السودان: خطابات الحرب المتناقضة في انتظار مبادرة السلام

ناصر السيد النور
أيا تكن مصادفة الخطابين المتزامنين في هذا الأسبوع لكل من قائدي الجيش عبد الفتاح البرهان الدعم السريع محمد حمدان دقلو بشأن موفقيهما حول مبادرة السلام (الرباعية) في خطابين اختلفا في الرسائل والمضامين إلا أن ما تم فهمه وتفسيره على مختلف المستويات السياسية والعسكرية للخطابين أتى في توقيت حرج لمسار الحرب خلال أعوامها الطويلة وأحداثها الوحشية؛ قد يحدث تغير جوهري في وتيرة سير الحرب ويومياتها بشأن الحل التفاوضي والمواجهة المحتملة مع دول آلية الرباعية المطروحة على الطرفين لوقف اطلاق النار تبدأ بهدنة إنسانية وصولا إلى حل شامل يضع حدا للحرب التي توصف بالكارثة الأسوأ عالميا.
ومن المفارقة أن يأتي ما أعلنه البرهان بعد الترحيب الواسع الذي أبداه ومعه جماعات متحالفة متشددة في استمرار الحرب بعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في واشنطن في العشرين من الشهر الجاري عندما أعلن ترامب استجابته لحل مشكلة السودان -وفق الرباعية – وهي المحاولة التي علق عليها الكثير من السودانيين آمالهم لنهاية الحرب، ما كشف مبلغ الأثر العميق الذي خلفته الحرب على المستوى الإنساني والسياسي وبطبيعة الحال العسكري.
أيا تكن طبيعة هذه الاستجابة إلا أنها محكومة بملف الأزمة السودان، كما تراه واشنطن في سياساتها الخارجية المتعلقة بواقع المنطقة، وما يتصاعد فيها من تطورات ومصالح استراتيجية يتقاطع فيها السياسي والاقتصادي والأيديولوجي وفق الأولويات التي تقتضيها سياسة أمريكا وليست رغبة طرفي الحرب.
وتأتي المفارقة الثانية أيضا في موقف الدعم السريع الذي أعلن قائده في خطابه في اليوم المتزامن مع خطاب البرهان هدنة لوقف إطلاق النار تمتد لمدة ثلاثة شهور، وهو موقف يتبنى رؤية مبادرة الرباعية، بما يتجاوزها براغماتيا إلى بنودها التي يرفضها الجيش، كما صرح الجنرال البرهان في خطابه. ووسط هذا السجال بين الطرفين يكون ما أعلنه البرهان موقفا سيغير كثيرا مما بدا موقفا حكوميا يجنح إلى السلام إلى رفض مطلق، حمل معه توجها جديدا في الموقف من بعض الدول والشخصيات التي لم يكن يعلن عنها على مستوى الخطاب الرئاسي. فقد أشار البرهان في خطابه إلى دولة الإمارات كإحدى دول الرباعية متهما إياها بدعمها المباشر للدعم السريع وهي إشارة نادرة في تصريحات البرهان، ومشككا في دور مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، وبهذا تحول المشهد بالكامل على الأقل على مستوى الخطاب الرسمي في شخص رأس الدولة.
ودرجت قوات الدعم السريع على القبول الفوري منذ بداية الحرب لأي مبادرة تطرح من أي دولة أو منظمة دولية وهو أمر قد لا يفسر، إلا في حدود موقفها والأدوار الخفية التي يخطط لها مع من يطرح المبادرات ودورها في الحرب. وبعد أن استتب لها الأمر في دارفور وحصر هجومها على جغرافية محددة قد تشكل الهدن، كما يرى الجيش لوقف إطلاق النار تحت ذريعة وصول المساعدات أو غيرها، فترة تستغلها قوات الدعم السريع تلتقط فيها أنفاسها في ظل ما يواجه من ضغط عسكري في المناطق التي يستعر فيها القتال.
الخطوط العامة الواردة في خطابات الطرفين تكشف عن مواقف غير واضحة على ما ابتدأته من شعارات تسمح برفض مبادرة الرباعية على أسس قومية تمس سيادة الدولة، كما أوحى خطاب البرهان مما يعني مواصلة الحرب أو القبول التكتيكي، الذي تبناه الدعم السريع في هدنته التي أعلنها من طرف واحد، فإن الموقف الدولي نفسه مصدر هذه المبادرة سيكشف عن المزيد من السياسات قد لا تلبي طموح الجيش في الاستجابة لتفاصيلها، ولو تمت إعادة صياغتها. ثم إن التداعيات الدولية المؤثرة على المنطقة ومنظماتها كمشروع ترامب لتصنيف جماعات الإخوان المسلمين وفق الأمر التنفيذي الذي أصدره كمنظمات إرهابية خطرة على الأمن القومي الأمريكي.
وهذا يعني في ترتيبات الحرب الجارية في السودان، التي تقودها الحركة الإسلامية السودانية برموزها المعروفة، والتي نفى البرهان صلتها بالجيش أو الدولة في خطابه الدخول في منطقة بالغة الحساسية للحركة الإسلامية نفسها، ورفضا لدورها في الحرب في ظل ارتفاع الأصوات المنددة بهذا الدور في الداخل والخارج. وكما يرى المحللون والخبراء أن رفض البرهان لآلية الرباعية تأتي استجابة لتوجهات الحركة الإسلامية التي ينفي وجودها.
فالمواجهة مع دول الرباعية خاصة المؤثرة فيها – الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات – على المستوى الدبلوماسي وما يحتمل مما يصدر عنها في مقبل الأيام المقبلة لن تكون في صالح وقف الحرب.
فهذه الدول أكانت داعمة لوجستيا لطرفي الحرب لا تملك قرارا ميدانيا على ساحات القتال الذي يعتمد على مدى قدرة أي طرف في التحكم بما يحققه عسكريا، ومن ثم يبني الموقف السياسي للطرف المقاتل أو الطرف الداعم من الخارج. فالآلية الرباعية لم تكن إلا امتدادا لمنبر جدة برعاية ثنائية من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في يونيو/حزيران 2023 بعد مدة قصيرة من اندلاع الصراع وظل محورا ثابتا في تناول الأزمة السودانية، عندما فشلت كل الجهود والمبادرات الأخرى في الوساطة بين الطرفين.
والعلاقة بين السودان والمملكة العربية لها أبعادها الاستراتيجية والتاريخية على أسس من العلاقات الشعبية التي تتعدى مناورات الطرفين السياسية. ولهذا تختلف تقديرات الموقف السعودي لما يجري في السودان في السياسات ومن قبلها العلاقات بين البلدين عن الموقف الأمريكي لأسباب ربما أكبر من المفاوضات الطارئة.
وبهذا الخطاب من جانب الجيش يكون الجانب المدني السياسي قد تم اقصاؤه تماما كما صرح البرهان بأنه لن يكون له مستقبل سياسي في البلاد. وأيا تكن الحماسة التي صاحبت نصوص هذا الخطاب الانفعالي إلا أن ما جاء بين سطوره كشف عن تعقد العلاقة وأزمتها بين الحكومة العسكرية بقيادة البرهان وحلفائه من الإسلاميين والقوى المدنية المناوئة للحرب التي تمثل قوى ثورة 19 ديسمبر/كانون الثاني، التي أطاحت بالنظام السابق ومكوناتها في الخارج بعد الحرب. وتعقيد الموقف السياسي لا يقل أثره السالب على الوضع العسكري القائم للحرب حصرا فإذا كان الجنرال البرهان يحدد مستقبل علاقات المكونات المدنية وفق منظور التوتر السياسي الذي تعقد الرؤية العسكرية البحتة من إمكانية فتح المجال أمام الحوار المدني لحل مشكلة الحرب، فلا أمل أمام القوى المدنية إلا البحث عن وسائل أخرى بما فيها دول الآلية الرباعية.
وبدا أن تصاعد الأحداث في السودان بعد هذه المواقف المتناقضة لطرفي الحرب تكون الأزمة السودانية قد تعقدت داخليا على مستوى الحوار الوطني وخارجيا مع الأطراف الساعية إلى الحل ولو اختلفت اجندتها من وراء هذه المساعي. وبقدر حجم الأطراف المتدخلة والفاعلة في الحرب الجارية يأتي تدخل الأطراف الخارجية الغليظ في إدارة ملف الحرب والسلام في مواجهة طرفين يتقاتلان على مدى ثلاث سنوات بوسائل وأهداف مختلفة لا تحقق إلا المزيد مما تحمله الحروب من موت ومآس إنسانية. فما بين تكتيك قوات الدعم السريع في هدنته المتوافقة مع المطالبة الدولية ورفض الجيش القائم على مواقف تقديرات يدخل فيها السياسي أكثر من العسكري والإنساني، ستنفلت الحرب إلى وضع لن تجدي معه أي مساع تفاوضية، وفقا لأي آلية بما فيها انفاذ القانون الدولي أو سياسات العقوبات الاقتصادية.
كاتب سوداني
نشر بالقدس العربي اللندنية# السبت 29 نوفمبر2025م

عن ناصر السيد النور

ناصر السيد النور

شاهد أيضاً

السودان بين أنقاض الحرب ومسارات السلام

ناصر السيد النورما شهدته التحركات والتطورات المتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي بشأن الأزمة السودانية في …