وتحالفات مالية مع إفريقيا وآسيا.
إن لم تحدث هذه الإصلاحات سيظل الذهب مجرد ثروة مهدرة، ويظل الاقتصاد رهينًا لتقلبات الخارج.

المراجع:
تقرير صندوق النقد الدولي – الاحتياطيات العالمية 2024
مجلة فاينانشال تايمز – تحقيق عن مشتريات الذهب – عدد أغسطس 2023
وول ستريت جورنال – أنظمة دفع بديلة للدولار– عدد يناير 2024
معهد الاقتصاد الدولي – واشنطن – دراسة “تعدد الأقطاب النقدية” – 2023
تقرير البنك المركزي الروسي – تسويات خارج الدولار – 2024
عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …