دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
حين تتسع الحروب في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى آثارها حيث بدأت. فارتداداتها كثيراً ما تصل إلى أماكن لم تكن طرفاً فيها أصلاً.
السودان اليوم يقف في هذا الموضع بالضبط: بلدٌ غارق في حربه الداخلية، وعلى تخوم صراع إقليمي آخذ في الاتساع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
في هذه الجغرافيا القلقة يقف السودان اليوم، وهو يواجه حرباً داخلية مدمرة جعلت الدولة في حالة هشاشة غير مسبوقة. فالسودان الذي دخل عامه الثاني من القتال لم يعد يملك كثيراً من أدوات المناورة التي تسمح للدول بحماية مصالحها في لحظات التوتر الإقليمي: سلطة مركزية ضعيفة، اقتصاد منهك، ومؤسسات تتآكل تحت ضغط الحرب والانقسام.
في مثل هذه الظروف، لا يكون السؤال عمّا سيفعله السودان في مواجهة صراع إقليمي محتمل، بل عمّا قد يفعله هذا الصراع بالسودان نفسه.
في صلب هذه المعادلة تقف الجغرافيا أولاً. فالسودان يطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر نسبة معتبرة من التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا. ومع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران وحلفائها في المنطقة، تحوّل هذا الممر إلى بؤرة توتر متكررة، مع هجمات على السفن التجارية وتهديدات تطال أمن الملاحة الدولية.
ومع الضربات التي استهدفت مواقع داخل إيران في الأيام الأخيرة، عاد الحديث مجدداً عن احتمال اتساع دائرة المواجهة في المنطقة، بما في ذلك استئناف الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر. وفي مثل هذا المناخ، يصبح أي فراغ أمني طويل على الساحل السوداني، أو أي تموضع لقوى مرتبطة بمحاور الصراع على شواطئه، عاملاً مباشراً في معادلة أمن هذا الممر الحيوي.
ولا يملك السودان ترف البقاء متفرجاً على هذه التطورات. فاقتصاده المنهك يعتمد بدرجة كبيرة على موانئ البحر الأحمر لتأمين وارداته الأساسية. وأي اضطراب طويل في الملاحة أو في أمن الساحل قد يضيف طبقة جديدة من الضغوط على بلد يواجه أصلاً أزمة معيشية غير مسبوقة.
على الصعيد الاقتصادي، لا تبدو الصورة أقل قتامة. فالحرب الإقليمية المحتملة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مما يزيد فاتورة استيراد السودان للطاقة. كما أن أي اضطراب في حركة الملاحة في البحر الأحمر سيرفع تكاليف التأمين على الشحنات الواردة والصادرة، ويزيد من أعباء بلد يعاني أصلاً من تضخم مرتفع وعجز في الموازنة.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الجغرافيا والاقتصاد وحدهما. فالحرب الداخلية في السودان فتحت الباب أمام تدخلات إقليمية متعددة، بعضها ظاهر وبعضها يجري بعيداً عن الأضواء. ومع اتساع التوتر بين إيران وخصومها، قد تجد بعض القوى الإقليمية نفسها مدفوعة إلى توسيع ساحات نفوذها أو البحث عن أوراق ضغط جديدة في أماكن أخرى. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الدول المنهكة إلى ساحات مغرية للصراع بالوكالة.
المساعي الروسية لإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، والاهتمام التركي المتزايد بساحل البحر الأحمر، والتحركات الأميركية لتعزيز وجودها في جيبوتي، كلها مؤشرات على أن السودان أصبح، حتى في غياب إرادته، جزءاً من سباق نفوذ دولي في منطقة كانت تُعد حتى وقت قريب هامشية.
التجارب الحديثة تشير إلى أن الدول التي تفقد قدرتها على إدارة نفسها تتحول سريعاً إلى فضاءات مفتوحة لفاعلين من خارج إطار الدولة: شبكات تهريب السلاح، والمرتزقة، والجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفي بيئة كهذه، يمكن لأي صراع إقليمي أن يجد لنفسه امتدادات غير متوقعة. فالسلاح المتدفق في الحرب السودانية لا يبقى بالضرورة داخل حدود البلاد، بل قد يتسرب إلى نزاعات أخرى في القرن الإفريقي أو شمال إفريقيا.
المشكلة في السودان اليوم ليست أنه طرف في الصراع الإقليمي، بل أنه قد يتحول – بفعل ضعفه – إلى إحدى ساحاته.
ويزداد هذا الاحتمال مع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فهذه المنطقة لم تعد هامشاً جيوسياسياً كما كانت في العقود الماضية، بل أصبحت ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية متعددة. وفي مثل هذا المناخ، فإن أي اقتراب سوداني – حتى لو كان نتيجة فراغ سياسي أكثر منه خياراً استراتيجياً – من محور معين قد يُقرأ في عواصم كبرى بوصفه تحولاً في ميزان النفوذ.
ومع ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ربما لا يتمثل في تحول السودان إلى طرف مباشر في الحرب الإقليمية، بل في أن يصبح إحدى ساحاتها غير المعلنة. فعندما تتقاطع الحروب الكبرى مع دول ضعيفة البنية، نادراً ما يظهر الصراع في صورة مواجهة عسكرية صريحة. وغالباً ما يتخذ شكل ضغوط سياسية واقتصادية، أو دعم لقوى محلية، أو سباق نفوذ صامت بين أطراف متعددة.
الولايات المتحدة، مثلاً، لا تميل عادة إلى التدخل العسكري المباشر في الأزمات المعقدة، لكنها تبدي حساسية عالية تجاه أمن البحر الأحمر وحلفائها في المنطقة. لذلك فإن أي تطور في السودان يهدد سلامة الملاحة أو يفتح المجال لتموضع عسكري لقوى منافسة على ساحله قد يرفع مستوى الاهتمام الأميركي بالملف السوداني.
وربما تحمل هذه الحرب الإقليمية مفارقة أخرى للسودان. فالنزاعات المنسية كثيراً ما تعود إلى جدول الأعمال الدولي عندما تصبح جزءاً من معادلات أمن أوسع. وإذا تحولت منطقة البحر الأحمر إلى مسرح توتر طويل الأمد، فقد تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول تقلل من بؤر الفوضى المحيطة به، والسودان في مقدمتها.
غير أن ذلك يظل رهناً بشرط أساسي: وجود شريك سوداني قادر على تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى فرصة للخروج من الحرب.
تجربة لبنان في العقود الماضية، حين تحولت حروبه الداخلية إلى ساحات مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية، تقدم درساً قاسياً في كيفية تحول الدولة الضعيفة إلى رهينة صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل. والسودان اليوم يقف على حافة سيناريو مشابه.
وإلى أن يتوصل المجتمع الدولي إلى تسوية حقيقية تنهي الحرب، سيظل السودان واقفاً في موقع بالغ الهشاشة: بلدٌ غارق في حربه الداخلية، وعلى تخوم حربٍ إقليمية أكبر.
في عالم تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه النوايا، قد يكون ضعف الدولة أحياناً أخطر من أعدائها..
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم