وحتى السفيه يومَ أجرأ على أن ينبِّذ، لم يفعلها بعد وفاة الباشا! أما الدكتور عبدالله علي إبراهيم، فسيَّان عنده الأحياء والأموات، إذ يحاول الرجل اليومَ جاهداً عبر سلسلة من المقالات، رمي مسؤولية انقلاب مايو 69 على عاتق الدكتور الراحل منصور خالد، حاشداً النقائض والأغاليط عمَّا كتبه الراحل بعد أكتوبر 64. فأيُّ بعث معرفي وأيّ صحوة ضميرٍ بفضلها استفاق عبدالله اليومَ لينتبه فيذيع بين الناس سر اكتشافه الخارق لحقيقةٍ حوتها مقالاتٌ كُتِبَت منتصف الستينيات، بل ومضي على رحيل كاتبها سنوات ست؟!!
لَيتَ عبدالله فكَّر فدبَّر ثم بَصَر ليُبين للناسِ منذ متى وكيف وأين كان لقيادات المؤسسة العسكرية اهتماماً بالاطلاع أساساً، ناهيك من أن تُفْلِح في استنتاج حقائقٍ – من بين سطورِ منصور – مفادها أنَّ الساسة قد أمسوا زاهدين في الديمقراطية الليبرالية! وبالطبع، لم نسائله تساؤلات خشنة مما قد تبدو تسوءه، سؤالات من طراز: أيِّ ديمقراطية وأيِّ ليبرالية عليها يتباكى عبدالله؛ وهو الذي ظل سنيناً ليس من حضن إنقلابيي الانقاذ ببعيد؟! فضلاً عن قلمه الذي ظل يتدفَّق عطفاً وحناناً لأطول فترة حكم عسكري في تاريخ السودان، وبصوتٍ غير خفيض وضراوة منقطع المثيل، يدافعُ اليومَ عن سلطة الجيش دون أنْ يتوقف برهةً ليُرِ الناس إلى أيٍّ من أشكال الديمقراطية الليبرالية ومرتكزاتها تنتسب حكومة الأمر الواقع القائمة اليوم؟!!
وكيف لصغار ضباطٍ من اليسارِ العريض – شيوعيين، وناصريين، وقوميين عرب – أن ينتظروا من منصور ليكتب مقالاً يُعبِّر فيه عن زهده في الديمقراطية الليبرالية حتى يقوموا بانقلابٍ في ال 25 من مايو 69؟! أولست كافية – فترات الدورات التدريبية التي يُمضيها ضباط جيش السودان في مصر الناصرية والعراق وسوريا البعثيتين وبلدان الشرق الأقصى، وغيرها من بلاد الانقلابات العسكرية في إفريقيا – كي ما تحرِّضُ البعضَ منهم وتشجعهم على استنساخ تلك التجارب وبالتالي التخطيط للانقلاب؟!! أولم يكُ قرار حلّ الحزب الشيوعي، ثم من بعده عصيان قرار المحكمة العليا محفزاً ودافعاً للضباط الشيوعيين للانقضاض على السلطة الحزبية القائمة آنذاك؟!!!
وإذا تسلَّمنا جدلاً بأنَّ مقالات منصور على صفحات جريدة الأيام كانت هي البواعث والدوافع والأسباب وراء انقلاب مايو، فكيف لقاضٍ واحدٍ بمعية ضباطٍ تسعة – تنحصر رتبهم ما بين قائمقام وبكباشي وصاغ – يسترشدون فقط بمقالٍ على صفحات جريدة، أن يقوموا خلال الأشهر الأولى من تسلم السلطة، بتغيير: عَلَم السودان، النشيد الوطني، شعار الدولة من وحيد القرن إلى صقر الجديان، السلم التعليمي، المناهج الدراسية، الزي المدرسي، توقيت الإجازة الصيفية، مسميات الرتب العسكرية، إتجاه حركة السير المروري، فضلاً عن قرارات المصادرة والتأميم، وفك ارتباط الجنيه بالذهب، والاتجاه نحو المعسكر الشرقي فكراً وسياسة، وكذا الحال تسليحاً وتدريباً، ومن ثم يقرروا الانقضاض على قوى الرجعية وسحقها بود نوباوي والجزيرة أبا والكرمك عند حدود السودان بإثيوبيا؟!
ثم ماذا عن أثر الصراع الطائفي والحزبي: صراع بين الحزبين الكبيرين من جهة، والطائفتين من جهةٍ أخرى، فضلاً عن التناطح الداخلي ما بين مكونات الثنائيات أعلاها؟!! بل ولِمَ يتغافل الدكتور المؤرِّخ عمَّا ورد في “مايو: سنوات الخصب والجفاف،2011” من حقائقِ سيناريوهات ما قبل مايو – حيث أفصح زين العابدين وأفاض – ولم يلحظ الناس ذكراّ لا تلميحاً لصحيفة ولا مقال.
دون شك، ما يجعل عبدالله طوال الأمد حانقاً حسَّاداً هو وصف دكتور منصور له ب “الرجل المِعْلاق”، بعد أن كشفه كبراغماتيّ كان يهرول في الآنِ ذاته، ما بين الحركة الشعبية، المؤتمر الشعبي، والمؤتمر الوطني لاكمال العدد المطلوب منه لاستيفاء شرط الترشح في سباق انتخابات الرئاسة! ولنرَ كيف يسيطر أحقاد الرجل عليه، وبأيِّ “مِعْلاقوميتر” تمت قياس عبدالله.
خطاب الوداع للعميد عمر الحاج موسى عام 77، والذي أورد فيه: “… جئنا عاج وحجل وسديري وقفطان وملفحة وعباية ومنصور خالد”، أثار غيرة عبدالله وحقده، فتلقَّف العبارة الأخيرة ليجعل منها عنواناً لكتابٍ غير منير، بدلاً من أن يُختَزَن بدواليب مكتبة عبدالله نفسه، للأسف، ضلَّ الكتابُ طريقه إلى أرفُفِ المكتبات – إذ يُعدُّ من أبيخ ما اصدرته دور النشر وحوته المكتبة السودانية – كتابٌ ليس بالسياسة ذي نسبٍ، لا له بالفكر حسبٍ، كما لا إلى حقلِ الأدَبِ ينتمي ولا إلى قِلَّة الأدَبِ يُضاف.
وما أن نُشِرَت مقالات العقل الرعوي للدكتور النور حمد، 2016، حتى وسارع عبدالله باصدار كتيبٍ بذات العنوان2021، فيه يحرِّضُ مجموعات الرعاة ببوادي السودان صراحةً ضد المؤلِّف، بعد أن ألحقه بعنوانٍ فرعيٍّ تحريضويٍّ ماجن “لن أكون راعياً في المرَّة القادمة”، وهي عبارة استعارها من صرخةِ استغاثةٍ أطلقها أحد أفراد قبيلة التوتسي قبل أن يُقتَل “لن أكون توتسياً في المرَّة القادمة”. وامعاناً في التأليب والايقاع ما بين المؤلِّف والمجموعات البدوية في السودان، ساوى عبدالله ما بين الدكتور النور حمد ورجلاً من الهوتو كان قد أطلق نداءً تحريضياً لإبادة التوتسي عبر محطات الراديو الرواندي، فوقعت الإبادة الجماعية برواندا منتصف العام 1994. وإذ يقوم عبدالله بكلَّ ذلك إنِّما يفعل وهو منتظراً سماع ما قد تسُرّ نفسه من أنباء، أنباءً من عيار: “جماعةٌ تتبع لنظارة بادية فُلان تُهْدِر دمَ المؤلِّف علَّان”، ولكنَّ مسعاه قد خاب، ربما لعدم ايلاء الناس بالغ اهتمام لما يكتبه عبدالله.
ويومَ أراد عبدالله تتبُّع أزمة الصراع بإقليم دارفور في كُتيبٍ له “جنجويد وحاكورة”، حيث ألحقه بعنوان إضافي حَشَرَ فيه كلمة “الماركسية” والتي دوماً ما يرددها الرجل في غدوه ورواحه، ويزجُّ بها في كلِّ شيءٍ وأيِّ شيء، بمناسبة ودون مناسبة؛ ربما ليطمئن نفسه، بل وليوحي للآخرين بأنَّه ما انفكَّ ذا جذرٍ في اليساروية عميق؛ ولكن فيما يبدو، أنَّ اليسارية لم تدخل عبدالله وإن كان عبدالله قد دخل حزب اليسار بالأمس البعيد. فأيٍّ كان، يتضح، والحال هذه، أنَّ ما بين مرض اليساروية الطفولي الذي وصفه فلاديمير لينين، ومتلازمة التَمَرُكُس الكهولي الذي نحن بصدده، رباط وشيج – حيث شخَّص لينين الحالة في أظهر تجلياتها ب “ظاهرة استعمال الكلمات الرائجة استعمالاً طائشاً”. وعليه، أن يتجرأ عبدالله – وهو يعيشُ نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين – على إقحام الماركسية، لا لدراسة الفوارق الطبقية بين سكان الخرطوم2 – بل لتحليل ظاهرة الجنجويد مقابل وضعية الحواكير في إقليم دارفور، فأُشْطوحَةٌ بلقاء، تفضي بأوله إلى ما خَلُصَ إليه عبدالله، ومن ناحية أخرى، فجرمٌ بحقِّ الماركسية كبير، إذ هي جناية تجعلُ من ماركس نفسه – وهو في مرقده الأبديّ – يتقلَّب حسرةً ثم يتمرَّغ؛ وإذا ما سُنِحَت له أن يتفوَّه بكُلَيماتٍ أربعٍ في حق عبدالله، لما زاد أكثر من “تَبَّتْ يُراعةُ عبداللهِ وتَبْ”، قبل أن يبصُق ما بفيه من لعابٍ ليستأنف الموتَ وهو على ما حاق بالماركسية حزيناً كسير! ولتكُ بَصْقَةٌ صاموتية لا يتقْصَّد وجه عبدالله فحسب، بل إنَّما وصمة على ما سطَّر، ما قال، وما أنكر.
على كلٍّ، في “جنجويد وحاكورة”، 2022، تناول عبدالله “دارفور: وضع النقاط على الحروف، 2005” لسليمان حامد الحاج بالنقد اللاذع، متشككاً في صحة مذكرة التجمع العربي، وبياني قريش1 وقريش2… يفعل الرجل ذلك لا لمحض مصادفة بريئة، إذ سبق له أن وصف كتاب “مجذرة الضعين، 1987” لمؤلفيه عشاري وسليمان بالكتاب البايخ – وهي ذات النفسية الدفاعية التي عادة ما تتلبَّس عبدالله متى تعلَّق الأمرُ بذكرِ شيءٍ يدين السلطة المركزية في الخرطوم!
ففي كتابه المذكور بعاليه، منتهجاً التحليل الماركسي، كما يدعي، يرفعُ عبدالله بالجنجويد مكاناً علياً، بينما كاد يُحطُّ بالآخرين من أصحاب الحاكورات والملكيات التاريخية منزلة الأبالسة الأنجاس – إذْ أرجع الرجل كل ما يدور بالإقليم من اقتتال إلى وجود الحواكير، واصفاً ما تقوم بها مجموعات الجنجويد بأنها “معارضة مشروعة لبث الديمقراطية في حياة الريف”… ويضيف بأنها “ديمقراطية يحول دونها نظام الحاكورة”. ويواصل عبدالله بعد أن أكَّد بأنَّ “نظام الحواكير هي جوهر المشكلة وأزمة البلاء في دارفور”، ليبرئ الجنجويد من صفة العمالة والارتزاق بقوله “هم حلفاء للحكومة، هدفهم أخذ بعض الحواكير الظالم أهلها، وهذا ما يبعد عنهم صفة الارتزاق”.
وبذات سيمفونية التحليل الماركسي، يُرْجعُ عبدالله ما يدور بين قبيلتي رفاعة وكنانة وغيرها مِمَّن سماهم بالجماعات الأفريقية إلى الحاكورات… وكذا الحال، يعزو تمرد الرشايدة على الدولة في الشرق القصي، إلى الحاكورة، بل ويعيب على الكتاب عدم انتهاجهم ديناميكية الحاكورة في تحليل هذه الحالة… إلَّا أنَّه، وما أن جاء على ذكر سابقة لنزاعٍ حاكورة ما بين الكبابيش والهواوير عام 53، وقد فصل فيها قاضّ إنجليزي ضد الهواوير ولصالح نظام الحاكورة، حتى أثنى عبدالله على حكم المحكمة واصفاً إياه بال”أفضل”! وفي الوقت نفسه، يسخر من أحد بنود مؤتمرٍ للصلح بدارفور عام 96، جاء فيه “رعاية المساواة في الحقوق والواجبات، سلطةً وأرضاً، ماءً وكلا”، واصفاً النص بأن من شأنه أن يمنح العرب حاكورة ليست لهم أصلاً؛ يورد عبدالله ذلك في ذات الصفحة التي فيها يقول بأن نظام الحواكير تجعل من الجنجويد مواطنين من الدرجة الثانية، وما يخوضونها من حروب فهي ثورة عادلة.
أمَّا القشة التي قصمت ماركسية عبدالله، فقد أُضيفت على الحمل بعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، حيث خرجت رصاصاتها الأولى على شاكلة “الخرطوم ده بتاع أبو منو؟”… مروراً بمحاصرة مطار مروي. ففي أسهل عملية تنصّل وانزلاق وجداني في التاريخ، انقلبَ الرجل، فكالَ على جماعات الجنجويد الغليظ من التوصيفات، رغم أنَّهم قد كانوا بالأمس – وفق ماركسية عبدالله – ثواراً ضد ظلم أصحاب الحواكير؛ كما أنَّه، وبُعَيد اندلاع الحرب، صمتَ عن ذكر شانئة واحدة بحقِّ المجموعات الإثنية المستقرة من أصحاب الحواكير، رغم أنَّ حواكيرهم – في رأيه – سبباً في الاحتراب بالإقليم! فأمام ناظري عبدالله، تمرُّ السيناريوهات هذه بكل تناقضاتها، دون أن يكلِّف نفسه لحظةً ليبين للناس أيِّ من الجماعات الأفريقية تمتلك حاكورة الخرطوم الظالمة أهلها؟ وإلى أي قبيلة دارفورية تتبع حاكورة مطار مروي حتى ثار عليها الجنجويد ثورة عادلة؟ ومنذ متى كانت لقبائل دافور حواكيراً بمصفاة الجيلي وحقل هجليج، وود مدني، وجبل موية، وود النورة، وأم روابة، وغيرها من مناطق السودان التي ذاق أهلُها شرورَ الجنجويد؟!!! فتلك أغاليط الرجل وبارادوكسياته التي ينسبها دوماً وباستمرار إلى التحليل الماركسي، مما تؤهِّله جدارةً واقتداراً للفوز بلقب “ربُّ التناقضات” – في أفضل الأحوال، وعلى أسوأها – تضعه ضمن تشخيصات لينين الواردة بأعلاها؛ وعلى أيٍّ، فهو بالحالتين حقيق. فوق ذلك كلّه، ما زالت نفس عبدالله فاتحة لاحداث مزيد من التغبيش – إذ يعبَّرُ الرجل عن دهشته لعدم استفادة الحزب الشيوعي من الباحثين المستقلين والباحثين الشيوعيين؛ وبالطبع، لم يقصد الرجل بأولئك الباحثين غير عبدالله نفسه.
بُعَيدَ تآمُر مثقفو الطائفتين والجبهجية على حلِّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، سطر دكتور منصور بقلمه “أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيضُ” – مقالٌ سارت به الركبان… ويومَ نعى الأستاذ محمود محمد طه – بجريدة السياسة الكويتية، أصبح المقالُ إنجيلاً يردده الشباب السوداني جيلاً بعدَ جيل… وقد احتفت الواتس قبل الناس بمقاله “النواقصُ الذاتية”،… فضلاً عن رائعته “في رحابِ الفنِّ الممحون”… فأيّ واحدة من مقالات منصور هذه – ناهيك عن مؤلفاته – تزن جميع أعمال عبدالله الأدبية منها و”الشبه سياسوفكروية”. وبالطبع، المقالات التي حظيت باهتمام الناس في تاريخ الكتابات السودانية كثيرة؛ فالنور عثمان أبكر كتب في سبتمبر67 بصحيفة الصحافة، “لست عربياً…ولكن”، مقالتان تسابق إليهما عامة القُرَّاء قبل الأدباءِ والمهتمين، بل وشكلتا عمقاً لاتجاه أدبيٍّ فكريٍّ متكاملٍ، ما برحت تُمثِّلُ موضع اهتمام للكثيرين… كما أبدعَ عمر الحاج موسى في نحت “بين الهجري والميلادي” على جدار قلعة الكتابات في السودان… أما “العودة لمنصة التأسيس”، للأستاذ نبيل أديب، منتصف 2018، فمن الأعمال الخالدة، مقالان اثنان أقاما دُنا القانون وفضاءات السياسة – إذ أخذت بترديدهما حتى ساسة لم تربطهم بكاتب المقال فكر ولا حزب… كما أنَّ مقال دكتور الوليد مادبو “قرناص: عار الدولة ولذة الطاعة” منتصف العام 2025 – إيتفق معه مَن اتفق ويخالفه من أراد – ففي الحالتين، تُحفةٌ أدبية تتراصّ فوق مضمونها فقراتُها ليتداخل جزيل الأسلوب ودقة التصوير، وتترابط حيوية الموضوع وقوة المفردات ببراعةٍ يتجول عندها المرء صعوداً وهبوطاً كما لو أنّه داخل بِناية شيَّدها المعماريّ سِنِّمار!!!
لا حصراً ولكن، تلك نماذج لمقالاتٍ – رغم تنوع موضوعاتها وتفاوت آماد كتابتها – إلا إنها شغلت عامة الناس، وبالطبع، ليس لأعمال عبدالله من بينها نصيب ذكرٍ ولا ذيع صيت! تُرَى، لو أنَّ منصوراً لم يكتب بصحيفة الأيام، ولم يُلق عمر الحاج موسى خطاب الوداع، ولم يكتب النور العقل الرعوي، فعلامَ كان سيعلِّق عبدالله وعمَّا يكتب؟! نجاحُ أيّ منتوج فكري أو أدبي أو سياسي لأيّ كاتب واشتهار كتاباته بين الناس هو ما يؤذ نفس عبدالله وليست مدى ابتعاد المؤلِّف عن الانقلابات أو قربه، وإلا، فعلى مسمع عبدالله وأمام عينيه المجردتين يقف الصادق والترابي والميرغني، فهم الأطول باعاً في هندسة الانقلابات وخرق الاتفاقيات وتقويض الأنظمة الدستورية، لكنَّه أوهن من أن يخاشن أيّاً منهم أو أن يتناوله بالاستهزاء كما يكتب اليوم عن منصور!
كلما شاخَ المنشغلون بشؤون المعارف واشتعل رؤوسهم شيباً، تضاءلت حدة تعبيراتهم وازدادوا هدوءاً وتعقلاً ليحيوا بين الناس مستعصمين بتجاربهم وركام معارفهم، مترفعين عن الكبرياء ونفخ الذات، فما بالَ عبدالله وما الذي دهاه؟! – فقد شارف الرجل التسعين من سني الحياة الدنيا وما فتئ حديثُه، آناً بعدَ آنٍ، يزداد تشغيباً وغلواءً كما تعلو كتاباته صخباً وضجيجاً! أظنه كان ينتظر أن يكون منصور زعيم طائفة أو رئيس حزب أو قائد لحركة قبلية حتى يتجنب تجريحه في حياته ومماته؟!! أم أنَّه كان في انتظار أن يخلِّف الراحل من الذريةِ أنجالاً وأحفاداً يتوزعون ما بين جيش السودان وجهاز أمن الدولة ووزراء الحكومات المتعاقبة وتحالفات قوى المعارضة حتى يرعوي عن الافتئات على فكره والاقتيات من لحمه!
كيفما كان، فالدكتور منصور فريد عصره؛ مفكرٌ لا يشقُّ له غِبار، دبلومسيٌّ عقرت من بعده حواء الدبلوماسية السودانية، مؤلفٌ ذو يراعٍ بديعٍ أخَّاذ، سطَّر فتأسطَر – إذ لم يعرف قلمُه مضماراً غير الانفراد في ميداني الابانة والتجويد – فامست بذلك أعمالُه أهازيجاً، بل أُرْجوزات يُردِّدها عامة الناس قبل أن تحتل مكاناً مريحاً بأرففِ مكتبات القُرّاء والمنشغلين بأفانين وآداب الساس يسوس؛ فهو السياسيٌّ الحاذقٌ الذي ساوى بين العلمِ والعمل، الفعل والقلم – فأنَّى لعبدالله أن يداني ذاك الصرح علماً أو أن ينادده فكراً، ناهيك من أن يضاحيه رزانةً وتسامحاً! ذياكَ غيضٌ من فيضِ استحقاقٍ به دكتور منصور أجدر وحقيق، وما دام الأمر متعلقاً بحقل المعارف وشؤون الفكر، فيظل ما بين الرجلين مسافات سنين ضوئية – فما كان عبدالله يوماً، ولم يكُ، ولن يكن، لمنصور بصنوٍ ولا نديد – وبالتالي، لم يتبق أمامه من خيارٍ إلَّا وأن يحاول تلطيخ اسمه بصديدِ قلمٍ راعفٍ مترهِّلٍ رتيب، والراحل راقد بين يدي ربٍّ رحيمٍ، راضيةً نفسُه عمَّا قال وما كتب، وكذلك عما فعل وما ترك؛ وستظل أنامله أبداً تضيء أرفف المكتبات ودور النشر – وهذا مكمن عقدة نقص عبدالله الذي لو لزم بدوره مجال الكتابة المسرحية، لما كان على دورِ النشرِ عبئاً ثقيلاً، بل ولابتهج على حسنِ صنيعِه القُرَّاءُ جميعُهم وقالوا بخٍّ بخٍّ!
25 May 2026
mahmoud000461@yahoo.com
Old Kampala- Ug
محمود إزيرق
