زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
مشروع تجديدي في مواجهة التاريخ
في منتصف القرن العشرين، طرح المفكر السوداني محمود محمد طه (1909-1985) رؤية تجديدية جذرية عُرفت بالرؤية الجمهورية، والتي شكلت محاولة لانتشال الخطاب الديني من قبضة الحرفية الفقهية والسلطوية. كما يوضح عبد الله الفكي البشير في تحليله التاريخي، واجهت هذه الأفكار معارضة شرسة من مختلف الأطراف السياسية والفكرية في السودان.
الأسس الفكرية – ما بين التأويل الصوفي والحداثة الإنسانية
التمييز الثوري بين الرسالتين
يقوم مشروع طه على التمييز بين “الرسالة الأولى” و”الرسالة الثانية” للإسلام، كما شرح في كتابه الأساسي “الرسالة الثانية من الإسلام” (1967). هذا التمييم ليس مجرد تقسيم تاريخي، بل منهج تأويلي يهدف إلى فصل المبادئ الخالدة عن الأحكام المرحلية.
الرسالة الأولى (المدنية): تمثل الشريعة التنظيمية التاريخية التي ناسبَتْ مرحلة “الأمة المؤمنة” في عصر النبوة.
الرسالة الثانية (المكية): تجسد الجوهر الروحي والأخلاقي الخالد للإسلام، الموجه لمرحلة “الأمة المسلمة” الناضجة.
المنهج الصوفي كأداة تأويلية
يستند طه في مشروعه إلى منهج تأويلي متأثر بالتصوف الإسلامي، وخاصة تراث محيي الدين بن عربي. كما يوضح نصر حامد أبو زيد في “فلسفة التأويل”، فإن المنهج الباطني الصوّفي يسمح بقراءة النص الديني قراءة متجددة تتجاوز الظاهر الحرفي إلى المقاصد والجوهر. هذا المنهج مكّن طه من تقديم قراءة تدعم “أنسنة” الإسلام دون القطع مع التراث الروحي الإسلامي.
الأبعاد الاجتماعية والإصلاحية
تحرير شريعة الأحوال الشخصية
في كتابه “تطوير شريعة الأحوال الشخصية”، يطبق طه منهجه على قضايا الأسرة والمرأة، داعياً إلى مساواة كاملة بين الجنسين. يرى أن الأحكام المختلفة في المرحلة المدنية كانت استجابة لظروف تاريخية محددة، وأن جوهر الإسلام في مرحلته المكية يؤسس للمساواة المطلقة.
سؤال الهوية والإنسان
كما يناقش النور محمد حمد في “سؤال الهوية: الإنسان بين الجوهر والمظهر”، تقدم الرؤية الجمهورية حلاً لإشكالية الهوية الإسلامية في العصر الحديث، عبر التركيز على الجوهر الأخلاقي للإسلام بدلاً من المظاهر الشكلية والتشريعات التاريخية.
التحديات والانتقادات
تحديات منهجية
يواجه منهج طه انتقادات تتعلق بمركزية التجربة الباطنية الذاتية، مما قد يقود إلى ذاتية في التأويل. كما يطرح تساؤلات حول إمكانية بناء منظومة تشريعية عملية تعتمد فقط على المبادئ العامة دون تفصيلات فقهية.
التحدي السياسي
كما يوثق عبد الله الفكي البشير، واجه طه اتهامات بالردة من قبل النظام النميري، مما يعكس حدة الصدام بين الرؤية التجديدية والخطاب الديني السائد.
إرث مستقبلي للتجديد الديني
تمثل الرؤية الجمهورية لمحمود محمد طه، كما تظهر في الدراسات المختلفة عن حركات التجديد الإسلامي مثل عمل حسن مكي، محاولة جريئة لتأسيس نهج تجديدي يوازن بين الأصالة الروحية والمتطلبات الإنسانية المعاصرة.
رغم التحديات التي واجهتها، تبقى هذه الرؤية إسهاماً مهماً في النقاش حول إمكانيات تجديد الخطاب الديني الإسلامي، وتقديم نموذج يتجاوز الثنائيات التقليدية بين الدين والحداثة، وبين الروحانية والحقوقية. في عالم يشهد صراعات هويات حادة، تقدم أفكار طه مادة للتفكير في إمكانية خطاب ديني يؤسس للحرية والمساواة من داخل التراث الإسلامي نفسه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم