بداية
كان السودان وما زال محط أنظار العالم واهتمام الباحثين عن المعادن الثمينة والنفيسة. ودائماً كانت هذه المعادن، والذهب دائماً يأتي في المرتبة الأولي، أول ما حفز ودفع الغزاة لغزوه، ودفع الكاشفين والكشافين لارتياد منازله واقتحام مجاهله.
وكان أن اشتهر الذهب السوداني وعمت شهرته الأرجاء، فهو دائماً حاضراً في شكل تبر، ويكون موجوداً تبراً في العلالي من الجبال كجبال بني شنقول الواقعة جنوبي سنار، ويعرف بالذهب السناري، ويوجد في جبل تيرا وفي شيبون غربي جبل قدير. ويروي المؤرخون والقصاصون أن الذهب كان هناك في وادي العلاقي وجوداً بين كرسكو وبين البحر الأحمر، ولكنه غاب وانقطع وروده في هذه المنطقة في الزمان الجاري.
ويتمدد الزمرد في رمال الصحراء الشرقية والنحاس يرقد مرتاحاً في “حفرة النحاس” في الشمال الغربي من بحر الغزال هناك في الجنوب وفي جبال سواكن شرقاً، واختار الحديد كردفان ودارفور وبحر الغزال له موطناً وجلس مطموراً في رمالها.
ولم ينسى الرصاص أن يحتل له عرشاً في جبل الكتم مسيرة يوم، حار طويل وبارد قصير على حسب المناخ السائد ومزاجه، الي الشمال من كوبي بدارفور والنطرون، وهو يُؤخذ من بحر النطرون من طريق الأربعين الرملي الصحراوي، والملح مخلوطاً وممزوجاً بالتراب السبخ، ويوجد حضوراً في مدن عطبرة والدامر والبويضة في موقع ومكان نسميه أو يسموه شرشار شمالي بارا. وله حضور في وادي الكعب غربي دنقلا ولمن أراده حتماً يجده في هذا الوادي، وملح البارود من الخرطوم ومن الفاشر، والشب موجوداً في واحة الشب غربي حلفا، والتريبة وهو بمثابة تراب يضم ويشتمل على مواد ملحية في بربر، وتستخدم كعلاج ودواءً للزهري وللحمى.
وهناك “الأنتيمون” وهو الكحل في جبل مرة الجميل بشلالاته المستفزة وبخضرته الناعمة التي ترد الروح، والحجر الرملي والجرانيت والأحجار الكلسية في أركان وفي أماكن متعددة مختلفة، وتقوم شركات أوربية كبري بالتنقيب عن النفيس في الزمان القديم. (عبد الله حسين، 2023)
الفراعنة والذهب
يحكي سلامة موسى في بحث له يعتبر قيم وذات فائدة، هكذا… كلنا على دراية وعلى معرفة بأن هجرة الأوربيين الي القارة الأمريكية كان الهدف منها هو اشباع رغبتهم في الذهب وفي المعدن النفيس. وان استعمار وسيطرة الأمريكيين على الولايات المتحدة ذات نفسها كان دائماً يسير في أثر الذهب، فحيثما يكون المنجم وتكون المناجم أسرع الناس هرولةً وركضاً نحوه ونحوها، وأفريقية الجنوبية لم يتم التفكير في استعمارها حباً في طبيعتها الخلابة أو في سواد عيون أهاليها، ولكنه الذهب وسره الخطير، فالذهب كان هو المقصد وكان هو المراد.
ولم يختلف هذا الحال مع ذاك الحال الذي كان عند القدماء، فان المؤلفات وكل الكتب الستسكريتية تشير الي ذلك وتذكر أن هجرة الهنود الي الهند كانت دائماً تتخذ تلك الممرات التي توصل الي حيث مناجم الذهب ومكان المعدن النفيس، ولكن!
وبعد “لكن” دائماً هناك كلام وكلام من العجب ومن العجائب. فالهنود القدماء مثلهم مثل المصريين القدماء لم يكونوا في حاجة للذهب من أجل التجمل ومن أجل الزينة ومن أجل النقد (المال) كما هو الحال في زماننا الحاضر. ولكنهم كانوا يلصقون به صفات وصفات ذات قيمة أكبر وأقيم عندهم وألصق بحياتهم من قيمته عندنا نحن الآن.
وكم كتب القدماء عنه، عن هذا الذهب، فكان القدماء من الهنود يمدحونه ويصفونه في قراطيسهم التي لا تزال تُقرأ ولا تزال يتم الاطلاع عليها في اللغة الستسكريتية المنقرضة بأنه خالد وأنه أكسير الحياة وأنه متولد من النار، وأنه يدعو زمن الشباب للعودة، ويطيل الحياة ويمددها، ويكثر النسل ويزيده، وهو بمثابة النار والنور والخلود.
ولم تكن هذه الصفات من اختراع الآريون المهاجرون قديماً الي الهند، وانما أخذوها من الفراعنة. اذن هذا التقديس للذهب كان عقيدة فرعونية بحته، فهم كانوا أبناء الشمس، أي هم كانوا أبناء “رع”، وكان في عروقهم يسري سائل الذهب مسرى الدم، وهو الذي ورثوه عن “رع”.
وقد دهشنا ايما اندهاشه منذ سنوات مرت وسنوات، عندما تم اكتشاف قبر توتخ أمون، ورأينا ما رأيناه من العجائب ورأينا مقاديراً عظيمة من معدن الذهب ترقد في حضن توتخ أمون، ولكن لم يكن هذا الفرعون شاذاً ولا نشازاً في وفرة الذهب وكثرته، فجميع الفراعنة وكلهم منذ الأسرة الأولى، بل جميع النبلاء وكلهم، كانوا يحتفظون ويضعون الذهب في القبور وفي قبورهم لأنه مصدر الخلود وسر الأبدية.
وهذه القداسة المقدسة التي نسبت الي الذهب وألصقت به أيام الفراعنة قد تحركت وانحدرت الي الشعوب القديمة الأخرى، بل ظلت وبقيت منها أثاره حتى أزمنة القرون الوسطى، حين امتزج واختلط التفتيش والبحث عن اكسير الحياة بالتفتيش والبحث عن إحالة المعادن الخسيسة الي معادن شريفة. والذهب بالطبع في قمتها وعلى رأس قائمتها، وفي هذا الامتزاج وفي هذا الاختلاط ما يؤيد قدم الايمان والعقيدة في قداسة الذهب، وأنه يعتبر معدن الآلهة، وهو الي الخلود سبيل.
اذن، كيف صعد الذهب الي تلك المنزلة الرفيعة؟ وللجواب عن هذا السؤال، نتفوه قائلين… بأننا واجدين في المتحف المصري ودعاً مصنوعاً من الذهب، من الذهب يصنع أو مصنوع الودع، وهو يعود الي الأسرة الأولى الفرعونية، وليس في الكون الحاضر صائغ يصيغ الذهب ودعاً، ولا ينبغي. ونعني بهذا الودع ذاك الذي ما زلنا نجده عند العرافين وبين أنامهم يتلاعبون به، ليخبرونا بطالعنا، بعد ضربه ورميه فوق الرمل الناعم بكل حذاقة.
وكان أن لعب هذا الودع دوراً عظيماً ومؤثراً في عقائد الانسان البدائي في العصر الحجري، لدرجة أنه كان سبباً في انتقال أو تنقل الثقافة الأولى بين البشر، كما أشار الي ذلك “المستر ولفرد جاكسون” في كتابه الفريد “الأصداف ودلالتها على الهجرة الثقافية”.
فان البشر في ذلك العصر الحجري كانوا يغرقون في السذاجة لدرجة أنهم كانوا يعتقدون اعتقاداً عميقاً لا يتزعزع ولا يتزحزح في أن الأم هي العامل أو المصدر الوحيد للولادة. وكانوا يجهلون الأبوة بمعناها البيولوجي، ولذلك نجدهم قد نظروا الي الودعة نظرة خاصة جداً لما بينها وبين العضو التناسلي للمرأة من شبه ومشابهة ومن تشابه، فقدسوها لهذا السبب ولهذا الشبه العجيب، وصاروا يتجشمون المشاق لجلبها ولإحضارها من البقاع النائية لكي يحملوها وهم يتوهمون أنها ما دامت هي الأصل في الحياة، فإنها تستطيع وأنها لقادرة على أن تحفظهم في صحة دائمة وفي عافية تامة، وتحميهم وتقيهم من الأمراض ومن الأدران، وتطيل أعمارهم وتمددها حتى بعد الموت. وذلك لأن الموت عندهم كان حياة أخرى تحتاج أيضاً الي ما يحفظها والي ما يطيلها.
ولكن الودعة، وما أدراك ما الودعة؟ بحياتها وبطبيعتها هي محض صدفة هشة ضعيفة تنكسر لأقل احتكاك ولأقل مصادمة، وهي مع ذلك كانت تُجلب ويتم احضارها من البقاع النائية والقصية.
ولذلك دبر وفكر الانسان البدائي في أن يصنع ودعاً من الحجر لتكون قوية ولا تنكسر. وظل وعاش الايمان بالودعة فترة طويلة مديدة حتى بعد أن اهتدى المصريون الي الزراعة واكتشفوا الزراعة وأنشأوا وأسسوا الحضارة، وكانوا يعملوها ويصنعونها من الحجر ومن الذهب.
ويري ويحكي “اليوت سمث” أن اكتشافهم الذهب كان من الصدفة الذهبية ومن المصادفة الجميلة، ورب صدفة، عندما كانوا يبعثون بعثاتهم الي سواحل البحر الأحمر الطويلة لجمع الودع. ويقول سمث بان هذا الودع لا وجود له في سواحلهم الشمالية، وانما يوجد كثيراً وبكثرة في البحر الأحمر العريض العميق الشفاف.
وهناك وجدوا وعثروا على الذهب وعلى مناجمه، فاستحسنوا لونه وأحبوا خفته وعشقوا مرونته وأدهشتهم نصاعته، فأصبحوا يعملون منه تماثيل صغيرة للودع بدلاً من أن يعملوها من الحجر، وساد وعم وشاع بعد ذلك استعمال الذهب واستخدامه لهذه الغاية. ثم بتوالي السنين وبمرور القرون والعهود انتقلت ميزات الودعة الي الذهب حتى صار المعدن نفسه وذاته يضفي على من يحمله أو من يتحلى به أو يتزين به صفات الصحة وميزة الخلود وطول البقاء.
ماذا بين الودعة والبقرة والذهب؟
هذه الحاجات الثلاثة كانت في أذهان الفراعنة تعبر عن معاني الصحة وعن طول العمر وعن الخلود والأبدية. ولا بد أن هذه الودعة، الهشة في حياتها والقوية بعد أن أصبحت حجراً ثم صارت ذهباً من الذهب، قد فقدت قيمتها ورونقها بعدما عمت وسادت الحضارة البدائية الأولي، وبدأ الناس يعملون عقولهم تفكيراً في وظيفة الرجل البيولوجية في التناسل.
ولكن الذهب ظل محتفظاً بمكانته في نفوسهم ويلامس عواطفهم ويدغدغ مشاعرهم فبقيت مكانته كما هي لم تتغير ولم تتبدل. أما البقرة المقدسة فهي دائماً كانت حاضرة ولم تغيب عن أذهانهم وهي أعم وهي أكثر شعبية من الذهب، لأن حيازة معدن الذهب كانت تقتصر فقط على الأثرياء وعلى الأغنياء.
ولكن البقرة، وما أدراك ما البقرة؟ فكانت عامة وكانت شائعة في الريف وفي القرى يملكها المزارعون ويمتلكوها ويحبونها حباً جما. وكانت رمزاً يشار له واليه بالبنان للأمومة، ترضع الناس لبنها فيقوم عند الطفل مقام اللبن الذي يرضعه من أمه الانسانة، ومن هذا ومن هنا صارت البقرة -التي ما زالت أو لا تزال تُقدس في الهند- الربة هاتور.
لكن الثلاثة، الودعة والبقرة والذهب اختلطت وتداخلت وظيفتهم أو وظائفهم، وذلك لأنها أو لأنهم جميعاً تؤدي أو يؤدون مهمة واحدة. وهذا القول تبرهنه وتدل عليه وتثبته الشواهد التاريخية. ولذلك نري الكلمة الهيروغليفية “لهاتور” تحمل معني الذهب، وهي توصف بأنها “هاتور الذهب”.
ومن هنا كان اهتمام وكانت عناية القدماء بالذهب، هذا المعدن الذي كانوا يبعثون البعثات الي البلدان النائية القصية لجلبه واحضاره واحتفالهم به ودفنه مع الموتى ومع موتاهم، وهكذا كان هو السلوك.
وكان الذهب، وكان اعتباره وسيلة لنقل الحضارة وتنقلها -حضارة أبناء الشمس في عصر الفراعنة من مصر والي آسيا والي أفريقيا والي أوروبا، بل والي أمريكا. والآن يطوف الطائف ويسوح السائح المنقب فيجد في تاريخ الشعوب التي ينزل فيها أو في تقاليدها الباقية قصصاً وحكايات عن أبناء الآلهة الذين نزلوا فيها واكتشفوا فيها معدن الذهب النفيس.
وأبناء الآلهة هم أبناء الشمس أي هم أبناء “رع”، هم المصريون الذين أقاموا والذين سكنوا حيث كان الذهب موجوداً، وزرعوا وعلموا من حولهم التقويم الشمسي وعلموهم تحنيط الموتى وبناء الهرم والاهرامات، ونقلوا الانسان من العصر الحجري الي الحضارة.
ولم تقف مهمة الذهب محدودة عند انشاء الثقافة، فان المصريين افتتحوا به عصر المعادن الغني واستخرجوا النحاس واستخدموه أولاً كما يُستخدم الذهب المعدن للشبه الكبير بين المعدنين. ثم وجدوا فيه الصلابة، وصلابته تلك تجعله صالحاً للآلات فصاغوا منه الخناجر وعملوها على هيئة الأسلحة الحجرية القديمة، ثم صنعوا السيوف، والسيف هو خنجر ولكنه طويل القامة رشقيها. ووجدوا في الرماد الباقي أو المتخلف من صهر النحاس مواد مناسبة لصنع المينا التي يطلى بها الفخار، ثم ارتفعوا وارتقوا من ذلك الي صنع الزجاج.
وهكذا نحن واجدين سلسلة طويلة متعددة الحلقات من أشكال وألوان الرقي البشري والإنساني، نشأت جميعها استناداً على أسطورة قديمة عتيقة وهي أن الذهب يطيل العمر ويجلب الخلود ويحتضن الأبدية.
في هذا العام ونقصد به “1935م”، يبلغ السير جيمس فريزر الحادية والثمانين من عمره ومن أيام حياته، وهذا العالم الكبير والعظيم قد عُرف وقد ذاع صيته وملأ الكون صخباً وشغل الناس تفكيراً بكتابه “الغصن الذهبي”، والذي تعد صفحاته بالألوف المتألفة. وهو مجموعة وافية جداً من العادات ومن العبادات ومن الشعائر ومن ألوان الحرف والعرافة والعقائد، التي تنسجم وتتناغم وتتماشى وتتمشي في انحاء العالم المتحضر والمتوحش. ولهذا الكتاب المشهور موجز يقع في (756) صفحة.
والقارئ لهذا القرطاس الضخم يعجب ايما اعجاب بهمة هذا المؤلف العظيم وجلده واحاطته، وسيبقى هذا الكتاب حياً خالداً بين الكتب وبين القراطيس التي تعتبر مراجع غالية ونادرة وثمينة. وان كان أساسه كله خطأ وكله غلط، فان الحقائق المدونة فيه لها فائدتها التي يمكن لكل قارئ ولكل مطلع أن ينتفع بها وأن ينال منها نصيب مفيد. أما استنتاجاته أو استنتاجات الكاتب أو المؤلف منها فقد ثبت خطؤها ولا قيمة لها في زماننا الجاري.
فان مؤلفنا الكبير يفرض ويفترض بأن الطبيعة البشرية واحدة ومتشابه في كل مكان، وأظنه سهى أن يقول وفي كل زمان، وأنها تستجيب أي الطبيعة البشرية للظواهر الطبيعية بعقائد متشابهة جداً. وإذا علمنا وعرفنا أن التحنيط معلوم ومعروف في كل من بيرو في أمريكا السفلى وفي الجزر الملاوية في جنوب أسيا وفي مصر وفي الكنغو، فإننا يجب أن نفهم وأن نعرف أن الظروف قد تشابهت فاستجاب لها هذا الانسان في جميع هذه الأماكن وتلك البلدان استجابات متشابهة تشبه بعضها البعض، فليس هناك اذن ما يدعونا وما يجعلنا أن نفرض ونفترض أن الثقافة تحولت وانتقلت في مسألة التحنيط من بلد الي بلد ومن مكان الي آخر. وكذلك الشأن في اختراع الزراعة والاهتداء الي المعادن وأنظمة الحكومة والكهانة والزواج الي غير ذلك، وهكذا اذن.
ولكن، هل هذا هو الواقع الذي نستطيع أن ندعمه بشهادة الحياة التي يعيشها البشر أو قبائلهم أو شعوبهم المختلفة؟
ان الواقع والوجود يبرهن ويثبت أن الشعوب وأن القبائل أحياناً وفي كثير من الأحايين تتجاور، ومع ذلك تسكن وتعيش كل منها في حدود ثقافتها الموروثة جيلاً من بعد جيل. فهذه قبيلة تعشق الزراعة فتمارسها، وأخرى تجاورها وهي جارتها ولكنها لا تزال تكتفي بجمع الطعام جمعاً ولا تستنتجه استنتاجاً.
وتلك طائفة تمارس تقاليد وعادات في الزواج أو تعمل على تحريم بعض الطعام فتخالف في ذلك الطوائف الأخرى المحيطة بها والتي لها جارات، ولو أن الجميع يتجاورون ويختلطون. وكل ذلك، لأن لكل منها تراثاً ثقافياً يجعلها تحب وتكره ما لا يحبه غيرها أو يكرهه.
والبشر بطبيعتهم جامدين والانسان بطبيعته جامد غير مرن لا يُقبل على العادة الجديدة الا بعد مرور زمان من الوقت، وليس هو دائماً بالمفكر النشيط الذي يدأب في الاختراع وفي الاكتشاف. فاذا فرضنا أن إحدى الشعوب فلحت واهتدت الي كشف أو اختراع او ابتكار، فان من المبالغة الكبيرة والعظيمة في حسن الظن بالذهن البشري والإنساني أن تعتقد أن سائر الشعوب ستخترع مثلها وستبتكر مثلها. وقصاري ما يحصل، وقصاري ما يحدث أنها تنقل عنها في بطء وتقلدها في فتور.
وانتشار الأديان الحديثة يبرهن ويدل على أن حركة وانتقال الثقافة من بلد الي آخر في العصور القديمة كان مألوفاً وكان معروفاً. ولما كانت الحضارة المصرية القديمة تتصل بالدين وتمس العقائد التي تتعلق بالصحة وتتعلق بطول العمر ولها علاقة بالخلود وبالتناسل – كانت تجد قبولاً، بل تلهفاً أينما حلت واينما نزلت، لأن الانسان مهموم بهذه الأشياء وبتلك الحاجات.
كما يدل على ذلك ويبرهن هذه المعارف الجديدة عن الفيتامينات التي فشت وانتشرت بين الناس هذه الأيام، وبولغ فيها مبالغات كثيرة وعظيمة خرجت بها عن حدودها العلمية. فان الناس لشغفهم ولشوقهم الي الخلود والي ما يطيل العمر ويقوي الصحة يكثرون من قراءة هذه الموضوعات وتناولها بشره، كما أن الكُتاب الذين عرفوا هذا الشغف قد أصبحوا يبالغون في فائدة الفيتامينات ونفعها.
وهكذا كان الحال في العصور القديمة، فان الوهم الذي أشاعه ونشره المصريون ووزعوه عن فائدة الذهب وعن التحنيط، جعل الشعوب البدائية الأخرى تؤمن وتعتنق مذهبهم وتقبل حضارتهم وترتقي بها الي الاكتشافات الأخرى والاختراعات الأخرى.
ويجب عندما نبحث في تحول وانتقال الثقافة المصرية الي بلدان العالم أن نميز بين انسانين أحدهما الانسان البدائي، والآخر هو الانسان المتوحش. أما البدائي فهو الذي لا يعرف الزراعة، وليس له تراث كثير أو قليل من التقاليد ومن العادات، فهو يعيش عيشة ساذجة سطحية يجهل فيها اللباس والمسكن ويجهل فيها الغزو والسبي.
أما ذلك المتوحش فيعرف طائفة عظيمة وكبيرة من العقائد يمارسها بحذاقة، كالسحر وكالقتال وكنظام الحكم، وأحياناً يعرف الزراعة ويعمل بها وفيها. وهذا الانسان هو الذي جمع السير جيمس فريزر عاداته وتقاليده من جميع البلدان والأماكن وعرضها في قرطاسه ليثبت المشابهة في استجابة الذهن البشري للبيئة إذا اتفقت الظروف فيها.
بدايات التعدين في السودان
خط البروفيسور محمد عمر بشير بيراعة ببراعة خلاقة في قرطاسه، المعروف بتاريخ الحركة الوطنية في السودان (1987) الآتي… في ذاك الزمان القديم ولكنه ليس بالبعيد البعيد، لم يكن هناك سوى استثمارات ضئيلة وضعيفة جداً في القطاع الخاص فيما عدا حقول ومجالات التعدين والمعادن والمعدن النفيس.
ذلك انه منذ عام 1900م، قررت حكومة السودان آنئذ تحريض العالمين من البشر وتشجيع استغلال الثروة المعدنية المتاحة والموجودة في ربوع البلاد المترامية، باعتبار ان ذلك بمثابة منبع وأنه يمثل مصدراً مباشراً للدخل بالنسبة للتراخيص الممنوحة -متوسط الدخل السنوي حوالي 2000 جنية- وباعتبار أنه أيضاً معيناً ومصدراً محتملاً للدخل في المستقبل.
وحظرت الحكومة ومنعت المغامرين، اذ طالبت كل الراغبين في الاستثمار القيام بصرف مبلغ معين من المال في مدة قصيرة من الزمن كشرط من أجل الحصول على رخصة لاستخراج المعادن وانتاجه والاستفادة منه، كما طلبت البدء فيه والشروع في العمل في فترة محددة ومعينة.
وفي عمر العشر أعوام الأولى، كان أن تم منح حوالي عشرون رخصة للشركات وللأشخاص. وكانت أغلب الرخص الممنوحة لهذا النوع من الاستثمار في مديريات، بربر ودنقلا وحلفا وسواكن. ومن الشركات التي تم منحها مثل هذه الرخص، للاستثمار في المنطقة الواقعة بين النيل الأزرق والنيل الأبيض، وذلك لأنه كان هناك بعض أعمال المناجم القديمة من زمان الفونج تتنبأ وتبشر بوجود الذهب فيها، كشركة لندن والسودان للتنمية، وشركة لندن والسودان للتعدين.
ومن بين جميع تلك الشركات التي سألوها وطلبوا منها أن تصرف أكثر من ربع مليون من الجنيهات السودانية من أجل التنقيب عن المعادن واستخراجه، لم يتحصل على مثل هكذا ترخيص أو امتياز الا فقط ست شركات.
وقد عُرف عن السودان منذ القديم بأنه منجم كبير للذهب، وعُرف عنه أيضاً حبه لإنتاج الذهب ولاستخراجه منذ أزمان العصور القديمة السحيقة. وقد قامت واُنشأت مناجم هنا وهناك، في شمال السودان وعلى تلال البحر الأحمر، ولكنها تُركت مهجورة مهملة هكذا في عهد المهدية أو قبل هذا العهد بقليل من الزمن والزمان.
وكان أن تجددت الرغبة المباشرة في نفوس كثير من الأفراد وكثير من الشركات، بعد إعادة فتح أو بالأصح بعد غزو السودان من قبل الانجليز، من أجل المحاولات لفتح هذه المناجم العتيقة القديمة والعمل على التنقيب في مناطق جديدة أيضاً كذلك.
وفي مقالة له تم نشرها بالمجلة الجغرافية الاسكوتلاندية في شهر مايو من سنة 1903م، أعطي كاتبها إشارة تنبيه تنبه الي بشائر والي دلائل نجاح وفلاح لمناجم الذهب في كل من مصر والسودان. وصار استعمال شلالات النيل كمنبع وكمصدر للقوى الكهربائية-المائية المطلوبة لتشغيل المناجم أمراً مرغوباً.
وتم إعادة انشاء شركة مصر والسودان للتعدين في 1908م، تحت اسم شركة السودان لحقول الذهب المحدودة. وذلك حتى تقوم بتوفير رأس المال المطلوب لتطوير مناجم أم ناباردي. وأعقب ذلك تطور لا بأس به في هذا المنحى، ولكن كان أن تناقص الإنتاج وقل مع حركة الزمان ومع تعاقب الليل والنهار، وعليه تم الغاء عقد الامتياز وتم اغلاق المنجم.
واضافةً للمعدن الأصفر “الذهب”، غازل استخراج الفحم قلوب العشاق وخطب انتباههم وجذب ميلهم بشدة وبقوة، وذلك نظراً لقلة الوقود المحلي في ذاك الزمان القديم، وقد كانت الحكومة جادة جداً في تحريض البحث وفي تشجيعه في ذلك الحقل.
وكان أن أُنتدب أحد الجيولوجيين من مصلحة المساحة بمصر للعمل في حكومة السودان في 1903م، لمراجعة وتدقيق التقارير المحلية عن مناجم الفحم على طول الحدود بين السودان والحبشة، ولكنه فشل في تأييد ما ذهبت اليه تلك التقارير.
وقام الموظفون الحكوميون في الجيولوجيا وهم كل من “دن وجرابام” بمسح أولى في أكثر المناطق التي رأيا واعتقدا أنه من المحتمل استخراج وإنتاج الفحم منها أو غيره من المعادن.
وقد أيدت تقاريرهما الإيجابية احتمالات توفر النحاس ووجوده في بحر الغزال، ووجود الحديد بكردفان، والجبس في ساحل البحر الأحمر. ولكن، وللأسف، ونظراً لتكاليف النقل الباهظة المكلفة لم يتيسر الاستفادة من تلك الترسبات اقتصادياً. ومن المنطقي والطبيعي أن كانت تجارة الصادر للبلاد السودانية ضئيلة وخجولة خلال تلك الحقبة.
وظل الحال كما هو عليه دون تغيير يذكر الي أن تم بنجاح إزالة العقبتين اللتين أعاقتا التجارة، واللتين تمثلتا في عدم وجود وسائل للنقل وارتفاع تكاليفه الباهظة، وفي فقد الاتصال بالأسواق الخارجية فيما جاور مصر، ومن ثم نمت وتطورت الصادرات والواردات السودانية.
ثنائي الذهب
كانا في يوم من الأيام حبيبين، وكانا رفيقين، وكانا حليفين قويين، أقاما رابطة قدسية من خلال الحروب ومن خلال الدمار الشامل، ومن خلال انقلابين ظالمين. ولكن، ومع ذلك، تبخرت القدسية وانقلب السحر على الساحر، وانقلبا على بعضهما البعض، وأصبحا عدوين لدودين، ودخلا في معركة عبثية عصيبة من أجل السيطرة على البلاد وعلى موارد البلاد.
كل منهما يسترزق ويعمل لمصلحته الخاصة، على حساب الحياة السودانية، وكانت النتيجة وما زالت مستمرة وهي ازهاق آلاف الأرواح وتشريد ملايين البشر وسقوط الملايين تحت خط الفقر بعيداً عن الخط، وكل ذلك، فقط، من أجل السلطة وفي سبيل السيطرة والثراء الفاحش. ومن وراء كل هذا العبث معروف أو معروفون من هم، ومعلومون للجميع ولكل من له عينين ولساناً وشفتين، وألقى السمع وهو شهيد…
• بندقية.. أي بندقية!
• من صوت الكون الجديد.. ولغة الحوار الأكيد!
• في دنيا الإرهاب.. وعالم الالتياث الحديث!
• إرهاب أساليبه القتل.. والنهب.. والتخريب!
• وهياكله دول وحكومات.. ومعارضات وأحزاب.. وعقائد وعصابات!
• وكيانه رؤساء وعلماء.. وجنود وتجار.. وطلاب من الجنسين!
• وشعاره لا أمن.. ولا أمان بعد اليوم!
• مبدؤه لا حياة لمن ليس منا!
• وغايته مهما صغرت.. تبرر أي وسيلة مهما كبرت وفجرت!
• وسائله آليات الفناء قنصاً.. وتدميراً.. ونهباً.. وحرقاً.. وسجناً.. ونفياً.. واعتقالاً.. وتصفية.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم