السودان على مرمى حجر من الانقسام حين تتحول الدولة إلى غنيمة حرب!

إن فوكس
نجيب عبدالرحيم
najeebwm@hotmail.com
الحرب السودانية العبثية المدمرة وهي تدخل خواتيم عامها الثاني خلفت مئات الآلاف من القتلى وأكثر من ثلاثين مليون إنسان في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية من بينهم ثمانية ملايين على حافة المجاعة إنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث ومع ذلك لا تحظى بما تستحقه من اهتمام دولي يوازي حجم المأساة فالأرقام مهما بلغت من فداحة لا تنقل الصورة الكاملة لمعاناة المدنيين ولا تعبر عن حجم الألم اليومي الذي يعيشه السودانيون في صمت بين أنقاض البيوت وصفوف النزوح وموائد الجوع
وسائل الإعلام تنقل خبر الدمار والموت بسرعة لكنها تعجز عن الغوص في عمق المأساة الإنسانية لا أحد يروي حكايات الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن ولا الأطفال الذين استبدلوا مقاعد الدراسة بخيام النزوح ولا الشيوخ الذين ينتظرون الموت في وطن لم يعد يشبه الوطن السودان اليوم لا يعيش حربا عابرة بل يواجه عملية تدمير بطيئة للإنسان والأرض والهوية
جيش يقوده عبد الفتاح البرهان خاضع لنفوذ الحركة الإسلامية وشبكاتها المتغلغلة في مفاصل المؤسسة العسكرية بات يتعامل مع الدولة وكأنها ملكية خاصة تباع وتشترى في سوق المصالح الدولية حتى صار السودان أقرب إلى (أكازيون عالمي) لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية ففي بورتسودان تطرح اتفاقيات طويلة الأمد مع روسيا لإنشاء قاعدة بحرية تمتد لخمسة وعشرين عاما ونشر مئات الجنود واستقدام سفن حربية والدخول في مجال التعدين مقابل الحصول على أسلحة متطورة تصب في وقود هذه الحرب لا في حماية الشعب ولا في بناء الدولة.
وفي ذات الوقت تتواصل مغازلة إسرائيل تحت لافتة التطبيع وكأن النظام القائم يسعى لتسجيل نقاط سياسية على حساب دماء السودانيين وآلامهم بينما يعلن عن العودة إلى العلم القديم الذي رفع في زمن الاستقلال وتطلق شعارات إعادة صياغة الدولة ويخرج من يقترح في ذروة الهوس العبثي تغيير اسم السودان نفسه وكأن تبديل اللافتات سيغير الواقع أو أن استبدال الرموز قادر على إيقاف الدمار ونزيف الدم وإسكات صوت البندقية.
أي عبث هذا الذي يمارس باسم الوطن وهل تغيير العلم أو الاسم سيوقف الحرب وهل سيسهل عودة ملايين النازحين من الشتات ومخيمات اللجوء وهل يمكن للسلام أن يولد في بلد يعج بأكثر من مائة مليشيا مسلحة في ظل غياب كامل لدولة المؤسسات وتشابه متعمد في الأزياء العسكرية وتواطؤ مع الفوضى وفتح واسع لأبواب الانتهاكات.
إن غياب المؤسسات الفاعلة لا يهدد الأمن والاستقرار فقط بل يسقط هيبة الدولة من أعين مواطنيها ويحول القانون إلى مجرد نصوص معطلة فالدولة التي لا تحمي شعبها ولا تحتكم إلى دستور ولا تخضع لمساءلة تصبح كياناً هشاً قابلاً للتشظي والانقسام ومستقبل أي بلد مرهون بقدرته على إرساء حكم رشيد يقوم على القانون والمواطنة والمؤسسات لا على البنادق والولاءات الضيقة والتحالفات المشبوهة,
ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد صراع على السلطة بل عملية تفكيك ممنهجة لكيان الدولة وتآكل خطير للثقة بين سلطة الأمر الواقع والمواطن وانتهاكات جسيمة للحريات الأساسية لا يمكن السكوت عنها أو تبريرها تحت أي مسمى إن المشهد الماثل أمامنا ينذر بالخطر مدن تتساقط قرى تمحى نسيج اجتماعي يتمزق وهوية وطنية تتعرض للتشويه والاختطاف.
وأمام هذا الواقع المريع فإن أولى وأهم خطوات الحل تبدأ بتوحد القوى السياسية والمدنية على اختلاف توجهاتها في جبهة وطنية عريضة تضع حداً للتمزق والانقسام وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها لقد أصبح هذا التوحد اليوم ليس خياراً سياسياً فحسب بل أولوية من أولويات الأمن القومي وركيزة أساسية لحماية مستقبل السودان ومنع انهياره الكامل,
السودان اليوم يقف على شفا الانقسام الحقيقي لا المجازي ليس انقساما إداريا فحسب بل انقسام في الجغرافيا والولاءات والمصير وإذا استمر هذا المسار فلن يكون الحديث غدا عن دولة قابلة للإصلاح بل عن بقايا وطن تم اقتسامه بين السلاح والمصالح والنفوذ الأجنبي
وفي خضم هذا الظلام الكثيف لا بد من توجيه رسالة واضحة لا لبس فيها إلى المجتمع الدولي وإلى المنظمات الإقليمية والدولية وإلى كل من يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان والسلم العالمي إن الصمت على ما يجري في السودان لم يعد حيادا بل أصبح شراكة غير مباشرة في الجريمة إن الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية القلقة لم يعد مقبولاً ولا يمكن مواجهة المحارق الإنسانية بعبارات الإدانة والشجب الخجولة
إن السودان لا يحتاج مزيداً من السلاح ولا مزيداً من المليشيات ولا مزيداً من الاتفاقيات العسكرية ولا مزيداً من التدخلات الملتوية بل يحتاج إلى موقف دولي حازم يضع حدا لهذه الحرب ويدعم قيام دولة مدنية ديمقراطية قائمة على سيادة القانون وعودة المؤسسات الشرعية ومحاسبة كل من تورط في جرائم بحق الشعب السوداني أيا كان موقعه أو صفته
هذه ليست معركة سلطة بل معركة بقاء وطن فإذا انهار السودان فلن تكون النيران محصورة داخل حدوده بل ستمتد إلى الإقليم بأسره وستكتب الإنسانية صفحة جديدة من الخذلان والصمت والعار.
الشعب السوداني يعول علي المملكة العربية السعودية من منطلق العلاقات التاريخية التي تربط بين البلدين والشعبين الشقيقين والضامن على ما تم لإتفاق عليه من الرباعية في رفع المعاناة عن كاهل الشعب السوداني والمحافظة على الأرواح والممتلكات وتحقيق الأمن والإستقرار.
لا للحرب .. وألف لا.. نعم للسلام.. لازم تقيف…لا للانفصال معاً من أجل سودان .
المجد والخلود للشهداء
لك الله يا وطني فغداً ستشرق شمسك

عن نجيب عبدالرحيم

نجيب عبدالرحيم

شاهد أيضاً

الديسمبربون صوت الثورة الحية وفزع الفلول!

إن فوكسنجيب عبدالرحيمnajeebwm@hotmail.comخروج الثوار إلى شوارع أم درمان في ذكرى ثورة ديسمبر رغم سنوات الحرب …