د. بابكر العبيد
ثلاث سنوات مرّت على اندلاع الحرب في السودان، ولم يعد الحديث عن “أزمة عابرة” ممكناً. ما يجري اليوم هو تفكيك ممنهج لدولة كانت حتى 2019 تُراهن على الانتقال الديمقراطي. واليوم، يقف السودان على حافة المجاعة والتفك، بينما يواصل طرفا الصراع الرهان على الحسم العسكري المستحيل.
كارثة بلا سقف
الأرقام وحدها كافية لوصف الكارثة. أكثر من 21 مليون سوداني يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، و6.3 مليون منهم على حافة المجاعة. في دارفور وكردفان وبعض أحياء الخرطوم، لم تعد المسألة نقصاً في الغذاء، بل غياباً كاملاً لأي نظام إنتاج وتوزيع.
انهيار القطاع الزراعي يضاعف المأساة. إنتاج الحبوب تراجع 22% خلال عام واحد فقط. الخرطوم، التي كانت تُغذّي البلاد بالخضار والفواكه، تحولت مزارعها ومسالخها إلى ركام. والأخطر أن تدمير المختبر البيطري الرئيسي أوقف إنتاج لقاحات الماشية محلياً، ما يهدد الثروة الحيوانية بأكملها.
هذه ليست مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة. هذه حياة 47 مليون سوداني تُختزل إلى معركة نفوذ بين قيادتين عسكريتين.
لماذا فشلت كل الحلول حتى الآن؟
السبب بسيط: لا أحد يريد الاعتراف بأن الحسم العسكري غير ممكن. الجيش يراهن على استعادة العاصمة، وقوات الدعم السريع تراهن على الصمود وتوسيع مناطق النفوذ. وفي المنتصف، يقف المدنيون كوقود لهذه الحرب.
المفاوضات في جدة ومنبر جدة فشلت لأنها تعاملت مع الأزمة كخلاف بين جنرالين، وتجاهلت أن جذور الأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية أعمق من ذلك بكثير. لا يمكن الحديث عن سلام دون معالجة سؤال: ما شكل الدولة التي يريدها السودانيون بعد الحرب؟
المخرج الممكن
المخرج لا يأتي من معجزة، بل من ثلاث خطوات متزامنة:
أولاً: هدنة إنسانية حقيقية.
لا يمكن الحديث عن حل سياسي والمدن محاصرة والموانئ مغلقة. الضغط الدولي والإقليمي يجب أن ينصبّ على فتح ممرات آمنة وإدخال الغذاء والدواء قبل موسم الزراعة. الوقت ينفد، وما يُزرع اليوم يُحصد بعد ستة أشهر.
ثانياً: حكومة انتقالية محدودة الصلاحيات.
الحل الشامل غير مطروح الآن. الواقعي هو تشكيل حكومة مهمتها إدارة الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، والإعداد لمؤتمر دستوري شامل. أي محاولة لتقاسم السلطة الكاملة الآن ستُفجّر الاتفاق من الداخل.
ثالثاً: تدخل إقليمي موحد.
السودان لن يستقر ما دامت السعودية، مصر، الإمارات، وتشاد تلعب كل واحدة على حدة. المطلوب مبادرة إقليمية موحدة بضغط دولي، مع عقوبات فردية على معرقلي السلام. خلاف ذلك، سيبقى السودان ساحة تصفية حسابات.
خاتمة
السودان لا يحتاج إلى خطب حماسية ولا إلى شعارات “بل بس”. يحتاج إلى اعتراف صريح من الجميع بأن لا منتصر في هذه الحرب، وأن الخاسر الأكبر هو السودان نفسه.
الوقت ليس في صالحنا. كل يوم تأخير يعني مئات الأرواح تُزهق، وعائلة تُهجّر، ومدينة تُدمّر. إما أن نوقف النزيف الآن، وإما أن نستيقظ غداً على دولة لم تعد موجودة إلا على الخريطة.
السؤال ليس: هل نستطيع إنقاذ السودان؟
السؤال هو: هل نريد ذلك حقاً؟
