habusin@yahoo.com
الكارثة المعلنة: وزارة الري بين التواطؤ والتهرّب من المسؤولية…
حاتم أبوسن
لم يعد البيان الرسمي الصادر عن وزارة الزراعة والري في الثلاثين من سبتمبر 2025 مجرد محاولة لتفسير فيضان النيل وتطمين المواطنين، بل أصبح وثيقة إدانة جديدة تكشف حالة الفشل العميق والتواطؤ الممنهج مع المشروع الإثيوبي، الذي ألقى بالسودان في قلب العاصفة، وحوّل حياة ملايين المواطنين إلى جحيم دائم.
منذ سنوات، كان الحديث واضحاً: سد النهضة ليس مجرد مشروع تنموي إثيوبي، بل أداة جيوسياسية وورقة ضغط تُستخدم لإخضاع السودان ومصر معاً. كان الخبراء الوطنيون يحذرون بلا كلل من أن السودان سيدفع الثمن الأكبر، ليس فقط بفقدان سيادته المائية، بل أيضاً بارتفاع منسوب المخاطر إلى حدود غير مسبوقة. ومع ذلك، اختارت وزارة الري ومسؤولوها وفي مقدمتهم الوزير السابق عثمان التوم ومن سار على نهجه أن يكونوا أبواقاً للوبي الإثيوبي، يزيّنون الوهم للناس، ويصفون الكارثة بأنها فرصة و كنز استراتيجي.
البيان الأخير مثال فجّ على هذا التضليل. يبدأ بالحديث عن شهداء معركة الكرامة و صمود الشعبً، وكأنّ الوزارة تحاول الاحتماء خلف عاطفة وطنية لإخفاء عجزها وفشلها في أداء واجبها. ثم ينتقل إلى سرد بيانات فنية مطولة حول الأمطار على الهضبة الإثيوبية وارتفاع إيراد النيل الأبيض، وكأنّ الكارثة مجرد ظاهرة طبيعية، لا علاقة لها بخطأ استراتيجي تمثل في السماح لإثيوبيا بالتحكم الكامل في شريان حياة السودان.
إن الوزارة تعلم جيداً أن الفيضان الحالي ليس فيضاً طبيعياً فحسب، بل نتيجة مباشرة لامتلاء بحيرة سد النهضة وتصريفها غير المنسّق، والذي تزامن مع ذروة الأمطار. هي تعرف أن التحكم الإثيوبي جعل السودان رهينة لقرار سياسي يصدر من أديس أبابا، وأن ما جرى اليوم ليس إلا نموذجاً مصغراً لما هو آتٍ. ومع ذلك، تصر الوزارة على التهوين، بل وتغطي على جريمة كبرى، فتصف التصريف بأنه 750 مليون متر مكعب في اليوم مقارنة بما هو أكبر في مواسم الفيضان الطبيعية، متجاهلة أن الكارثة ليست في الحجم المطلق بل في التوقيت والمفاجأة والقدرة على السيطرة.
السودان كان آمناً قبل هذا العبث. فيضانات و بما فيها فيضان 1988 و على قسوتها لم تضع البلاد تحت رحمة مفتاح تحكم في يد إثيوبيا. لم تكن هناك بحيرة عملاقة خلف سد غير مدروس التبعات الإنشائية والهيدرولوجية. لم يكن مصير الخرطوم والجزيرة وسنار مربوطاً بقرار أحادي من حكومة أجنبية. اليوم، ومع كل بيان يصدر من وزارة الري، يتضح أنهم إما عاجزون عن قول الحقيقة، أو متورطون في إخفائها.
إن الوزارة حين تقول: إن وصول المنسوب إلى مستوى الفيضان لا يعني غرق المنطقة بالكامل فهي لا تمارس الشفافية، بل تسعى لتجميل وجه المأساة. المواطنون الذين فقدوا منازلهم وأراضيهم لا يعنيهم التلاعب بالمصطلحات الهيدرولوجية، بل يعنيهم أن الدولة التي يفترض أن تحميهم أصبحت شريكاً في وضعهم تحت مقصلة الموت، ثم تكتفي بتوزيع بيانات باردة.
الأسوأ لم يأتِ بعد. إن ما جرى في هذا الشهر ليس سوى إنذار مبكر. فكل تخزين جديد، وكل موسم مطير، سيحوّل السودان إلى ساحة تجارب لقرارات إثيوبيا. الانهيار المفاجئ للسد – وهو احتمال وارد ومذكور في تقارير هندسية دولية – يعني نهاية مدن بأكملها. التغيرات في مواعيد وانسياب النيل تعني موت تدريجي للزراعة، وجوعاً يضرب ملايين الأسر. وكل ذلك يتم ووزارة الري تكتفي بالاجتماعات الطارئة و غرف العمليات، بينما الحقيقة أنهم أضاعوا على السودان فرصة الدفاع عن مصالحه منذ البداية.
وهنا تبرز الحقيقة الأشد إيلاماً: لقد آن الأوان للحكومة أن تتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً للأمن القومي، لا مجرد شأناً فنياً محصوراً في وزارة الري. فالمسألة تمس حياة الملايين واستقرار الدولة، ويجب أن تكون محل تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل، لكشف الوجه الحقيقي للمشروع الإثيوبي أمام العالم، وطلب الدعم الدولي قبل أن يقع المحظور. إن ترك السودان رهينة لوزارة أثبتت فشلها يعني تكرار المأساة بلا نهاية، وتحويل الشعب إلى ضحية صامتة أمام جريمة مكتملة الأركان.
هذه ليست مجرد أخطاء. هذا تواطؤ سياسي يُدخل في باب الجريمة الوطنية. فالمسؤول الذي أخفى الحقائق وروّج للوهم ليس أقل خطراً من الدولة التي شيّدت السد. إنهم شركاء في النتيجة، شركاء في وضع السودان تحت رحمة إثيوبيا، شركاء في موت الناس وتشريدهم.
لهذا لا يكفي أن نطالب بتغيير السياسات أو تحسين إدارة الأزمات. المطلوب هو محاسبة شاملة لكل من تاجر بأمن السودان المائي والغذائي، وكل من صوّر الكارثة على أنها فرصة. المطلوب أن يتحمل عثمان التوم ومن تبعه المسؤولية كاملة، لا أن يستمروا في لعب دور المحلل البريء على شاشات التلفزة. المطلوب أن يتوقف الإعلام الرسمي عن تكرار بيانات وزارة الري، وأن يتحول إلى منصة لفضح التواطؤ وكشف الحقائق للناس.
إن ما يجري اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيانة سياسية وفكرية وعلمية. وإذا لم يُحاسب المسؤولون الآن، فإن السودان سيدخل طوراً جديداً من الأزمات، حيث يصبح الموت والغرق والجوع مجرد عناوين مكررة كل عام، فيما ينجو المذنبون من الحساب.
السودان يستحق قيادة مسؤولة، لا وزراء يهربون من الحقيقة، ولا بيانات تغطي العجز الوطني بعناوين جوفاء. وإذا لم يدرك الشعب هذه الحقيقة اليوم، فإن الغد سيكون أشد قسوة، والكارثة القادمة لن تترك مجالاً للمكابرة أو التجميل.
الكارثة المقبلة لن تمنح السودان فرصة ثانية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم