lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
السلام ليس مجرد توقيع على ورقة، ولا إعلان رسمي يُرفع أمام الكاميرات لتظهر النخبة السياسية على الشاشات. السلام الحقيقي هو حياة تُبنى على الأرض، وطمأنينة تسكن في القلوب، وعدالة يشعر بها المواطن قبل أن تُكتب في البنود. هو الأمان الذي يتيح للطفل أن ينام بلا خوف، وللمزارع أن يزرع بلا هواجس، وللمعلم أن يعلّم بلا تهديد. في جنوب السودان، كم مرة وقعنا اتفاقيات للسلام؟ وكم مرة صدّق الناس أن الحرب قد انتهت؟ لكن المواطن البسيط سرعان ما يكتشف أن البنود تبقى حبرًا على ورق، وأن صوت الرصاص أعلى من كل البيانات. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا نصنع الاتفاقيات ولا نصنع الاستقرار؟ الإجابة تبدأ من طبيعة السلام الذي نصنعه. غالبًا ما يكون السلام سياسيًا فوقيًا، يجلس فيه القادة لتقاسم المناصب والثروات، بينما تُترك جذور النزاع من دون معالجة: انعدام العدالة، تهميش الأطراف، عسكرة المجتمع، وتسييس القبيلة. اتفاق بلا معالجة هذه الجذور يشبه بناء بيت على رمال متحركة؛ أي هزة صغيرة قد تؤدي إلى انهياره بالكامل. من خلال تحليل تجربة جنوب السودان، نجد أن الاتفاقيات غالبًا تركّز على الترتيبات السياسية بين النخب دون إشراك المجتمع. يُوقع القادة على الوثائق، وتذهب الجماهير إلى حياتها اليومية، لتكتشف أن واقعها لم يتغير، وأن القتال قد يتوقف مؤقتًا لكنه لا يُستبدل بالسلام الحقيقي. في المقابل، تجارب دول أخرى مثل رواندا وجنوب أفريقيا تُظهر أن السلام لا يمكن أن يكون مستدامًا إلا إذا كان مشروعًا وطنيًا يشمل الجميع. في رواندا، لم يكن السلام مجرد اتفاق بين نخبة سياسية، بل مشروعًا لإعادة بناء الثقة بين الناس، عبر العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة المجتمعية. تم التركيز على معالجة الجروح النفسية والاجتماعية، وهو ما أتاح تحويل الكراهية إلى مصالحة حقيقية. في جنوب أفريقيا، لم يكن إنهاء الفصل العنصري قرارًا سياسيًا فقط، بل مسارًا اجتماعيًا وثقافيًا شارك فيه الشعب كله عبر لجان الحقيقة والمصالحة، ما ساهم في بناء السلام من الداخل، وليس فقط من خلال اتفاقيات النخبة. السلام الحقيقي يتطلب فهمًا عميقًا للجذور النفسية والاجتماعية للنزاع. في جنوب السودان، الحرب لم تُدمّر فقط البنية التحتية أو الاقتصاد، بل زرعت جروحًا نفسية عميقة: الخوف، عدم الثقة بين المجموعات، واستراتيجية البقاء الفردية. هذه الجروح تجعل أي اتفاقية بلا معالجة شاملة كغشاء رقيق على سطح نزاع مستمر. العوامل الاجتماعية التي تعيق السلام تشمل؛ 1. التطرف القبلي والمناطقية: حيث تتحكم الولاءات القبلية في قرارات الأفراد وتحدد تحالفاتهم. 2. تراكم الغضب والانتقام: سنوات الحرب خلّفت جيلًا متشبعًا بالعنف والعداوة، ما يزيد صعوبة بناء الثقة. 3. غياب العدالة الانتقالية: بدون مساءلة حقيقية، يشعر الناس بأن القانون لا يحمِيهم، وأن الاعتداءات قد تتكرر. يمكن النظر إلى السلام كعملية استثمارية طويلة المدى في المجتمع. الاستقرار الحقيقي لا يولد بمجرد توقيع اتفاقيات، بل عبر إعادة بناء المدارس، والمستشفيات، والطرق، والشعور العام بالأمان. المواطن الذي يرى أن الدولة ملكه وليس ساحة صراع بين الجنرالات، هو المواطن الذي يساهم في ترسيخ السلام. كما أن إشراك المرأة والشباب في عملية السلام له أثر بالغ. هؤلاء الذين يعيشون تداعيات الحرب بشكل مباشر يمكن أن يكونوا قوى فاعلة في بناء الثقة والمصالحة، إذا منحتهم الدولة مساحة للمشاركة في صنع القرار. السلام السياسي وحده لا يكفي إذا لم يُصاحبه استقرار اقتصادي. في جنوب السودان، الاعتماد على النفط فقط جعل الدولة عرضة للتقلبات والأسواق العالمية، وزاد من الصراعات على الموارد المحدودة. من هنا، يصبح الاستثمار في الزراعة، التعليم، الصحة والبنية التحتية جزءًا من استراتيجية السلام؛ فالمواطن الذي يشعر بالاستقرار الاقتصادي يكون أقل عرضة للانخراط في النزاع. السلام ليس فقط اتفاقًا بين الأطراف، بل عملية ثقافية تتطلب بناء قيم جديدة في المجتمع: التسامح، التضامن، الاحترام المتبادل، والمساءلة. هذه القيم يمكن أن تتجذر من خلال التعليم، وسائل الإعلام، والفن الشعبي، الذي يعكس قصص الناس ويزرع الوعي الجماعي بأهمية السلام. إن إعادة النظر في طريقة صنع السلام في جنوب السودان تعني أكثر من مجرد إعادة صياغة اتفاقيات جديدة؛ تعني معالجة الجذور العميقة للنزاع: العدالة، التعليم، الثقة المجتمعية، والمشاركة الحقيقية لكل شرائح المجتمع. السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر كل مواطن أن حياته وأمانه ومستقبله مرتبط مباشرة بالسلام، وليس بمجرد توقيع اتفاق على طاولة القادة. إذًا، نصنع الاتفاقيات بكثرة، لكن الاستقرار الحقيقي يتطلب شجاعة مواجهة الذات، شجاعة تطبيق العدالة، شجاعة بناء الثقة، وشجاعة الاستثمار في حياة الناس اليومية. السلام ليس توقيعًا على ورق، بل نبضًا في القلوب، ومشروع حياة متكامل يبدأ من المواطن وينتهي بالمؤسسات، ليصبح اتفاقًا حيًا، مستدامًا، يشعر به كل فرد في جنوب السودان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم