السودان على طاولة الرياض: فرصة أخيرة قبل تفكك الدولة

نزار عثمان السمندل

سؤال السودان يطرق أبواب اللحظة السعودية في ذروة اشتعالها. بلد يتآكل تحت أقدام الحرب، وجيش يقف عند تخوم الاستنزاف، وقيادة تبحث عن مخرج في عاصمة تعرف ثقلها الإقليمي وتدرك كلفة الفوضى حين تطول. زيارة عبد الفتاح البرهان إلى الرياض جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث لم تعد المعركة مجرد صراع على السلطة، بل امتحان لوحدة السودان ذاته، وربما لوجوده كدولة قابلة للحياة.

لقاء الأمير محمد بن سلمان بقائد الجيش السوداني حمل أكثر من دلالة. ولي العهد الذي أعاد رسم أولويات السياسة السعودية، وذهب بعيداً في خفض منسوب الحرائق الإقليمية، ينظر إلى السودان بوصفه ملفاً يتجاوز حدوده الجغرافية. الحرب هناك ما عادت شأناً داخلياً، تحولت إلى أزمة مفتوحة على البحر الأحمر، وعلى توازنات القرن الأفريقي، وعلى أمن الممرات الحيوية التي تشكل شرياناً للتجارة العالمية وعمقاً مباشراً للأمن القومي السعودي.

الرياض تقرأ المشهد السوداني بواقعية باردة. استمرار القتال يعني تفككاً بطيئاً، وتمدد جماعات مسلحة، ودخول لاعبين إقليميين ودوليين إلى ساحة رخوة، ما يفضي إلى تغيير خرائط النفوذ في منطقة شديدة الحساسية. لهذا تفضل المملكة تسوية سياسية تحفظ ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، وتمنع انزلاق السودان إلى نموذج الفوضى المستدامة.

في هذا السياق، تبدو المكابرة العسكرية مقامرة خطرة. الجيش السوداني يواجه واقعاً ميدانياً قاسياً بعد خسارة دارفور وترنح حضوره في كردفان، فيما تستمر الكلفة الإنسانية في الارتفاع، قتلى بعشرات الآلاف، ونزوح يقترب من نصف الشعب، ومجاعة تطوّق الأبواب. الإصرار على وهم الحسم يفتح الطريق أمام خسارة أكبر، عنوانها تفتيت البلاد وتحويلها إلى جزر نزاع متناحرة.

الجهود السعودية ليست طارئة. منبر جدة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، حاول في بدايات الحرب تثبيت حد أدنى من التهدئة وحماية المدنيين. تعثر المسار لم يدفع الرياض إلى التراجع، بل إلى البحث عن أدوات أوسع. مبادرة الهدنة الإنسانية، التي طرحتها الرباعية الدولية، ما زالت تشكل أرضية قابلة للبناء، شرط تعديلها بما يجعلها مقبولة وقابلة للتنفيذ من طرفي النزاع.
الدور الأميركي عاد إلى الواجهة بدفع سعودي واضح. طلب مباشر من ولي العهد إلى الرئيس دونالد ترامب وضع السودان على جدول الأولويات، أعقبه إعلان أميركي عن انخراط رئاسي شخصي في الملف. حديث ترامب عن استخدام نفوذ الرئاسة لوقف الحرب، وتكليف وزير خارجيته بمتابعة المسار، فتح نافذة توقعات بإمكانية تحقيق اختراق، إذا توافرت إرادة سودانية حقيقية.

الرهان الشعبي في السودان يتجه نحو الرياض. كثيرون يرون أن المملكة تملك مفاتيح التأثير على قيادة الجيش، وتستطيع إقناعها بأن التسوية ليست تنازلاً، بل إنقاذ لما يمكن إنقاذه.
بالتوازي مع ذلك، هناك تحركات سعودية – مصرية متوازية تعزّز هذا الأمل، وتمنح زيارة البرهان معنى يتجاوز البروتوكول.
اللحظة الحالية لا تحتمل التردد. السلام لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وجودية.

استجابة البرهان للجهد السعودي ستحدد ما إذا كان السودان سيخرج من النفق مثقلاً بالجراح، أو سينزلق أكثر نحو هاوية التفكك. التاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص الأخيرة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …