بقلم:م. جعفر منصور حمد المجذوب
على ضفاف النيل عاش السودان قرونًا من الحضارات العظيمة.
من كوش ومروي، حيث الأهرامات والملاحم وصناعة التعدين والزراعة، إلى الممالك المسيحية مثل علوة والمقرة، التي بنت سوبا كعاصمة للثقافة والحضارة عرف السودان يومًا ما كيف يجمع بين العلم والعمران والدين المنفتح.
لكن هذا المجد سرعان ما سقط مع دمار سوبا على يد الفونج، ليبدأ عصر جديد ظاهره الدين، وباطنه الجهل والخرافة.
١-:الحضارة النوبية والمسيحية: نماذج الازدهار
قدّمت ممالك كوش ومروي تراثًا علميًا وثقافيًا كبيرًا:
الهندسة المعمارية المتقدمة (الأهرامات والمعابد).
الخط المروي واللغات المحلية.
التجارة الواسعة مع مصر وبلاد الإغريق وروما (القرن الأول قبل الميلاد – القرن الرابع الميلادي).
الزراعة والتعدين
لاحقًا، حافظت الممالك المسيحية (علوة، المقرة، نوباتيا) على هذه الروح الحضارية، خاصة في سوبا، التي أصبحت مركزًا دينيًا وثقافيًا مزدهرًا. تركت هذه الممالك آثارًا ملموسة، مثل الكنائس الضخمة والأنظمة الإدارية المتطورة
٢- سقوط سوبا وبداية الظلام
في القرن السادس عشر، دمر تحالف القبائل العربية بقيادة الفونج عاصمة سوبا، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها تراجع العلم وانهيار العمران. هذا التراجع لم يكن دينيًا بقدر ما كان سياسيًا واجتماعيًا:
تحول النخب الجديدة إلى طبقات حاكمة غير مهتمة بالمعرفة أو تطوير الاقتصاد.
غياب أي محاولة لبناء نظام تعليمي حقيقي.
٣- مملكة سنار: أسطورة توحيد السودان أم نشر الجهل؟
غالبًا ما يُروَّج لمملكة سنار (1504–1821) بأنها «وحدت السودان تحت راية الإسلام». لكن هذه الوحدة كانت سطحية وعنيفة:
لم تنتج سنار أي نظام تعليمي مستمر أو تقنين للقوانين، بل اكتفت بترديد الخرافات الدينية وتقديس شيوخ الطرق الصوفية
انشغل الفونج بالصراعات القبلية والحروب الداخلية، ما أضعف أي توجه علمي أو ثقافي.
٤- الممالك القبلية: الجعليين والشايقية والمسبعات ودارفور
بعد سنار، برزت ممالك قبلية مثل الجعليين والشايقية ودارفور. لكنها لم تختلف كثيرًا:
اقتصرت إنجازاتها على الغارات والنهب والاقتتال القبلي.
عدم ظهور مدارس أو أنظمة تشريعية قوية.
استمرارية الخطاب الديني او القبلي كغطاء شرعي لحكم هذه القبائل، لكن دون أي محتوى فكري جاد
٥- لماذا استُغل الإسلام زورا وبهتانا؟
هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا استُغل الدين الإسلامي في هذه الممالك لتكريس الجهل بدلاً من الحضارة؟
الإجابة تكمن في الطبيعة السياسية لهذه الكيانات:
الحكام لم يروا في الدين مشروعًا لبناء أمة متقدمة، بل مجرد غطاء يمنحهم شرعية دينية لحكم مطلق.
غياب ثقافة الفلسفة والفكر النقدي في العالم الإسلامي في تلك الحقبة سهّل هذه الاستغلالات.
الدين تحوّل إلى أداة لتبرير الطاعة العمياء، عبر شيوخ الطرق الصوفية والفقهاء المرتبطين بالبلاط، بدلًا من كونه دعوة للعدل والعلم.
٦-الإرث المستمر حتى اليوم
منذ الحكم التركي (1821–1885) الذي زاد من استغلال الدين لأهداف استعمارية، مرورًا بالمهدية، وصولًا إلى الحكومات الحديثة، ظل الدين أو دعاوى الديمقراطية المزيفة دون أى رؤى أو مشاريع يُستعملان كأداة للسيطرة السياسية، مع تغييب أي مشروع علمي أو ثقافي حقيقي.
خاتمة: نحو نقد شجاع وبناء مشروع حضاري
إن استعادة السودان لمجده الحضاري تتطلب نقدًا صريحًا لهذا الإرث من الاستغلال الديني. يجب إعادة الاعتبار للعقلانية التي ميّزت حضارة كوش ومروي والنوبة المسيحية، وبناء مشروع ثقافي علمي متحرر من الخطاب الزائف.
إن الاعتراف بهذه الحقائق التاريخية هو الخطوة الأولى لتحرير السودان من قيود التخلف، والانطلاق نحو المستقبل بثقة ووضوح.
gaafar.hamad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم