السودان بين الحلم والهاوية: قراءة في جرح الوعي والذاكرة

م. هيثم عثمان إبراهيم

مدخل: حين يصبح الوطن سؤالاً في الروح
تأتي على الشعوب لحظاتٌ لا تعود فيها الأسئلة السياسية كافية لتشخيص ما بها من علل. في تلك اللحظات، لا يكفي أن نتساءل: من يحكم؟ وكيف تُدار السلطة؟ بل يغدو السؤال أعمق، يضرب في جذور الكيان ذاته: ما الذي يجعل هذا “الوطن” ممكنًا من الأساس؟ ما المعنى الذي يسكنه قبل أن تمنحه الحكومات شكلاً أو تضع له حدوداً؟ هنا، يتحول الوطن من مجرد خريطة على الحائط إلى مرآة تعكس أرواحنا، ومن شعار يُرفع في الساحات إلى سؤال وجودي يؤرقنا في خلواتنا.
يقف السودان اليوم على هذه العتبة تماماً. بعد أكثر من سبعين عاماً من استقلالٍ لم يكتمل، وبعد ثوراتٍ وانقلاباتٍ وحروبٍ واتفاقيات سلامٍ لم تجلب إلا هدنة مؤقتة، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟ بل: ما الذي لم يحدث بعد؟ ما الذي غاب عن هذه التجربة الإنسانية الطويلة حتى آلت إلى هذا المصير من التمزق والشتات؟
هذا النص ليس محاولة لإصدار حكم قاسٍ على شعب، ولا لتبرئة طرف دون آخر. إنه مسعى متواضع لفهم البنية العميقة التي جعلت هذا البلد، بكل ما يزخر به من إمكانات روحية ومادية، عاجزاً عن التحول إلى دولة مستقرة وعادلة. نحن هنا لا نبحث عن “المذنب” بقدر ما نبحث عن “العطب”، لا نفتش عن “الجلاد” بقدر ما نحاول ملامسة “الخلل البنيوي” الذي أصاب وعينا، ومؤسساتنا، وذاكرتنا، وخطابنا، وعلاقتنا بأنفسنا وببعضنا البعض. فكل مشروع للمستقبل، إن لم يُبنَ على فهمٍ حقيقي لما جرى، لن يكون إلا إعادة إنتاج للمأساة في ثوب جديد.
أولاً: غياب العقد الوطني المؤسس… وطنٌ بلا تعريف يجمعنا
العقد الوطني ليس مجرد وثيقة دستورية تُصاغ في لحظة سياسية عابرة ثم تُهمل في الأدراج. إنه اتفاق عميق في الوعي الجمعي، إجابة مشتركة على أسئلة كبرى: من نحن؟ ما طبيعة الدولة التي نصبو إليها؟ ما معنى أن تكون مواطناً في هذا الكيان؟ أين تقف حدود السلطة؟ وما هو شكل العدالة الذي يمكن أن نحلم به في مجتمع بهذا التعدد؟
في السودان، لم يحدث هذا التأسيس الروحي. جاء الاستقلال تتويجاً لنضال وطني حقيقي، لكنه لم يُترجم إلى حوار تأسيسي شامل يغوص في أعماق الهوية. لم تُطرح الأسئلة بجدية كافية: هل نحن عرب؟ أم أفارقة؟ أم مزيج فريد لا يقبل التصنيف؟ هل نريدها دولة دينية؟ أم مدنية؟ أم صيغة ثالثة لم نكتشفها بعد؟ كيف نرسم العلاقة بين المركز والأطراف، بين النيل والصحراء والغابة، بين الخرطوم المهمومة بنفسها والهامش المنسي؟
غياب هذا العقد جعل كل سلطة تأتي بمشروعها الخاص، بتعريفها الحصري للوطن. سلطةٌ ترى السودان عربياً خالصاً، وأخرى تراه إسلامياً قبل أي شيء آخر، وثالثة تعتبره ثورياً قبل أن يكون مستقراً. وهكذا، بدلاً من أن يكون العقد الوطني سقفاً مشتركاً يقينا شر الانقسام، أصبح الوطن نفسه ساحة صراع بين تعريفات متنافسة، كل منها يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
إن العقد المؤسس ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرط للعيش المشترك. بدونه، يتحول الاختلاف إلى تهديد، والتنوع إلى قنبلة موقوتة، والسلطة إلى أداة لفرض هوية واحدة على الجميع. وهذا بالضبط ما حدث. من الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، كانت الحروب في جوهرها صراعاً من أجل الاعتراف، من أجل الحق في أن تكون مختلفاً دون أن تُعامل كغريب في وطنك.
غياب العقد المؤسس يعني أننا لم نتفق على “من هو الإنسان السوداني” قبل أن نختلف على “من يحكم السودان”. وهذه مفارقة موجعة.
ثانياً: أزمة المؤسسة… حين تُختزل الدولة في أشخاص
الدولة الحديثة ليست حكومة عابرة، بل هي شبكة من المؤسسات التي تملك ذاكرتها الخاصة، وتستمر وتتطور بغض النظر عمن يجلس على كرسي الحكم. المؤسسة هي ذاكرة، وقواعد، وإجراءات، وثقافة عمل، وتراكم للخبرة، وحياد نسبي تجاه الصراعات اليومية. حين تكون المؤسسات قوية، يصبح تغيير الحكومات حدثاً طبيعياً لا يهدد كيان الدولة نفسه بالانهيار.
في السودان، لم تُمنح المؤسسات فرصة لتكون أكبر من الأفراد. الجيش، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة مهنية تحمي الحدود والدستور، تحول إلى لاعب سياسي رئيسي، يدخل ويخرج من السلطة عبر فوهات البنادق. والقضاء، الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير للعدالة، أصبح في كثير من الأحيان أداة لإضفاء الشرعية على الظلم. والجامعات، التي كان من المفترض أن تكون منارات للمعرفة الحرة، تحولت إلى ساحات للاستقطاب الأيديولوجي المرير.
أزمة المؤسسة في السودان ليست فقط في تسيسها، بل في غياب ثقافة المؤسسة نفسها. تلك الثقافة التي تؤمن بأن القواعد أهم من الأشخاص، وأن اللوائح أسمى من المزاج، وأن الاستمرارية أثمن من اللحظة العابرة. لذلك، مع كل تغيير سياسي، يبدأ كل شيء من الصفر: تُعاد هيكلة الخدمة المدنية، وتُفكك الأجهزة الأمنية، وتُستبدل القيادات، وتُلغى السياسات السابقة لا لأنها فاشلة بالضرورة، بل لأنها “تنتمي للعهد البائد”.
هذا النمط من الهدم والبناء المستمر يقتل التراكم. والتراكم هو جوهر الذاكرة المؤسسية. وبدون تراكم، لا توجد خبرة، ولا تعلم من الأخطاء، ولا تطوير تدريجي. يصبح كل شيء رهيناً للصدفة، ولنزاهة أو فساد الأشخاص، ولحكمة أو تهور من في السلطة.
المؤسسة ليست مبنى خرسانياً أو شعاراً براقاً، بل هي نظام من العلاقات والقيم. وحين يغيب هذا النظام، تصبح الدولة جسداً بلا عظام، ينهار مع أول صدمة.
ثالثاً: الاقتصاد الريعي… ثروة بلا رؤية، وموارد بلا عدالة
الاقتصاد ليس مجرد أرقام جافة في الموازنة العامة، بل هو الترجمة المادية لفلسفة الدولة تجاه الإنسان. هل ترى الدولة الإنسان مواطناً يجب تمكينه؟ أم مستهلكاً يجب ضبطه؟ أم مجرد مورد طبيعي يجب استغلاله؟
في السودان، ظل الاقتصاد يتحرك بلا بوصلة واضحة، يتأرجح بين شعارات الاشتراكية الفارغة، وسياسات السوق الحر المتوحشة، بين التأميم والخصخصة، دون أن يستقر على رؤية وطنية واضحة ومستقرة.
كان الاقتصاد الريعي هو السمة الغالبة: الاعتماد على سلعة واحدة أو اثنتين في كل مرحلة. القطن، الصمغ العربي، البترول، والآن الذهب. في كل مرة، تُبنى الآمال على مورد طبيعي، دون أن تُبنى معه مؤسسات إنتاجية حقيقية، أو تُخلق قيمة مضافة، أو تُربط الثروة بالعدالة الاجتماعية. والنتيجة: ثروة تتدفق ثم تتبخر، نخب تستفيد ثم ترحل، وأقاليم تُستنزف مواردها دون أن ترى أثراً لذلك في حياة أهلها.
غياب المشروع الاقتصادي الوطني يعني غياب الإجابة عن سؤال بسيط وعميق: كيف نريد للإنسان السوداني أن يعيش؟ هل نريده فلاحاً منتجاً في مشروع زراعي عادل؟ أم عاملاً في صناعة وطنية مزدهرة؟ أم شريكاً في اقتصاد معرفي مبتكر؟ أم مجرد فرد يعيش على هامش اقتصاد لا يفهمه ولا يشارك في صياغته؟
الاقتصاد، حين يُفصل عن العدالة، يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التهميش. وحين يُفصل عن المؤسسات، يتحول إلى غنيمة تتقاسمها النخب. وحين يُفصل عن الإنسان، يفقد معناه الأخلاقي، حتى لو حقق نمواً رقمياً على الورق.
رابعاً: القيادة التاريخية… بين غياب البوصلة واستبداد اللحظة
في تجارب أمم كثيرة حول العالم، لعبت القيادة التاريخية دوراً محورياً في نقل مجتمعاتها من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الجرح إلى الشفاء. لكن القيادة التاريخية ليست مجرد “زعيم كاريزمي” يلهب المشاعر، بل هي تجسيد لوعي جمعي في لحظة فارقة، وقدرة على تحويل هذا الوعي إلى مشروع عملي وملموس.
في السودان، لم تغب الكفاءات، ولم تغب العقول، لكن غابت القيادة التي تجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: رؤية واضحة، ونزاهة أخلاقية، وقدرة على بناء التوافق. كانت القيادات التي تصدرت المشهد في كثير من الأحيان أسيرة لحسابات السلطة الضيقة، أو للصراعات الحزبية، أو للانتماءات الجهوية والقبلية. لم يظهر مشروع يتجاوز هذه الدوائر الصغيرة نحو أفق وطني جامع.
القيادة التاريخية ليست معصومة من الخطأ، لكنها تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، وجرأة مراجعة الذات، واستعداداً للتنازل من أجل المصلحة العامة. في المقابل، عاشت النخب السودانية، في كثير من اللحظات، في حالة من الإنكار: إنكار لحجم الأزمة، وإنكار لمسؤوليتها عنها، وإنكار لضرورة إحداث تغيير عميق في طريقة التفكير قبل تغيير الأشخاص.
غياب القيادة التاريخية لا يعني غياب الأمل، لكنه يعني أن الطريق سيكون أطول، وأن التعويل يجب أن ينتقل من انتظار “الفرد المنقذ” إلى بناء وعي جمعي، وإلى إعداد جيل جديد من القيادات يتربى على قيم مختلفة: قيم الشفافية، والمساءلة، واحترام التنوع، والإيمان بالمؤسسات.
خامساً: المصالحة مع الذات… التنوع بين الثروة والتهديد
السودان بلد متعدد بطبيعته: أعراق، لغات، ثقافات، أديان، وأنماط حياة. كان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة استثنائية، يجعل من السودان جسراً حضارياً بين عوالم متعددة. لكن هذا لم يحدث.
بدلاً من ذلك، ساد خطاب يميل إلى التوحيد القسري للهوية: العروبة معياراً، والإسلام معياراً، واللغة الواحدة معياراً. وكل من لا يندرج تحت هذه المعايير يُنظر إليه كـ”آخر”، كاستثناء، كحالة يجب استيعابها أو تهميشها أو حتى إسكاتها.
المشكلة ليست في العروبة أو الإسلام بحد ذاتهما، بل في تحويلهما إلى معيار وحيد للمواطنة. حين تُختزل الهوية في بعد واحد، يصبح التنوع تهديداً. وحين يُعامل جزء من المواطنين على أنهم أقل “انتماءً” أو “أصالة”، تتراكم المرارة في النفوس، وتتحول إلى غضب، ثم إلى صراع مسلح.
المصالحة مع الذات تبدأ من الاعتراف بأن السودان ليس هوية واحدة، بل هو فسيفساء إنسانية غنية. وأن العدالة لا تعني المساواة الشكلية فقط، بل تعني الاعتراف بالاختلاف، وبحقوق الثقافات المحلية، وبالذاكرة الخاصة لكل إقليم. المصالحة ليست بياناً سياسياً يُلقى في احتفال، بل هي عملية طويلة من الشفاء: شفاء للذاكرة، وللخطاب، وللخيال الجمعي. أن نعيد تخيل السودان لا كهرم له قمة واحدة، بل كأفق واسع تتجاور فيه الهويات دون أن تلغي إحداها الأخرى.
سادساً: الذاكرة النقدية… من التمجيد إلى الحكمة
الذاكرة ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي الطريقة التي نفهمه بها. يمكن للذاكرة أن تكون انتقائية، تمجّد ما نحب وتنسى ما يؤلم. ويمكن لها أن تكون نقدية، تعترف بالبطولة دون أن تنكر الخطأ، وتحتفي بالثورات دون أن تغفل عن أسباب فشلها.
في السودان، سادت لفترة طويلة ذاكرة تمجيديه: نحتفي بثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018، كأنها لحظات نقية مكتملة. نرفع الشعارات، ونكتب الأغاني، ونخلّد الصور، لكننا نادراً ما نسأل بصدق: لماذا لم تُترجم هذه الثورات إلى بناء مؤسسي مستدام؟ لماذا عادت الانقلابات بعد كل انتفاضة؟ ولماذا تكرر الفشل بصيغ مختلفة؟
غياب الذاكرة النقدية يجعلنا نعيش في دائرة مفرغة من التكرار. نثور بالطريقة ذاتها، ونفاوض بالطريقة ذاتها، ونُخدع بالطريقة ذاتها، ثم نعود لنلقي باللوم على “الأشخاص”. الذاكرة النقدية تقول شيئاً آخر: المشكلة في البنية، في الثقافة السياسية، في غياب العقد الاجتماعي، في ضعف المؤسسات، وفي الخطاب الذي يختزل التعقيد في ثنائيات بسيطة: مدني/عسكري، إسلامي/علماني، مركز/هامش… بينما الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
الذاكرة النقدية ليست دعوة لجلد الذات، بل هي دعوة لاكتساب الحكمة. أن نتعلم من ماضينا لا لكي نكرره، بل لكي نتجاوزه.
سابعاً: ما العمل؟ نحو تأسيس جديد لا يعيد إنتاج الفشل
سؤال “ما العمل؟” يبدو ثقيلاً ومربكاً في لحظة حرب وانهيار. لكن ربما تكون هذه اللحظة بالذات هي الأكثر صدقاً، لأن الأقنعة قد سقطت، وأوهام الاستقرار الزائف لم تعد ممكنة. الطريق ليس سهلاً ولا قصيراً، لكنه ممكن إذا بدأنا من الوعي لا من الشعارات.

  1. عقد وطني جديد كفعل وعي لا مجرد نص:
    المطلوب ليس دستوراً يُكتب في غرف مغلقة، بل عملية حوار وطني عميقة تشارك فيها كل مكونات المجتمع: الأقاليم، النساء، الشباب، الأقليات، النازحون، ضحايا الحروب، النقابات، المثقفون، رجال الدين، وكل من يحمل ذاكرة وتجربة. هذا العقد يجب أن يجيب بوضوح عن أسئلة الهوية، وطبيعة الدولة، وشكل الحكم، وحدود السلطة، وحقوق الأقاليم، ومعنى المواطنة. والأهم، أن يُبنى على الاعتراف بالتنوع، لا على محاولة صهره في قالب واحد.
  2. إعادة بناء المؤسسات كشرط للعدالة والاستقرار:
    لا يمكن الحديث عن مستقبل دون مؤسسات مستقلة نسبياً عن الصراع اليومي على السلطة. إعادة بناء الجيش كمؤسسة مهنية، وإصلاح القضاء ليكون ملاذاً للعدالة، وإعادة الاعتبار للخدمة المدنية، وتحرير الجامعات من الاستقطاب الحزبي… هذه ليست تفاصيل تقنية، بل هي شروط لوجود دولة حقيقية. المؤسسة هي الضامن الوحيد ألا يتحول كل تغيير سياسي إلى كارثة وطنية.
  3. مشروع اقتصادي يضع الإنسان في المركز:
    الاقتصاد المطلوب ليس مجرد خطط خمسية، بل رؤية تجيب على سؤال: كيف نريد للإنسان السوداني أن يعيش بكرامة؟ كيف نربط بين الموارد الطبيعية وحقوق المجتمعات المحلية؟ وكيف ننتقل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الاستهلاك إلى الإبداع؟ الاقتصاد العادل ليس الذي يحقق نمواً فقط، بل الذي يوزع هذا النمو بشكل يخفف التهميش، ويخلق فرصاً حقيقية للشباب، ويمنح الأقاليم نصيبها العادل من الثروة.
  4. قيادة جديدة من رحم المعاناة لا من صالونات السلطة:
    القيادة التي يحتاجها السودان لن تأتي بالضرورة من الأسماء المتداولة اليوم. قد تأتي من جيل عاش الحرب والنزوح، ومن نساء حملن عبء البقاء، ومن شباب اكتشفوا أن الثورة ليست هتافاً فقط، بل مسؤولية طويلة الأمد. المطلوب ليس “زعيماً مخلِّصًا”، بل شبكة من القيادات التي تؤمن بالمؤسسات، وبالشفافية، وبأن السلطة تكليف لا غنيمة.
  5. مصالحة حقيقية مع الذات والآخر:
    المصالحة ليست لجنة أو اتفاقاً سياسياً، بل هي مسار طويل من الاعتراف والعدالة والشفاء. أن يُسمع صوت الضحايا، وأن تُوثق الجرائم، وأن يُعترف بالظلم، وأن تُرد الحقوق بقدر الإمكان، وأن يُبنى خطاب جديد لا يبرر العنف ولا يمجّد الإقصاء. المصالحة تبدأ من اللغة: من طريقة حديثنا عن بعضنا البعض، عن “الهامش”، و”القبائل”، و”الآخر”. فكل كلمة إقصاء هي رصاصة مؤجلة.
  6. بناء ذاكرة نقدية مشتركة:
    نحتاج إلى إعادة كتابة تاريخنا من جديد، لا لطمس ما حدث، بل لفهمه بعمق. مناهج تعليم تعترف بالتعدد، وإعلام يفتح المجال للنقاش العميق، وأرشفة للتجارب، ودراسات جادة عن الحروب والثورات، عن الفشل والنجاح. الذاكرة النقدية هي الضمانة الوحيدة ألا نكرر أخطاءنا إلى ما لا نهاية.
    خاتمة: بين الهاوية والحلم… الإنسان هو الجسر
    في النهاية، لا تُقاس الأمم بما تملكه من موارد، ولا بما ترفعه من شعارات، بل بما تمتلكه من وعي أخلاقي تجاه نفسها وتاريخها. هل نملك الشجاعة لنقول: نعم، لقد فشلنا؟ وهل نملك الشجاعة لنضيف: لكن هذا الفشل ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة خيارات يمكن أن تتغير؟
    الهاوية التي نقف على حافتها اليوم ليست نهاية الحكاية، لكنها بالتأكيد نهاية مرحلة طويلة من الإنكار. والحلم الذي راود الأجيال منذ عام 1956 لم يكن وهماً، بل كان حلماً سابقاً لأوانه، لأنه لم يجد البنية التي تحمله وتحميه.
    بين هذه الهاوية وذلك الحلم، يقف الإنسان السوداني بجسده المنهك، وذاكرته المثقلة، ووعيه الذي بدأ يتشكل من تحت ركام الحرب. إن كان ثمة أمل، فهو يكمن في هذا الإنسان: في قدرته على تحويل الألم إلى حكمة، والغضب إلى وعي، والمرارة إلى تصميم على ألا تُعاد المأساة كما كانت.
    المستقبل لن يُمنح لنا، بل سنصنعه بأيدينا بقدر ما نملك من صدق مع أنفسنا. والصدق يبدأ من جملة بسيطة وعميقة:
    نحن لسنا ضحايا فقط، ولسنا جلادين فقط؛ نحن بشر في تجربة إنسانية معقدة، نملك القدرة على أن نتعلم، وأن نتصالح، وأن نبني من جديد، إن اخترنا الحكمة على الإنكار، والعدالة على الانتقام، والإنسان على كل شيء آخر.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …