السد الإثيوبي والحق المقدس لفاعلي العولمة .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
30 ديسمبر, 2019
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
41 زيارة
مع إطلالة الألفية الجديدة ، بينما الناس في حيرة من أمرهم حول ما أخذ يتردد في وسائل الإعلام عن ماهية ظاهرة العولمة والنظام العالمي الجديد وسيادة رأس المال المظفر بعد اقل من عقد من انهيار النموذج السوفيتي… وقتها ظهر الشيخ صالح كامل مالك مجموعة قنوات ART ببدلته الأنيقة المفصلة بعناية تليق امبراطور متوج ، وساعته الفاخرة تلمع بوميض يتلألأ مع اضواء الاستديو علي شاشة قناته التي لم تكن قد تم تشفيرها بعد معلنا بداية تدشين العولمة في عالمنا العربي عندما قال قولته المشهورة : *(تدفع تشاهد)* وكان يقصد مشاهدة الأحداث الرياضية مباشرة. وحينما أخذت المذيع الدهشة كرر الشيخ حديثه دون مواربة وأردف بلهجة رجل الأعمال الواثقة :(لابد أن يدفع الناس لمشاهدة الأحداث الرياضية – خاصة كرة القدم- كما يدفعون للخبز و الكهرباء ) وبعدها تم تشفير القنوات بالفعل وجاءت الكروت. وباءت الكثير من المحاولات بالتقاط المباريات من دول أخري بغير لغة الضاد بالفشل، حتي أن قناة الخرطوم الدولية التي دخلت على خط العولمة كان لزاما عليها أن تشترك بقيمة من الأرباح التي تجنيها من مشتريكيها ، حتي قطع عنها الإرسال فلجأت لبث المباريات بتعليق باهت من الاستديو بخلفية أصوات المشجعين الاوتوماتكية من Play station. وبذلك دخل البث الرياضي قائمة الخدمات الرأسمالية المعولمة وصار واقعا لم يكن يتخيله أكثر الناس تشاؤما. وبذلك صارت أجهزة التلفزيون في المنازل ترتبط بجهاز فك التشفير Decoder والذي تُدفع فيه فاتورة شهرية مثل فاتورة الكهرباء. ثم تم قبول الأمر علي مضض فتناثرت علي الاثر أندية المشاهدة الجماعية هنا وهناك ، بعد أن كانت المتعة منزلية والمشاهد فردية، حيث اضحي في الحرمان سواء من يمتلك التلفزيون ومن لا يمتلك.
الآن يعيش السودان تلك الإرهاصات وربما ينقسم الناس حولها بين مصدق ومكذب ومستبعد كما فعلوا عند مقولة الشيخ صالح كامل ، إن إثيوبيا بعد فراغها من السد الذي تقيمه علي بُعد بضع كيلومترات من الحدود السودانية ستعمد الي بيع الماء للسودان وسيكون الشعار من ذات فصيلة شعار الشيخ *( تدفع تشاهد )* ولكن بفارقين اثنين … الأول تدفع تشرب او تسقي زراعتك أو خيار آخر وأخطر وهو تدفع تعيش لأنه في الأصل لن توجد حياة دون مياه. الفارق الثاني أن الأمر في حالة الشيخ كامل هو خيار متعة ومشاهدة وترفيه ورفاهية ، بينما في السد الإثيوبي خيار حياة أو موت.
مهما يكن من أمر ؛ يمكن القول إن استثمار إثيوبيا في هذا السد لم يكن من أجل الكهرباء فحسب، بل ربما جاز القول إن موضوع الكهرباء إنما هو غطاء لحقيقة الخديعة ، فالأصل هو التحكم في مصير دولتي المعبر و المصب لكونها سوف تكون قادرة علي الإمساك بمصدر المياه وتدفقاتها من المنبع للسودان ومصر من حيث الكمية والتوقيت ، ولن يستطيع كائن من كان أن يرغمها علي إعطاء السودان ومصر حصتهما من المياه المقررة تاريخياً ، لاسيما وأنها قد وقعّت معهما اتفاقية إعلان المبادئ مارس 2015 (الكارثية) التي لم تؤكد علي حصص معلومة ومحددة لهاتين الدولتين كما موضح في اتفاقية 1959. عموما لم يكن دخول البنك الدولي ووزير ( خزانة) امريكا علي خط التفاوض بين الدول الثلاث من قبيل الصدفة ، فالأمر كله مرتبط بالاستثمار المعولم في المياه وحجزها بدرجة عالية 74 مليار متر مكعب خلف السد وبمخاطر مرعبة أكد عليها أكثر من تقرير دولي. وجدير بالذكر أن البنك الدولي وهو أحد أذرع العولمة الطويلة هو من أسس لفكرة ” بيع المياه “.
ما يمكن ملاحظته أن استراتيجية إثيوبيا منذ أن فكرت في مشروع هذا السد قد قامت علي ثلاث ركائز الاولي : أخذ هاتين الدولتين علي حين غرة ومفاجئتهما بالشروع الفعلي في تشييد السد ، ولم تلتزم بالاتفاقية الإطارية لاستخدام مجاري الأنهار للأغراض غير الملاحية والتي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1997 بأغلبية 103 صوت خاصة فيما يخص الإخطار المسبق Prior notification والمنصوص عليه في المواد 12 و 13 و14 و 15. حيث يلزمها بإخطار هاتين الدولتين عن عزمها إنشاء مشروع ضخم بهذا الحجم.
الثانية: المضي قدماً في التنفيذ بسرعة مذهلة حتي أثناء التفاوض كي تضع الجميع أمام الأمر الواقع لتنحصر خياراتهم بين العطش أو الدفع. وهذا ما تنبهت له وبذكاء حملة مناهضة السد السودانية بقيادة د. أحمد المفتي والتي رفعت شعار ( لاغرقاً ولا عطشاً ) أي أن السد إن لم يهلك السودان غرقاً ، فسوف يهلكه عطشاً.
الثالثة: وهي الأهم ، تجاهل إثيوبيا المتعمد لإتفاقية 1902م والتي وضعتها إثيوبيا بنفسها وتعهد من خلالها ملك ملوك الحبشة منليك الثاني بعدم بناء سد علي النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط إلا بموافقة الحكومة السودانية. والمعروف أن هذه الاتفاقية لم نزل سارية وملزمة.
ختاماً ينبغي لفت الإنتباه الي أن ظهور أميركا والبنك الدولي للدفع (بفرقاء النيل) للتوصل لتسوية باعتبارهما فاعلين في مسار العولمة غير الخفي ، فلن يكون من الخفي أيضا وجود طرف آخر يغزل وبسرية كاملة خيوط شبكة المصالح في هذه المنطقة الحيوية من العالم ، وعيونه ترنو لمياه النيل كحق مقدس. والأرض التي يجري عليها كأرض معياد من بعد طول شتاتٍ وتيه.
د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث