بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
لم يعد السؤال المركزي في الدراسات التاريخية الحديثة هو: ماذا حدث في الماضي؟، بل: من الذي كتب ما حدث؟ ولأي غاية؟ فالتاريخ، وفقاً لمقاربات ما بعد الاستعمار، ليس مجرد سجل للوقائع، بل هو أيضاً نظام لإنتاج المعنى وتشكيل الذاكرة الجماعية.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة السودان مثالاً دالاً على ما يمكن تسميته بـ الاستعمار السردي؛ أي قدرة القوة الاستعمارية على احتكار رواية الماضي وصياغة صورة المجتمع عن نفسه. فالإدارة البريطانية لم تحكم السودان بالجهاز الإداري والعسكري وحده، بل أنتجت أيضاً سردية تاريخية متماسكة أعادت ترتيب ماضيه وفق مقتضيات الحكم الاستعماري، فجرى تضخيم بعض الانقسامات، وإهمال مساحات التفاعل والتداخل التاريخي بين المكونات السودانية.
ولم تتوقف المشكلة عند حدود الكتابات الاستعمارية، بل امتدت إلى ما يمكن وصفه بـ التبعية الأرشيفية؛ أي تحويل الأرشيف الاستعماري من مصدر تاريخي إلى مرجعية نهائية، حتى أصبحت كثير من القراءات اللاحقة أسيرة للفرضيات التي أنتجتها السلطة الاستعمارية نفسها.
لقد اعتمدت بعض الكتابات المبكرة عن تاريخ السودان على الوثائق الإدارية وتقارير المفتشين والمذكرات الاستعمارية بوصفها الراوي الأكثر موثوقية، وهو ما أفضى – عن قصد أو غير قصد – إلى إعادة إنتاج رؤية الدولة الاستعمارية للمجتمع السوداني. ولم تكن المشكلة في الوثيقة ذاتها، وإنما في التعامل معها باعتبارها حقيقة مكتملة، لا نصاً سياسياً يخضع للنقد والتفكيك.
غير أن التحولات التي شهدتها الكتابة التاريخية خلال العقود الأخيرة، خصوصاً في مجالات التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا التاريخية ودراسات ما بعد الاستعمار، فتحت الباب أمام إعادة قراءة تاريخ السودان من أسفل؛ أي من منظور المجتمع لا السلطة، ومن منظور الفاعلين الاجتماعيين لا الإدارات الحاكمة.
وفي هذا السياق تبرز تجربة المؤرخ السوداني
أحمد إبراهيم أبو شوك
بوصفها إحدى المحاولات الجادة لتجاوز أسر السردية التقليدية. فقد اتجهت أعماله إلى توسيع مفهوم المصدر التاريخي، والاهتمام بالتاريخ الاجتماعي والثقافي، وإعادة الاعتبار للمجتمعات المحلية والفاعلين المهمشين في السردية الوطنية. وتمثل كتاباته انتقالاً منهجياً من تاريخ الدولة إلى تاريخ المجتمع، ومن الرواية الأحادية إلى تعدد الأصوات التاريخية.
إن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن في تقديم رواية بديلة فحسب، بل في إعادة النظر في الأدوات نفسها التي نقرأ بها التاريخ. فالمشكلة ليست في نقص المعلومات عن السودان، وإنما في المنهج الذي ينتقي تلك المعلومات ويعيد ترتيبها ويمنح بعضها سلطة تفسيرية على حساب البعض الآخر.
فالتاريخ ليس ما حدث فقط، بل هو أيضاً الطريقة التي نختار بها أن نتذكر ما حدث. والذاكرة الوطنية ليست مخزناً محايداً للوقائع، بل عملية مستمرة من الاختيار والتأويل وإعادة البناء. لذلك فإن صورة الأمة عن ماضيها تؤثر بصورة مباشرة في تصورها لمستقبلها.
ومن هنا يكتسب السؤال التالي أهميته النقدية: هل نريد إعادة كتابة تاريخ السودان، أم أننا ما زلنا نبحث داخل أرشيف المستعمر عن تفسير لأنفسنا؟
إن هذا السؤال يكشف مفارقة عميقة؛ فجزء معتبر من النخبة السودانية ما زال يناقش أزمات الهوية والدولة والمركز والهامش داخل الإطار المفاهيمي الذي أنتجه الاستعمار ذاته. إننا كثيراً ما نختلف حول تفسير الوثيقة الاستعمارية، لكننا نادراً ما نراجع سلطتها المعرفية أو نسائل الافتراضات التي قامت عليها.
ولهذا فإن إعادة كتابة تاريخ السودان ليست دعوة إلى إلغاء الأرشيف الاستعماري أو القطيعة مع المنجز التاريخي السابق، بل هي دعوة إلى تحرير الوعي التاريخي من احتكار رواية واحدة للماضي، وإخضاع المصادر كافة للنقد والمقارنة والتفكيك.
إن معركة السودان القادمة ليست معركة إعادة إعمار المدن وحدها، وإنما إعادة إعمار الوعي التاريخي ذاته؛ لأن الأمم التي تفقد حقها في رواية ماضيها، تفقد تدريجياً قدرتها على صناعة مستقبلها.
ويبقى التحدي الحقيقي: هل يستطيع السودانيون أن يكتبوا تاريخهم خارج هوامش الإمبراطورية، وأن يستعيدوا حقهم في إنتاج سرديتهم الوطنية الجامعة، أم سيظلون أسرى ذاكرة صاغها الآخرون لهم؟
habobsalah@gmail.com
