السودان بين الانهيار والإمكان (2)

السودان بين الانهيار والإمكان (2)
نحو رؤية عملية لإعادة تأسيس الدولة والوعي
م. هيثم عثمان إبراهيم

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، انتهينا إلى أن إعادة تأسيس وعي وطني جديد هو الشرط الوجودي الذي لا غنى عنه لأي نهضة قادمة. لكن الوعي، على أهميته، يظل مجرد فكرة مجردة إذا لم يجد له تجسيداً في الواقع المادي. وهنا يأتي دور “البنية الصلبة” للدولة والمجتمع.
هذه الحلقة هي محاولة للإجابة على السؤال العملي: كيف يمكن ترجمة الوعي الجديد إلى بنى مؤسسية واقتصادية قوية وعادلة؟ كيف نحول رؤيتنا لوطن قائم على المواطنة والمشاركة إلى دولة مهنية تخدم الجميع، وإلى اقتصاد إنساني يضع كرامة المواطن في المركز؟ إن الانتقال من “الوعي” إلى “البنية الصلبة” هو الاختبار الحقيقي لجدية أي مشروع وطني.
ثانيًا: إعادة بناء الدولة على أسس مهنية لا ولائية
مفهوم الدولة المهنية ومقوماتها
إن الدولة السودانية لن تنهض من كبوتها طالما بقيت أسيرة للولاءات الضيقة، سواء كانت حزبية، أو قبلية، أو جهوية، أو أيديولوجية. المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات ترقيعية تعالج الأعراض دون أن تمس الجذور، بل هو إعادة تأسيس شاملة وجذرية تعيد بناء العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة على أسس جديدة من الثقة والكفاءة والعدالة.
الدولة المهنية هي تلك الدولة التي تُدار مؤسساتها وفقاً لمعايير الكفاءة والجدارة والنزاهة، لا وفقاً للولاءات الشخصية أو الانتماءات الضيقة. في هذه الدولة، يُختار الموظف العام لأنه الأكفأ لأداء المهمة، لا لأنه الأقرب للمسؤول. وتُتخذ القرارات بناءً على المصلحة العامة والمعطيات الموضوعية، لا بناءً على المصالح الخاصة والاعتبارات الشخصية. وتعمل المؤسسات باستقلالية عن التقلبات السياسية، بحيث تستمر في أداء وظائفها بكفاءة بغض النظر عمن يتولى السلطة.

إصلاح جذري للخدمة المدنية
إن العمود الفقري لأي دولة حديثة وفعالة هو جهازها الإداري، أي الخدمة المدنية. وقد أكدت الدراسات والتجارب الدولية أن بناء خدمة عامة قادرة هو مكون أساسي في بناء الدولة، خاصة في مجتمعات ما بعد الصراع. فالخدمة العامة الفعالة هي الأداة التي تترجم السياسات إلى واقع، وتوصل الخدمات إلى المواطنين، وتحافظ على استمرارية الدولة عبر الزمن.
لذلك، لا بد من بناء جهاز دولة مهني، محايد، ومستقل، يتميز بالخصائص التالية:
أولاً، معايير واضحة للتوظيف والترقي قائمة على الكفاءة والجدارة، يتم تطبيقها بشفافية ونزاهة من خلال مسابقات واختبارات عادلة ومفتوحة للجميع. يجب أن يُلغى نظام التمكين السياسي الذي حوّل الخدمة المدنية إلى غنيمة توزع على الموالين، وأن تُفتح أبواب الوظيفة العامة لجميع السودانيين على قدم المساواة.
ثانياً، آليات تقييم ومساءلة دورية تضمن محاسبة كل موظف على أدائه، ومكافأة المتميزين، ومعالجة أوضاع المقصرين. يجب أن تكون هذه الآليات موضوعية وشفافة، بعيدة عن المحسوبية والمجاملات.
ثالثاً، استقلالية عن التدخلات السياسية، بحيث يعمل الجهاز الإداري وفقاً للقوانين واللوائح، لا وفقاً لأهواء السياسيين ورغباتهم. هذا لا يعني عزل الخدمة المدنية عن السياسة تماماً، فهي في النهاية أداة لتنفيذ السياسات العامة، لكنه يعني حمايتها من التسييس والاستخدام الحزبي.
رابعاً، برامج تدريب وتأهيل مستمرة ترفع من قدرات الموظفين وتطور مهاراتهم، وتواكب التطورات في مجالات الإدارة العامة والتكنولوجيا.
إن بناء مثل هذا الجهاز هو الضمانة الحقيقية لتقديم خدمات عامة جيدة للمواطنين، ولاستمرارية الدولة ومؤسساتها بعيداً عن تقلبات السياسة وصراعات السلطة.
إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية
لا يمكن لدولة أن تستقر وتفرض سيادتها وتحمي مواطنيها بوجود جيوش متعددة وميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة. هذا الوضع الشاذ، الذي عانى منه السودان لعقود، هو أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الراهنة. لذلك، لا بد من العمل الجاد والمسؤول على إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية بشكل جذري.
المطلوب هو بناء جيش وطني واحد وموحد، بعقيدة وطنية راسخة تتجاوز الولاءات الضيقة، مهمته الأساسية والوحيدة هي حماية حدود الوطن والدفاع عن سيادته ضد أي تهديد خارجي. هذا الجيش يجب أن يكون ولاؤه للدستور والشعب، لا للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب. يجب أن تعكس تركيبته التنوع السوداني، وأن يكون بعيداً عن التدخل في الشؤون السياسية. إن دمج جميع القوات المسلحة في جيش واحد، مع إعادة تأهيل عناصرها وفقاً لمعايير مهنية موحدة، هو شرط أساسي لاستقرار البلاد.
وبالمثل، يجب إعادة بناء جهاز شرطة مهني، تكون مهمته الأساسية حماية المواطن وأمنه، وتطبيق القانون بعدالة ودون تمييز. الشرطة يجب أن تكون في خدمة المجتمع، لا أداة لقمع المعارضين وترهيب المواطنين. يجب أن يتم تدريب أفرادها على احترام حقوق الإنسان والتعامل المهني مع الجمهور.
كما يجب أن تعمل الأجهزة الأمنية وفقاً للقانون وتحت رقابة السلطات القضائية والتشريعية، لتكون أداة لحماية الأمن القومي من التهديدات الحقيقية، لا أداة للتجسس على المواطنين وانتهاك خصوصياتهم وحرياتهم. يجب أن تكون هناك ضوابط واضحة لعمل هذه الأجهزة، وآليات للمساءلة والمحاسبة في حال تجاوزها لصلاحياتها.
استقلال القضاء وسيادة حكم القانون
إن القضاء المستقل والنزيه هو الضامن الوحيد لثقة الناس في الدولة، وهو الملاذ الأخير للمواطن في مواجهة أي تعسف أو ظلم، سواء من الأفراد أو من الدولة نفسها. لا يمكن الحديث عن دولة قانون ومؤسسات في ظل قضاء مسيّس أو خاضع لضغوط السلطة التنفيذية أو لإغراءات المال والنفوذ.
استقلال القضاء يعني عدة أمور متكاملة:
أولاً، أن يتم اختيار القضاة وترقيتهم وفقاً لمعايير الكفاءة والنزاهة، لا وفقاً للولاءات السياسية.
ثانياً، أن يتمتع القضاة بالحصانة التي تحميهم من الضغوط والتدخلات.
ثالثاً، أن تتوفر للقضاء الموارد المادية والبشرية الكافية ليقوم بعمله بكفاءة.
رابعاً، أن تُنفذ أحكام القضاء باحترام، ولا يُسمح لأحد بالتهرب منها مهما كان موقعه.
سيادة حكم القانون تعني أن القانون يسري على الجميع بالتساوي، من أعلى مسؤول في الدولة إلى أبسط مواطن. لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج نطاق المساءلة. هذه ليست مجرد خطوات تقنية أو إدارية، بل هي جوهر عملية إعادة بناء عقد الثقة المفقود بين المواطن والدولة.
ثالثًا: اقتصاد يضع الإنسان في المركز
فلسفة الاقتصاد الإنساني
الاقتصاد ليس مجرد أرقام مجردة في تقارير الخبراء والمؤسسات الدولية، أو مؤشرات صاعدة وهابطة على شاشات البورصات، أو نسب نمو ومعدلات تضخم. الاقتصاد، في جوهره وحقيقته، هو حياة الناس اليومية. هو قدرة الأب على توفير لقمة العيش الكريمة لأسرته، وقدرة الأم على إرسال أطفالها إلى مدرسة جيدة، وقدرة الشاب على إيجاد عمل يحفظ كرامته ويفتح أمامه أفق المستقبل، وقدرة المريض على الحصول على العلاج الذي يحتاجه دون أن يُفلس أو يُهان.
السودان بحاجة ماسة إلى رؤية اقتصادية جديدة، رؤية تتجاوز المقاربات التقليدية التي ركزت على المؤشرات الكلية وأهملت الإنسان. رؤية واقعية تضع الإنسان وكرامته في مركز اهتمامها، وتحرّر المواطن من حالة الهشاشة والعوز التي يعيشها، وتعيد توزيع موارد البلاد وثرواتها الهائلة بشكل عادل ومنصف يضمن أن تصل ثمار التنمية إلى جميع المواطنين في كل أرجاء الوطن.
خطة إنقاذ اقتصادي عاجلة
قبل الحديث عن المشاريع الكبرى والخطط طويلة المدى، لا بد من خطة إنقاذ عاجلة تعالج الأزمات المعيشية الطاحنة التي يعاني منها المواطن السوداني اليوم. هذه الأزمات ليست مجرد أرقام، بل هي معاناة يومية تطحن ملايين الأسر: ارتفاع جنوني في الأسعار، وانهيار متواصل في قيمة العملة، وندرة في السلع الأساسية، وانقطاع في الخدمات الضرورية.
يجب أن تركز خطة الإنقاذ العاجلة على عدة محاور متكاملة:
أولاً، تحقيق استقرار سعر الصرف من خلال سياسات نقدية ومالية متسقة، ومحاربة المضاربة والسوق السوداء، وتوحيد سعر الصرف.
ثانياً، كبح جماح التضخم من خلال ضبط المعروض النقدي، وتقليص عجز الموازنة، ومعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
ثالثاً، ضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار من خلال تفعيل أجهزة الرقابة، وتطبيق قوانين المنافسة، وحماية المستهلك من الاستغلال.
رابعاً، تأمين السلع الأساسية والضرورية للمواطنين بأسعار معقولة، من خلال دعم مستهدف يصل إلى مستحقيه، وتحسين سلاسل التوريد والتوزيع.
هذه الإجراءات ضرورية لوقف الانهيار وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار اللازم للانطلاق نحو المستقبل. فلا يمكن الحديث عن تنمية ومشاريع كبرى بينما المواطن يكافح من أجل البقاء.
مشروع وطني للإنتاج الحقيقي
يجب أن يتوقف السودان عن كونه مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة التي تُصدَّر لتعود إليه منتجات مصنعة بأضعاف الثمن. هذا النمط الاقتصادي الاستخراجي، الذي ورثه السودان من الحقبة الاستعمارية واستمر بعدها، هو أحد أسباب التخلف والتبعية. لا بد من إطلاق مشروع وطني طموح للإنتاج، يقوم على استثمار حقيقي ومدروس في القطاعات التي يمتلك فيها السودان ميزات تنافسية حقيقية.
الزراعة هي القطاع الأول الذي يجب التركيز عليه، فالسودان يمتلك ملايين الأفدنة من الأراضي الخصبة، ومياهاً وفيرة، ومناخاً متنوعاً يسمح بزراعة محاصيل متعددة على مدار العام. يجب الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، من ري وتخزين ونقل، وفي البحث الزراعي لتطوير أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض والجفاف، وفي تمويل المزارعين وتوفير المدخلات لهم بأسعار مناسبة.
الثروة الحيوانية هي القطاع الثاني، فالسودان يمتلك واحداً من أكبر القطعان في أفريقيا. يجب الاستثمار في تحسين السلالات، وفي الخدمات البيطرية، وفي مرافق التصنيع والتصدير، لتحويل هذه الثروة إلى مصدر حقيقي للدخل والتشغيل.
المعادن هي القطاع الثالث، فأرض السودان غنية بالذهب والحديد والكروم وغيرها من المعادن. يجب أن يتم استغلال هذه الثروات بشكل منظم ومستدام، يضمن عائداً عادلاً للدولة والمجتمعات المحلية، ويحمي البيئة من التدمير.
الطاقة المتجددة هي القطاع الرابع، فالسودان يتمتع بإمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحل مشكلة الكهرباء المزمنة، ويوفر طاقة نظيفة ورخيصة للصناعة والزراعة.
يجب أن توجه هذه الاستثمارات نحو بناء سلاسل قيمة متكاملة، تزيد من القيمة المضافة للمنتجات السودانية، وتوفر فرص عمل حقيقية للشباب، وتضمن أن موارد السودان تعمل أولاً وأخيراً لصالح السودانيين.
شراكات دولية عقلانية ومتوازنة
في عالم اليوم المترابط والمعقد، لا يمكن لأي دولة أن تعيش في عزلة أو أن تحقق التنمية بمعزل عن العالم. لكن العلاقات الخارجية يجب أن تكون مبنية على أساس المصالح الوطنية المشتركة والاحترام المتبادل، لا على الولاءات الأيديولوجية أو الاصطفافات العمياء في محاور إقليمية ودولية.
يجب على السودان أن يبني شبكة من الشراكات الدولية المتوازنة، التي تساعده على نقل التكنولوجيا وتوطينها، وجذب الاستثمارات المنتجة التي تخلق فرص عمل وتنقل المعرفة، وفتح أسواق جديدة لصادراته. لكن هذا يجب أن يتم مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وسيادة الدولة على مواردها، ودون الوقوع في فخ الديون المرهقة أو الشروط المجحفة.
خاتمة: البناء الهش والجرح المفتوح
لقد استعرضنا في هذه الحلقة ملامح “البنية الصلبة” التي يحتاجها السودان: دولة مهنية بمؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية والقضائية، واقتصاد إنساني بخطته العاجلة ومشروعه الإنتاجي وشراكاته المتوازنة. إن بناء هذه الدولة وهذا الاقتصاد هو مهمة تاريخية جبارة، تتطلب إرادة سياسية صلبة وكفاءات وطنية مخلصة.
ولكن، حتى لو نجحنا في تشييد هذه البنية الصلبة، فإنها ستظل بناءً هشاً يقف على أرض رخوة ما لم نعالج الجرح الأعمق الذي ينخر في جسد الأمة: جرح الانقسامات الاجتماعية، وذاكرة الانتهاكات، وغياب الثقة بين مكونات الوطن الواحد. إن أي بناء مؤسسي أو اقتصادي، مهما كان عظيماً، لن يصمد إذا ظل المجتمع ممزقاً. من هنا، تأتي ضرورة الانتقال إلى الحلقة الثالثة والأخيرة، لنتناول الشرط الأخلاقي والاجتماعي لاستدامة أي مشروع وطني: المصالحة الوطنية.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

كيف يُعاد تشكيل الوعي السوداني عبر الخوف… وكيف نتحرر منه؟

كيف يُعاد تشكيل الوعي السوداني عبر الخوف… وكيف نتحرر منه؟الخوف: المهندس الصامت للوعي لأنه لا …