السلطة والرباعية: احتمالات في كل الاتجاهات

عبد القادر مُحمَّد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

يُحْمَد للرباعية أنها أَعلَنت بوضوح أن هدفها الأساسي هو حماية الأمن والسلم الدوليين المهدَّدين بحالة عدم الاستقرار في المنطقة، الناجمة عن الحرب السودانية وتداعياتها، وخلَصت إلى أن الحرب ليست سوى أحد مظاهر الأزمة السودانية الأشمل، المتمثلة في الصراع حول السلطة، ولذلك وَضَعَت جداول زمنية لإنهاء الحرب وأخرى للانتقال للحكم المدني كأساس للاستقرار. ورَهَنَت نجاح كل ذلك إلى وجود إرادة داخلية تقود إلى حوار عسكري–عسكري، وآخر مدني–مدني.

العديدُ من ردودِ الأفعالِ والتحليلاتِ أعقبت صدورَ بيانِ الرباعية؛ بين مُفرِطٍ في التفاؤل، ومُتحفِّظ، ومُتشائم، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ ناجمٌ عن تعقيداتِ المشهدَين الداخليِّ والخارجيِّ، وما عليه حالُ قوى الثورةِ من تشرذُم. في هذا المقال نتناولُ المشهدَين الخارجيَّ والداخلي، والقادم بإذن الله، حول أهمية دور القوى المدنية في إنجاح ترتيبات الرباعية.

المشهد الخارجي:

بالرغم ممّا وجده البيان من تأييدٍ دوليّ، إلّا أنّه يفتقر إلى آليةِ التنفيذ الجبري في ظلِّ غياب الإرادة الداخلية. وهو صادرٌ عن دولٍ تتقاطع مصالحها حول الأزمة السودانية، وتحديدًا مصر، فهي مستفيدةٍ الآن من فوضى استباحة الموارد والثروات. وتسعى للالتفاف على البيان بوقوفها على بعض تفاصيل الواقع السوداني، وعلاقتها بالبرهان، كما أنّها تستضيف الكثير من الإسلاميين وتُجّار الحرب الذين أصبحوا جزءًا من المشهد ويؤثرون في الأحداث. ومصلحتها تتمثّل في حكومةٍ عسكريةٍ بقيادة البرهان، بواجهةٍ مدنيةٍ مستأنسة. وهي غيرُ حريصةٍ على نجاح الرباعية حتى في جانبها الإنساني.

صحيح، الولايات المتحدة كدولة عظمى قادرة على فرض إرادتها، لكن ترتيبات الرباعية تأتي في إطار صراع دولي عاجل، وللطرف الدولي الآخر أيضًا ترتيباته. وقد اعتادت الدول الكبرى حسم مثل هذا الصراع عبر تقاسم المصالح، وهو ما قد يؤدي إلى تقسيم البلاد، وهذا ما ينتظره الإسلاميون. كما أن تراخي القوى المدنية قد يُفضي إلى اتفاق عاجل بين الجيش (الإسلاميين) والدعم السريع، يقوم على إنهاء الحرب واقتسام السلطة.

المشهد الداخلي:

بيان الحركة الإسلامية جاء رافضًا لأي وساطة خارجية، ومهاجمًا الرباعية بصيغة انفعالية تعبويّة، ويُقدّم الحركة بوصفها الممثل الشرعي والوحيد والوصي على الشعب والجيش، ويتهم القوى السياسية بالعمالة والخيانة. لكن لاحقًا، صرّح القيادي الإسلامي إبراهيم محمود للجزيرة مباشر بأنهم لا يرفضون مبدأ الوساطة، وأن الحل يجب أن يكون في الداخل، وأنهم على استعداد لحوار شامل لا يستثني أحدًا. بل قال إنهم لا يمانعون حتى في الجلوس مع الدعم السريع. وهذه النقطة الأخيرة تؤكد اقتناعهم بعدم إمكانية الحسم العسكري، وتؤكد ما رشح عن تواصلهم السري معه.

أما بالنسبة للموقف الرسمي، فقد صدر بيان باسم وزارة الخارجية، رافضًا بيان الرباعية بنبرة حادة، ثم تم سحبه بإصرار من البرهان، وفق ما رشح، وصدر بيان آخر بلغة دبلوماسية يرحب بجهود الوساطة الخارجية بشرط احترام السيادة. لاحقًا تجاهل البرهان رد الخارجية، وهاجم بيان الرباعية من الدوحة، وقال إنه لا يعنيهم، كما هاجم القوى السياسية المعارضة واتهمها بأنها جزء من الأزمة، لكنه عاد ورحب بمشاركتها في الحوار والعملية السياسية.

من جملة تصريحاته، يبدو أنّ مالك عقار يرفض بيان الهدنة، ويؤيِّد تصريح بولس بأن يكون الحوار للسودانيين، كما يرفض التفاوض مع الدعم السريع ويتمسّك بخارطة الحكومة. أمّا مناوي، فيبدو أنّه لا يعارض بيان الرباعية كليًّا، ويمكن اعتبار موقفه مرنًا ومشروطًا.

وعن المشهد العام داخل مكونات السلطة، يلاحظ أن تحالف السلطة مع الحركات المسلحة، يمر بأسوأ مراحله، بعد تقلص دور د. جبريل نتيجة اتهامه بعرقلة الانتقال الديمقراطي، وما تم كشفه عن تواصل مناوي مع مجموعة “تأسيس”، مما دفعه لإعلان اتهامه لبعض قيادات السلطة بالسعي لفصل دارفور. كما تقلص دور قوات المشتركة في العمليات الحربية بشكل ملحوظ.

أما المحنة الكبرى فهي في الفشل الذي منيت به الحكومة التنفيذية بسبب الصراع داخل مكونات السلطة، وغياب المهام وخارطة العمل، والطريقة غير الاحترافية، بل والمسرحية التي يظهر ويتحدث ويتصرف بها رئيس الوزراء، وزيارته للسعودية بدون ترتيبات أو توقيت مناسب، وبرفقة رجل بلا موقع رسمي.

ومن الشواهد التي تعكس حالة الارتباك داخل السلطة ونفوذ الإسلاميين، الإجراءات التي اتخذوها في مواجهة الصحفية الأستاذة المحترمة لينا يعقوب، على خلفية التقرير الذكي الذي أعدّته لقناة الحدث حول إقامة البشير. وقد استنكر تلك الإجراءات بعض الصحفيين المحسوبين على الإسلاميين، ليس بدافع الحمية المهنية فحسب، لكن ربما لأنها كشفت حجم نفوذ الإسلاميين داخل أجهزة الدولة، خاصة وقد أعلن وزير الإعلام عدم علمه بما جرى.

أما الصحفيون الذين انتقدوا التقرير، فيبدو أن اعتراضهم كان بسبب خطورة المعلومات بشأن امتلاك البشير هاتفًا، ومحاولته السابقة للتواصل مع حميدتي، وزيارات يقوم بها بعض منسوبي المؤتمر الوطني، من بينهم أحمد هارون. وهي بالفعل معطيات تثير علامات الاستفهام حول طبيعة الخيارات التي يفكر فيها الإسلاميون، خاصّة بعدما أصبحت مثل هذه المعلومات تتسرب من داخلهم.

لقد أوردتُ كلَّ ذلك لتأكيد حالة الضعف التي تمرُّ بها السلطة بكلِّ مكوّناتها، وأنَّ بيانَ الرباعية أدّى إلى المزيد من الارتباك في داخلها، بما يجعل خياراتها تجاهه، سواءٌ مجتمعين أو منفردين، مفتوحةً في كلِّ الاتجاهات.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …