السودان عند مفترق طرق: نهج التماسك الثلاثي للسلام والعون الإنساني والتنمية

السودان عند مفترق طرق: نهج التماسك الثلاثي للسلام والعون الإنساني والتنمية
السودان عند مفترق طرق:
نهج التماسك الثلاثي للسلام والعون الإنساني والتنمية
Sudan at the Crossroads:
A Nexus Approach to War, Relief and Resilience
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز مأمون بحيري، الخرطوم
خلفية: أزمة ذات هشاشات متقاطعة
يقف السودان عند مفترق طرق بين الكارثة والرجاء. فمنذ اندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023، انزلقت البلاد إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في العالم: ملايين النازحين، انتشار واسع للجوع والأمراض، وانهيار مؤسسات الدولة، وترسخ العنف. البنية التحتية مدمرة، الأسواق مفككة، والثقة الاجتماعية تتآكل تحت وطأة صراع الهوية وفراغات الحكم.
السودان يواجه أزمة متعددة الأبعاد تتحدى الاستجابات التقليدية الخطية. فالحرب الجارية أنتجت في آنٍ واحد: احتياجات إنسانية هائلة (نزوح، جوع، انهيار صحي)، انهياراً مؤسسياً تاماً (غياب الحكومة المركزية الفاعلة)، عنفاً متواصلاً وصراعات محلية (في ولايات دارفور، وكردفان، والشمالية، ونهر النيل، والخرطوم)، وانتكاسات تنموية (تدمير البنية التحتية، اضطراب الأسواق)، وتآكلاً للنسيج الاجتماعي والثقة (توترات إثنية، وفراغات في الحكم). في مثل هذا السياق، لا يمكن لأي ركيزة من ركائز العمل الثلاث: الإنساني أو التنموي أو السلام، أن تعمل بمعزل عن الأخرى. مما يجعل السودان نموذجاً متكاملاً لمفهوم تماسك العمل الإنساني–التنموي–السلامي (Humanitarian-Development-Peace “HDP” Nexus).
في مثل هذه الظروف، تسقط المقاربات التقليدية في اختبار الفعالية. فالعون الإنساني وحده لا يوقف النزيف، ولا يمكن للتنمية أن تبدأ دون استقرار، كما أن مبادرات السلام معرضة للفشل إذا ظل الناس جوعى ومشردين. ما يحتاجه السودان هو ما بدأت تقدمه الشراكة بين “العمل الإنساني من أجل السودان – “Humanitarian Action for Sudan (HAS)والبنك الدولي (World Bank) وشركاؤهم من وكالات الأمم المتحدة (UN Agencies) في إطار استراتيجية متكاملة تجمع بين العون الإنساني والتنمية وبناء السلام – وهي ربما الأمل الأصدق والأقوى للسودان نحو التعافي.
أزمة واحدة، وجوه متعددة
أفرزت الحرب حجماً مذهلاً من الحاجة مذهل. أكثر من 25 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأكثر من 10 ملايين نزحوا من ديارهم، والأنظمة الصحية على وشك الانهيار الكامل. وفي مناطق شاسعة من البلاد، لا يزال العنف مستمراً بوتيرة مدمرة. ومع غياب حكومة وطنية فاعلة، تبقى عملية التعافي وإعادة الإعمار الرسمية بعيدة المنال.
ومع ذلك، ووسط هذا الفوضى، بدأت قوى المجتمع المحلي ومؤسسات دولية في شق مسارات جديدة. وإحدى هذه المبادرات الواعدة – التي بدأت تثير الانتباه بسبب ابتكارها – هي الشراكة الناشئة بين “العمل الإنساني من أجل السودان ” (HAS)، والبنك الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة (اليونيسف، برنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الصحة العالمية) في إطار تحالف البنك الدولي لدعم الانتقال والتعافي في السودان (Sudan Transition and Recovery Support Trust Fund – STARS TF)، وهو تجسيد حي لمفهوم التماسك الثلاثي (HDP Nexus) على أرض الواقع.
ما هو التماسك الثلاثي؟ ولماذا هو مهم؟
مفهوم التماسك الثلاثي بسيط في جوهره، لكنه قوي في تطبيقه. فهو يجمع بين ثلاثة مجالات عادةً ما تعمل في عزلة:
• العون الإنساني لإنقاذ الأرواح وتقديم الإغاثة الفورية؛
• العمل التنموي لإعادة بناء النُظم والبنية التحتية وسبل العيش؛
• بناء السلام لمنع نشوب الصراعات واستعادة الثقة المجتمعية.
وفي سياقات هشة مثل السودان، تصبح العلاقة منطقية وواضحة: لا تنمية بدون سلام، ولا سلام بدون تلبية الاحتياجات الإنسانية، ولا عون إنساني مستدام بدون تنمية.
تحالف محلي–دولي مبني على التماسك
تمثل شراكة هاس–البنك الدولي–الأمم المتحدة نموذجاً عملياً لكيفية تنفيذ هذا التكامل. تجلب هاس (HAS)، كمنصة سودانية يقودها محليون، الوصول المجتمعي والشرعية المحلية والمرونة في تقديم المساعدات المنقذة للحياة. بينما يوفر البنك الدولي الموارد المالية والخبرة اللازمة لتوسيع نطاق التدخلات وبدء إعادة بناء الخدمات الأساسية. أما وكالات الأمم المتحدة التنفيذية الرئيسية، بصفتها أعضاء في تحالف البنك الدولي لدعم الانتقال والتعافي في السودان (STARS)، فهي في موقع مثالي لتعزيز جانب السلام ضمن التماسك الثلاثي (HDP) حتى وإن لم يكن السلام ضمن ولاياتها التقليدية. وفي السياق السوداني الحالي المتأثر بالحرب، حيث الحساسية للنزاعات والتماسك الاجتماعي والشرعية المحلية عوامل حاسمة، فإن هذه الوكالات قادرة – بل مطالبة – بالإسهام في بناء السلام بشكل غير مباشر ولكن مقصود، من خلال برمجة تراعي النزاع، وتعزيز التماسك الاجتماعي عبر الوصول الشامل إلى التعليم (UNESCO) والصحة (WHO) والغذاء. (WFP)
ومن خلال هذا التكامل، يعمل الشركاء الثلاثة على مواءمة الدعم الطارئ مع التعافي طويل الأمد، ومع إدماج أهداف السلام في كل مرحلة. ولا ينبغي اعتبار السلام دور جديد، بل مهمة استراتيجية داخل البرامج الجارية. حيث أن التنسيق عبر تحالف (STARS) للبنك الدولي والتخطيط المشترك الميداني مع أطراف مثل هاس (HAS) ومنظمات المجتمع المدني المحلية، والوسطاء، مثل وكالات الأمم المتحدة، سيعزز هذا التأثير.
فعلى سبيل المثال، تقود هاس (HAS) جهود توزيع الغذاء، والتحويلات النقدية، والخدمات الصحية الطارئة، والمياه النظيفة، باستخدام استهداف مجتمعي لضمان الإنصاف والثقة. ويدعم البنك الدولي إعادة تأهيل المدارس والعيادات والطرق وسبل العيش عبر شركاء محليين، بتيسير من هاس (HAS). ويمكن لليونيسف توسيع الوصول إلى التعليم في المناطق المختلطة إثنياً، باستخدام المدارس كمساحات محايدة تعزز الشمول والشفاء. ويمكن لمنظمة الصحة العالمية تنظيم حملات صحية مشتركة تخدم المجتمعات المضيفة والنازحين على حد سواء، لتجنب الانحياز. كما يمكن لبرنامج الغذاء العالمي تصميم برامج غذائية ونقدية تصل لجميع المجموعات القبلية أو الإثنية على قدم المساواة، مما يساعد على تفادي التنافس أو الاستياء. وبالتالي تتعزز فرص تحقيق السلام.
مقاربات مبتكرة لبيئة سودانية معقدة
وفي التطبيق العملي، يتطلب الأمر تبني طرق جديدة للعمل بحيث تعتمد شراكة هاس (HAS)–البنك الدولي–الأمم المتحدة على:
• برامج قائمة على المناطق، تركز على مناطق محددة مثل القضارف، وكسلا، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض، وكردفان، حيث يمكن تخصيص العون الإنساني والتنمية وبناء السلام بحسب الاحتياج المحلي؛
• استهداف مجتمعي تقوده منظمات محلية ولجان تراعي النزاع، لتفادي سيطرة النخب وضمان العدالة؛
• تمويل مرن وممزوج، حيث يقدم المانحون موارد مرنة لهاس (HAS) ووكالات الأمم المتحدة، التي تنفذ عبر مؤسسات محلية موثوقة؛
• أنظمة رصد مشتركة، لا تتابع فقط النتائج الإنسانية، بل تشمل أيضاً التقدم التنموي ومؤشرات السلام.
لكن التحديات مستمرة
رغم أن هذه الشراكة الثلاثية واعدة، إلا أن الطريق ليس سهلاً. فغياب الأمن يمكن أن يعرقل العمليات. كما أن تفتت الحكم – في ظل غياب الدولة المركزية ووجود مراكز قوى متعددة – يصعّب التنسيق. ومن ناحية أخرى فإن تشتت المانحين يعني أن التمويل يأتي غالباً بقواعد وأهداف وجداول زمنية مختلفة. والأهم من ذلك، أن بناء السلام لا يزال يعاني من نقص التمويل، وغالباً ما يُنظر إليه كأمر ثانوي.
ولتجاوز هذه العقبات، يجب على الأطراف المحلية والدولية التكيُّف بحيث يعمل كل من هاس (HAS) والبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة بالفعل مع السلطات المحلية، والمجتمع المدني، والزعامات التقليدية لسد فجوات الحوكمة. كما يضغطون على المانحين لتقديم تمويل مرن وطويل الأجل يتماشى مع نهج التماسك الثلاثي(HDP Nexus) .
لماذا الأمر مهم – ليس فقط للسودان؟
إن هذا التعاون المحلي–الدولي لا يمثل استجابة طارئة فقط، بل يؤسس لنظم حوكمة مستقبلية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى (Bottom-up). ومن خلال العمل عبر شركاء محليين موثوقين، يتجنب النهج مخاطر النماذج الفوقية (TOP-down) المفروضة من الخارج، والتي كثيراً ما فشلت في البيئات الهشة.
وبنجاح شراكة هاس (HAS) –البنك الدولي–الأمم المتحدة فقد تصبح نموذجاً يحتذى به في مناطق النزاع الأخرى حول العالم. فهذه الشراكة الاستراتيجية تُظهر أنه حتى في غياب حكومة مركزية، يمكن استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء سبل العيش، وبذر بذور السلام – شريطة أن تتوحد الجهود ضمن إطار مشترك.
ما المطلوب في المرحلة القادمة؟
ولضمان استدامة هذا النهج المتماسك وتعزيزه، فمن الضروري اتخاذ خطوات محددة تشمل، فيما تشمل:
• على هاس (HAS) مواصلة توثيق وتوسيع النماذج المحلية الفعالة للتعافي الحساس النزاع (Conflict-sensitive)؛
• على البنك الدولي دمج الشراكات المحلية في أنظمته والاستثمار في ما يُعرف بـ “عوائد السلام” – مثل الوظائف والخدمات والشمول؛
• على وكالات الأمم المتحدة تحسين التنسيق مع المبادرات السودانية المحلية مثل هاس (HAS)؛
• على المانحين التحول من المساعدات المجزأة قصيرة الأجل إلى تمويل مرن وطويل الأجل يدعم منهج التماسك؛
• على المجتمع المدني السوداني أن يكون في صميم التصميم والتنفيذ وبناء السلام المحلي.
مسار مبتكر إلى الأمام
في مشهد السودان المنقسم والهش، لا يمثل التماسك الثلاثي (HDP Nexus) مجرد مصطلح سياساتي – بل هو شريان حياة. وتُظهر شراكة هاس (HAS)، والبنك الدولي، ووكالات الأمم المتحدة ما يمكن تحقيقه عندما تلتقي الحاجة العاجلة مع التخطيط الاستراتيجي، وحين يتكامل الفهم المحلي مع الدعم العالمي. ولبلد مزّقته الحرب وتُرك بلا حوكمة مثل السودان، يقدم هذا النموذج بصيص أمل – ليس من خلال التعامل مع العمل الإنساني والسلام والتنمية كمسارات منفصلة، بل عبر نسجها وانسجامها وتماسكها استراتيجياً في مسار واحد نحو التعافي المستدام.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ The Civil Front for …