عندما التقى الشريف زين العابدين الهندي بالرئيس البشير عام 1999 في القاهرة، بعد ما حصلت المفاصلة، كانت رؤية الشريف، إن البشير يميل إلي المؤسسة العسكرية أكثر من ميله إلي الأخوان المسلمين، ولا يستطيع أن يفك ارتباطه بالأخوان إلا إذا وجد مساندة قوية من القوى السياسية، و ليس تبديلا للأماكن، إنما وفق برنامج سياسي وطني يتفق عليه، و كنت قد كتبت عن ذلك تكرارا، هذا هو الذي كان دافعا لمشاركة الشريف في سلطة الإنقاذ، و لكن بعد المشاركة عجزت النخبة التي كانت حول الشريف، أن تدير معركتها من أجل الديمقراطية، و اقتنعت أن تلعب دورا من أجل إجهاض أي إتجاه نحو ديمقراطية الدولة، ما دام النظام يحفظ لها حفنة من المقاعد، و استطاعت النخبة الإسلامية إن تسيطر علي مقاليد الدولة و إحتواء الرئيس، ثم استطاع الرئيس أن يفك قيده منها بعد ما انشغلت وراء ملزات الدنيا.
ويظل السؤال قائما بعد تصاعد الأحداث في المنطقة، و غيرت الإنقاذ إتجاه مسيرها 180 درجة، منذ زيارة الرئيس البشير إلي دولة الأمارات العربية المتحدة ، هل الإنقاذ سوف تسير بذات النخبة الإسلامية التي فشلت في التنمية و بناء الدولة؟ و كان الرئيس قد أطلق تصريحه الصحفي الذي حدد موقفه من التنظيم العالمي للأخوان المسلمين، و تأييده للحكومة في طبرق التي تقاتل المجموعات الإسلامية، و هذه تعد تغييرا جوهريا في إستراتيجية الإنقاذ، و كان يجب علي إستراتيجية التحالفات الإنقاذية، أن يتبعها تغيير في النخبة التي كانت تدير الدولة 25 عاما عجافا، حيث فشلت النخبة الإسلامية في بناء دولة ديمقراطية يتعايش فيها الناس، كما أثبتت النخبة المتأسلمة إن الدنيا ما تزال أكبر همها، لذلك تجد كل نضالها أن تحافظ علي مواقعها، و كما قال أحد القيادات المعارضة القريبة من بعض النخب في السلطة، إنها تبحث عن الكلمات التي ترضي الرئيس، و لا تجرؤ علي نقده، أو معارضته، أو تقديم المشورة و النصيحة له، كل ذلك بهدف الحفاظ علي مواقعها في الدولة، و إن الرئيس واعي لذلك، أما لأنه يريد أن يرتقي في سلم الدكتاتورية، أو إن الرجل يبيت شيئا يريد أن يفجئ به الناس، لكن في كل الأحوال إن النخبة الإسلامية قد فقدت سطوتها، إن كان في الدولة أو في الحزب، و اصبحت مكشوفة الظهر.
أكد الرئيس البشير في النيل الأبيض تمسكه بالحوار الوطني، و قال أنه سوف يكون حوارا وطنيا سودانيا يجري داخل السودان، و لا وصاية عليه من أحد. و هل المقصود بهذه الوصايا الاتحاد الإفريقي و المجتمع الدولي، باعتبار إن المعارضة تأمل أن يلعب المجتمع الدولي دورا كبيرا في الضغط علي النظام للجلوس في طاولة الحوار، من خلال أجندة تشارك في وضعها، أم المقصود هنا، ليس هناك وصايا من قبل المؤتمر الوطني الحاكم و توابعه من الأخوان المسلمين، كانت هناك نداءات في قضية الحوار، تطالب الرئيس أن يتعامل من موقعه كرئيس للجمهورية، و ليس من خلال موقعه كرئيس حزب، الأمر الذي يفقد الرئاسة حيدتها و قدرتها علي إدارة العملية الحوارية.
و هناك رأي يؤكد أن العملية السياسية في البلاد، و خاصة ما يتعلق بقرارات إستراتيجية و مصيرية، مثل قرار الرئيس المشاركة في ” عاصفة الحزم” تتخذ من نخبة قليلة جدا في القصر الجمهوري و هي نخبة لصيقة بالرئيس لا تتعدي أصابع اليد الواحدة، و هي أهل لثقته، و إن قيادات الحزب الحاكم تسمع بالقرارات المصيرية مثلها مثل قيادات المعارضة و الشعب السوداني من وسائل الإعلام، الأمر الذي يؤكد إن الرئيس سوف يتخذ من القرارات عقب عملية الانتخابات، ما يعزز بها عملية الثقة في الحوار الوطني، خاصة إن التوجهات الجديدة للدولة التي قدرت أن تبحث عن مصلحة الوطن، لن تسمح باستمرار القيادات القديمة و التي فقدت قدرتها علي العطاء، و أضحت تميل إلي بذئ القول، و خطاب سياسي عاجز، فهي عندما انزلقت علي هذا الدرج، تعتقد إنها تريد أن تبلغ الرئيس إنها معه في خندق واحد، لأنها تعلم إنها سوف لن يطول بقأوها كثيرا في مواقعها، كما إنها كشفت حقيقة تربيتها في تنظيم لم يؤدب أعضائه إن يميلوا للمخاطبة بالقول الحسن.
إن التسريبات التي تخرج من الفئة الضيقة، تؤكد إن قضية الحوار رغم الإختلاف عليها بين السلطة الحاكمة و المعارضة، إلا إنها سوف تنتظم أخيرا، لأن الجميع قد وصلوا إلي قناعة، إن التسوية السياسية يجب أن تكون لمصلحة السلام و الإستقرار في السودان، و إن الاتفاق بين القوي السياسية جميعا هو المخرج لهذه البلاد، كما أثبت التاريخ إن الأخوان و المتأسلمين الذين لا يعرفون عن الإسلام غير شعارات يرددونها حماية لمصالحهم قد فشلوا في الحكم، و يجب عليهم أن يغادروا مواقعهم، و نسال الله التوفيق.
zain.salih1954@gmail.com
///////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم