زهير عثمان
بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متصارعين، بل تحولت إلى أزمة دولة شاملة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية بصورة غير مسبوقة
وفي الوقت الذي يؤكد فيه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في لقاءاته مع الدبلوماسيين الأوروبيين، على مفاهيم السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية، يواجه السودان واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في تآكل مؤسسات الدولة، وانهيار أجزاء واسعة من الاقتصاد، وتفاقم واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر
لقد تجاوزت تداعيات الحرب حدود الصراع العسكري التقليدي لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة السودانية نفسها
فبحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، يحتاج نحو 33.7 مليون شخص داخل السودان إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية خلال عام 2026، وهو ما يمثل ما يقارب ثلثي السكان
كما أدت الحرب إلى نزوح ولجوء ما يقارب 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، في واحدة من أكبر أزمات النزوح على مستوى العالم وتشير التقديرات الدولية كذلك إلى أن أكثر من 19 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما أصبحت قطاعات واسعة من الخدمات الصحية والتعليمية خارج نطاق العمل الفعلي
هذا الواقع الإنساني دفع الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع السودان باعتباره أكثر من مجرد ملف سياسي أو أمني , فوفقاً للبيانات الأوروبية الرسمية، بلغت المساهمات الأوروبية المخصصة للاستجابة للأزمة السودانية داخل السودان والدول المتأثرة بالحرب نحو 975 مليون يورو خلال الفترة بين 2023 و2026، مع استمرار التعهدات الأوروبية بتقديم المزيد من الدعم الإنساني والإغاثي
ويعكس ذلك إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن استقرار السودان لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل قضية ترتبط بأمن منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحركة النزوح والهجرة الإقليمية والدولية
على المستوى الاقتصادي، أنتجت الحرب واقعاً جديداً يمكن وصفه بـ”اقتصاد الصراع”
ففي ظل تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد وتآكل المؤسسات الرقابية، أصبحت الموارد الاقتصادية الحيوية جزءاً من معادلة الحرب نفسها
ولم يعد الذهب، الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان، مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى عنصر رئيسي في شبكات التمويل والتجارة غير الرسمية المرتبطة بمناطق النزاع وممرات التهريب والأسواق الموازية
وفي هذا السياق، لا يقتصر اقتصاد الحرب على طرف واحد من أطراف النزاع، بل تشارك فيه بدرجات متفاوتة شبكات عسكرية وشبه عسكرية ومجموعات مسلحة ووسطاء تجاريون وشبكات تهريب ومصالح إقليمية متشابكة
وقد أدى ذلك إلى خلق منظومة اقتصادية تستفيد من استمرار الصراع أكثر مما تستفيد من إنهائه، الأمر الذي يفسر جانباً من تعقيدات الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة
كما تعرض القطاع الخاص السوداني لخسائر جسيمة نتيجة توقف المصانع وتعطل الأنشطة الزراعية والتجارية وتدمير البنية التحتية
غير أن المشهد أصبح أكثر تعقيداً بسبب التداخل المتزايد بين المصالح الاقتصادية والعسكرية، حيث بات من الصعب في بعض القطاعات الفصل بين النشاط الاقتصادي المدني ومتطلبات التمويل المرتبطة بالحرب
وأدى هذا التداخل إلى إضعاف قدرة الاقتصاد الوطني على استعادة عافيته أو جذب استثمارات جديدة في ظل استمرار حالة عدم اليقين
من منظور أوروبي، لا يتمثل التحدي الأساسي اليوم في تحديد الطرف الذي قد يحقق تقدماً عسكرياً على الأرض، بل في الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية- هل ما زالت الدولة السودانية قادرة على استعادة وظائفها الأساسية قبل أن يتحول الانهيار الراهن إلى واقع دائم؟
إن وقف إطلاق النار، رغم أهميته، لن يكون كافياً وحده لمعالجة جذور الأزمة
فالتعافي الحقيقي يتطلب إعادة بناء المؤسسات العامة، واستعادة الدورة الاقتصادية الطبيعية، وإخضاع الموارد الوطنية لسلطة مدنية شفافة، وتفكيك البنى الاقتصادية التي نشأت في ظل الحرب واستفادت من استمرارها
لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن السيادة الوطنية لا تُقاس فقط برفض التدخل الخارجي، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية وإدارة مواردها بكفاءة وعدالة. وبينما يقترب السودان من عامه الرابع في الحرب، يبقى التحدي الأكبر أمام السودانيين هو الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء مشروع وطني قادر على إنقاذ الدولة نفسها من التآكل المستمر، وإعادة توجيه الاقتصاد من خدمة الحرب إلى خدمة السلام والتنمية.
zuhair.osman@aol.com
