ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. أحمد التيجاني سيد أحمد :٤ يناير ٢٠٢٦
تمهيد
لا يُقاس الزمن في السودان بتعاقب الأعوام، بل بتراكم الأعطال. لذلك لا يبدو الانتقال من ٢٠٢٥ إلى ٢٠٢٦ انتقالًا تاريخيًا، بل استمرارًا لمسار واحد لم يُحسم فيه سؤال الدولة، ولا السياسة، ولا من يملك القوة ومن يضبطها.
٢٠٢٥: عام انكشاف الوهم لا عام إحباط
لم يكن عام ٢٠٢٥ عامًا للإحباط بقدر ما كان عامًا لانكشاف الوهم. سقطت فيه سرديات الدولة القادرة، والنخب الحارسة للانتقال، والحرب التي يمكن إدارتها بلا مشروع سياسي. ما بدا أزمة طارئة، تبيّن أنه نتيجة منطقية لمسار طويل من تعطيل التأسيس.
انكشفت حدود الجميع:
العسكري، والمدني، والمجتمع الدولي. الجميع يتحرك فوق فراغ، لأن الدولة بوصفها كيانًا جامعًا لم تعد قائمة إلا اسمًا.
السودان بلا موقع
مع نهاية ٢٠٢٥، لم يعد السودان أولوية دولية ولا فاعلًا إقليميًا. تحوّل إلى ملف مُنهك تُدار أزمته ولا تُحل. أكثر من نصف السكان نازحون أو مهددون بالنزوح، وملايين خارج البلاد، يعيشون على هامش الدول كما يعيش وطنهم على هامش العالم. هذا توصيف سياسي بقدر ما هو إنساني: دولة بلا مجتمع مستقر، ومجتمع بلا أفق دولة.
منصة التطرف
أحد أخطر ما انكشف هو تحوّل السودان، عبر عقود، إلى مرتكز للحركة الإسلامية العالمية. لم يكن ذلك صدفة، بل خيارًا اتُّخذ باسم المشروع الحضاري. احتُضن المتطرف، وأُوي المطلوب، واختلط الطالب بالمطلوب، حتى فقدت الدولة وظيفتها الأساسية في الضبط والتنظيم. هذا الإرث شوّه صورة السودان وربطه بالتطرف وعدم الاستقرار، وما زال فاعلًا.
الصفوة وإعادة إنتاج الإغلاق
بعد ٢٠١٩، لم يسقط منطق الإقصاء، بل تبدّلت لغته. انتقلت أدوات الاحتكار من سلطة شمولية إلى صفوة مدنية ضيقة احتكرت السياسة باسم حماية الانتقال، وأدارتها فوق المجتمع لا من داخله. هكذا تعمّق الفراغ، وتمدد العنف.
لجان المقاومة وكسر الوساطة
مثّلت لجان المقاومة محاولة نادرة لإعادة السياسة إلى المجتمع. لم تكن تنظيمًا مثاليًا، لكنها جسّدت فعل المشاركة. غير أن تحييدها، ثم كسرها بفض الاعتصام، كان قرارًا بنيويًا لإعادة إغلاق المجال السياسي، ومنذ تلك اللحظة بدأ العدّ التنازلي للانفجار.
حرب بلا أفق
حرب أبريل ٢٠٢٣ لم تكن مفاجأة، بل نتيجة لإغلاق السياسة وتراكم السلاح وغياب مشروع الدولة. لذلك لم تنتج أفقًا جديدًا، بل أعادت تدوير العنف ووسّعت الانهيار. لا يحمل أي طرف مشروع سلام حقيقي، لأن السلام يفترض دولة، والدولة لم تُستعد بعد.
٢٠٢٦: وضوح بلا خلاص
مع دخول ٢٠٢٦، لا يدخل السودان زمن الأمل ولا يغادر زمن الخطر. ما تغيّر هو مستوى الوضوح: الخراب أكثر تسمية، والفراغ أكثر فجاجة، والكذب أقل قدرة على التنكر. هذا الوضوح لا يعني الحل، لكنه شرطه الأول.
سؤال التأسيس
جوهر الأزمة ليس في الحكومات ولا الأشخاص، بل في غياب التأسيس. التأسيس يعني دولة عقد اجتماعي لا غنيمة، وسياسة تعود إلى المجتمع، وقوة تُقنَّن ولا تُترك للتناسل. من دون ذلك، سيبقى السودان خارج الزمن مهما تبدّلت الأعوام.
خاتمة
هذا المقال لا يَعِد ولا يُبشّر. هو قراءة لزمن سوداني دائري لا ينفتح إلا بكسر بنيته. ليس المطلوب عامًا جديدًا، بل بداية جديدة — والبدايات لا تُعلن، بل تُبنى.
البريد الإلكتروني: ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم