الرِّق الثقافي .. بقلم: عمر الفاروق
23 سبتمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
60 زيارة
سأقول إن هذا المصطلح بهذا التركيب يعني عندي، مستوىً آخر لما يُسمى بصراع الهامش والمركز، وأقصد به إدارة الأفكار وتشييد محمولاتها بما يتواءم مع ثقافة العلو المفترضة التي أنتجها منظرون على مدى عقود وتم ترسيخها في العقل الجمعي الذي يؤيد خط محمول ثقافي معين. وأقول بشكل أوضح، إنّ السودان مقسّم بالفعل هوياتيًا إلى جنوبية ثقافية وهي الأضعف حظًا، وشمالية ثقافية أشد قوةً في إنتاج القرار الوجودي وفرض تبعاته. ولا بد من التنويه، إلى أن شكل الصراع هنا، يدور في إطار واسع، ويتسلل إلى حالة عمومية في كل التجمعات البشرية السودانية، وقد لا يكون الاتفاق هنا بشكل صريح، لكن ضمنًا يتم الاتفاق، حول جنوبية ثقافية قليلة الروح الحضارية رقيقة العقل، ومزدانة بالعيوب المبرقة، وحتى لا نمضي من غير توضيح، فإني أعني بالجنوبية الثقافية الهوامش الثقافية والتي يُشار لها جغرافياً بدارفور والنيل الأزرق وكردفان وشرقي السودان، وصولا إلى الجنوب القديم. وأعني بالشمالية الثقافية، الأفكار العامة التي أنتجت في الشمال الجغرافي/ الثقافي وليس العرقي، لأن العِرق لا قضية له في الأمر، لأن الحقائق المثبتة، لم تقل بتفوق عرق بشري على آخر، فهذه النقطة صفر كبير، إذْ لا يمكن التعامل على أنك عرق أدنى أو أن هنالك عرق أرفع منك، لكن المحمولات والتصورات في الأساس تُبنى، على أساس تفوق، ثقافي، بما فيه ضمناً، تصور التفوق العرقي. إذ يتداعى هنا، ويتماهى كطبقة رقيقة في آلية الرفع الثقافي، فمنه انطلق التفوق، سواء أكان ذلك في السجلات التاريخية، أو فعلاً إنسانياً كريماً، وحقن ذلك في أوردة العرق، ولكن في الأساس استخدمت حالة الجنوبية الثقافية للسيطرة على الموارد المادية والبشرية، وغلقها في سجن الاستهلاك الثقافي والتنديد بعجزها عن إدارة أصغر شأن من شؤونها، وبالتالي استحقاقها الأكيد للدونية الثقافية طالما يوجد الأب الثقافي على قيد الحياة.
والرق الثقافي هنا، رغم تغلغله اجتماعيا وإنتاجه للحروب لاحقًا، وتحديده لأشكال الاجتماع السوداني سواء بالتناسل أو غيره، من ضرورات الاجتماع البشري، إلا أنه يستخدم كآلة لضرب الروح، وهزّها للظرف العام، حتى لا ينتج تعايشا معقولا للجميع، يتزن فيه الخطاب الثقافي. وقد لا يكون بالضرورة الشعور بارتفاع في سعرات التفوق الثقافي، مبعثه الاستطالة في تحقق كل الممكن وشيء من المستحيل، فهو منتج من أول مباعثه، التشكيل التاريخي الثقافي، والخريطة المزاجية البيئية الجغرافية والاتصال الخارجي، والقرار السياسي والمصيري الذي اتخذته الشمالية الثقافية، في التاريخ الحديث للسودان، بدءاً من عهد حكم خليفة المهدي عبد الله التعايشي، إذ برز الرفض للعب دور سياسي لمن لا تشق أرضه الثقافية الأنهار، واستبعدت من لحظتها الجنوبية الثقافية بالحالة التي ذكرتها أعلاه، وهنا إلامَ نعزو الاستبعاد؟ طالما أنه كان هنالك مشروع سياسي وآيدلوجي متفق عليه، وهذا ما جعل المهدي يصدر منشورا شديد اللهجة يحذر فيه “من المساس بخليفته”، ويتجاوز كثيرون هنا نقطة مهمة لم يتم النقاش حولها كثيرا، ولم يتم شرح ملاباستها، فالرفض كان قبل أن يمارس التعايشي دوره السياسي على سدة الحكم، فاللفظ يجب أن يقرأ في سياق القَبلية لا البعدية والتي يجب أن يُساءل فيها بكل شراسة تاريخية، فهذا أمر طبيعي يمر به أي حاكم كان.
وقد مرّت مياه كثيرة من تحت جسر الرق الثقافي حتى حانت لحظتنا التاريخية الحالية، فالتجربة السياسية لنظام الإنقاذ الحالي، قد أجلّت النماذج ونصّعتها. فرغم أن مضمون السؤال السياسي المطروح في السودان الآن، هو إقصاء الإنقاذ وخلق بديل ديموقراطي يُعاد فيه إنتاج لحمة سياسية وثقافية جديدة على أسس ديموقراطية وعلمانية، لا تعترف إلا بمن علا شأنا، إلا أن هذا المشروع محاط بعوائق شبه مستحيلة، فمن الخطأ بمكان تصور تحقق هذا الحلم السياسي ولما لم تعد توجد فاعلية سياسية تنتظم في أطر هيكلية، بل بدلا من ذلك، الموجود الآن فاعلية للجذر الثقافي متمثلة في القبائلية والمناطقية، والتي تعزز وجودها، ومن الصعب أن تفلح البدائل المطروحة في تحييد هذا الصراع، فبدلا من الرِّق الثقافي، بمحموله القديم، فقد تفتت هذه الحالة إلى هويات أصغر، وإقصاءات داخلية وصلت درجات خطيرة، سواء أكان ذلك في الجنوبية الثقافية أو الشمالية الثقافية، وأصبح هذا الاسترقاق الثقافي، أكثر تشظيا وتحطيما لأمل المشروع السياسي الديموقراطي الذي يحلم بالعيش المشترك في هذا السودان.
فسؤال تفتيت وتشظية الرق الثقافي، هو السؤال الأكثر أولوية، من سؤال البديل الديموقراطي، الذي سيعقب الإنقاذ.
omeralfaroug2010@hotmail.com