السودان من ما قبل الثورة إلى فخ الصراع (2017–2026): قراءة اقتصادية في دورة الانهيار والتحول

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

في كتابه «السودان.. مقاربات ووثائق في الثورة والانتقال والحرب»، لا يقدّم البروفسير أحمد إبراهيم أبو شوك سردًا تاريخيًا تقليديًا، بل ينتهج مقاربات تحليلية نقدية تتداخل فيها المناهج التاريخية والسياسية والاجتماعية، ساعيًا للإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بتشكّل الثورة وتعثر الانتقال وعلاقة الحرب ببناء الدولة. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المقالة بوصفها مقاربة موازية، لكنها تختلف في منهجها؛ إذ تتخذ طابعًا اقتصاديًا صارمًا، يعيد قراءة المراحل ذاتها بالأرقام والمؤشرات، ويكشف كيف تقلب الاقتصاد السوداني مع تقلب الدولة ذاتها، بل وكيف أصبح لاحقًا أحد محركات أزمتها.

فإذا كان أبو شوك قد تعامل مع السودان كمختبر معقد لتفاعلات السياسة والمجتمع، فإن هذه القراءة تنظر إليه كمختبر اقتصادي لدورات الانهيار: من اختلال هيكلي، إلى ثورة، إلى إصلاح هش، إلى حرب، وصولًا إلى ما يمكن تسميته بـ«فخ الصراع» — حيث يغدو الاقتصاد نفسه أسيرًا لاستمرار النزاع.

أولاً: ما قبل الثورة (2017–2018) — اختلال بلا أفق-

في العامين السابقين للثورة، كان الاقتصاد السوداني يعيش حالة تدهور عميق تعكس نهاية نموذج اقتصادي كامل. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 64.8 مليار دولار في 2016 إلى 48.9 مليار في 2017 ثم إلى 33.5 مليار في 2018، في تراجع حاد يعكس فقدان مصادر الدخل الأساسية، خاصة بعد انفصال الجنوب.

في المقابل، ارتفع التضخم إلى 63% في 2018، وهو من أعلى المعدلات عالميًا، ما أدى إلى تآكل الدخول الحقيقية وانهيار القوة الشرائية. كما اتسع عجز الميزان التجاري، وانهارت قيمة العملة الوطنية، في ظل ندرة حادة في النقد الأجنبي.

اقتصاديًا، لم تكن الأزمة ظرفية، بل بنيوية:

اقتصاد فقد مورده الريعي (النفط) دون أن يطوّر بدائل إنتاجية.

دولة تموّل عجزها عبر التوسع النقدي.

وسوق يعاني من اختلالات هيكلية مزمنة.

في هذا السياق، لم تكن الثورة خيارًا سياسيًا فقط، بل نتيجة اقتصادية شبه حتمية.

ثانياً: الثورة (2019) — الانفجار السياسي للأزمة الاقتصادية.

مع اندلاع الثورة، دخل الاقتصاد مرحلة اضطراب حاد. انكمش الناتج المحلي إلى نحو 31.4 مليار دولار في 2019، واستمرت معدلات التضخم في الارتفاع، بينما تعطلت قطاعات إنتاجية واسعة بسبب الإضرابات وعدم الاستقرار.

غير أن الأثر الأعمق كان في طبيعة الاقتصاد ذاته، إذ تحول إلى اقتصاد يعيش حالة انتظار سياسي:

تراجع الاستثمار

هروب رؤوس الأموال

اختلال الأسواق

وهنا تتقاطع القراءة الاقتصادية مع أحد أسئلة أحمد إبراهيم أبو شوك: كيف تشكلت الثورة؟

الإجابة اقتصاديًا: تشكلت كذروة لاختلالات تراكمت، لكنها في لحظة حدوثها عمّقت الأزمة بدل أن تعالجها.

ثالثاً: الفترة الانتقالية (2019–2022) — إصلاحات بلا قاعدة

دخل السودان مرحلة انتقالية حاولت فيها الحكومة تنفيذ إصلاحات اقتصادية بدعم دولي، شملت تحرير سعر الصرف ورفع الدعم وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ورغم بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة، مثل نمو طفيف بلغ 0.5% في 2021، إلا أن الاقتصاد ظل هشًا:

التضخم بقي عند مستويات مرتفعة جدًا

مستوى المعيشة تدهور

الإنتاج الحقيقي لم يتحسن

المعضلة هنا أن الإصلاحات كانت ذات طابع كلي (Macroeconomic)، بينما المشكلة كانت هيكلية (Structural).

تم تحرير الأسعار دون بناء إنتاج.

تم إصلاح العملة دون إصلاح الاقتصاد الحقيقي.

وهنا تتجلى إحدى الإشكاليات التي أشار إليها أحمد إبراهيم أبو شوك في سياق مختلف: لماذا تعثر الانتقال؟

اقتصاديًا، لأن الانتقال تم فوق اقتصاد ضعيف، غير قادر على تحمّل كلفة التحول.

رابعاً: ما بعد انقلاب 2021 — عودة العزلة والانكماش-

شكّل انقلاب أكتوبر 2021 نقطة تحول حاسمة، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا أيضًا. فقد أدّى إلى:

تعليق المساعدات الدولية

تراجع الاستثمارات

عودة العزلة الاقتصادية

وبذلك، دخل الاقتصاد في حالة ركود جديد، ممهّدًا للانفجار الأكبر.

خامساً: الحرب (2023–2025) — الانهيار الشامل.

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، انهار الاقتصاد السوداني بوتيرة غير مسبوقة.

انكمش الناتج المحلي بنسبة 29.4% في 2023، ثم 13.5% في 2024.

كما ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 70%، والبطالة إلى ما يقارب 47%، في حين تراجعت الصادرات إلى مستويات متدنية (نحو 2.6 مليار دولار مقابل واردات تفوق 6.5 مليار دولار).

لكن الأهم هو التحول النوعي:

من اقتصاد متعثر إلى اقتصاد حرب.

حيث أصبحت الموارد تُوجَّه للصراع، وتفككت مؤسسات الدولة المالية، وازدهر الاقتصاد غير الرسمي.

وهنا تتجسد فكرة أحمد إبراهيم أبو شوك حول العلاقة بين الحرب وبناء الدولة، لكن بصورة معكوسة:

في السودان، الحرب لم تبنِ الدولة — بل فككتها اقتصاديًا.

سادساً: فخ الصراع (2025–2026) — حين تتحول الحرب إلى اقتصاد يعيد إنتاج نفسه.

في هذه المرحلة، لا نكون أمام حربٍ مستمرة فحسب، بل أمام نظام اقتصادي جديد يتشكّل داخل الصراع، ويعمل على إعادة إنتاجه. هذه هي اللحظة التي تتحول فيها الحرب من مأساة إلى «فخّ»، بالمعنى الذي شرحه الاقتصادي البريطاني بول كوليير في كتابه The Bottom Billion: حين لا تعود الحرب مجرد خسارة، بل تصبح آلية قائمة بذاتها لإدامة النزاع.

في السودان، تتجسد هذه اللحظة بوضوح مع تعقّد بنية الحرب، وتحوّلها من صراع ثنائي إلى شبكة مصالح اقتصادية متداخلة. فلم تعد الموارد تُستنزف فقط، بل أُعيد تنظيمها داخل اقتصاد موازٍ يقوم على السيطرة على الموارد الطبيعية، خاصة الذهب، وعلى شبكات التهريب والتجارة غير الرسمية، وعلى نظم جباية وتمويل خارج الإطار المؤسسي للدولة.

وهنا يظهر التحول الأخطر: لم تعد الحرب تعني خسارة للجميع، بل أصبحت مربحة لبعض الفاعلين. ويزداد هذا الفخ تعقيدًا مع بروز هياكل حكم موازية، أو ما يمكن وصفه بـ«الدولة المزدوجة»، حيث تتشكل سلطات مالية وإدارية خارج الإطار الرسمي، تدير مواردها وتفرض قواعدها. هذه البنية لا تعكس فقط انهيار الدولة، بل تعيد إنتاج الانقسام الاقتصادي، بحيث يصبح لكل طرف «اقتصاده الخاص» المرتبط باستمرار الصراع.

في هذه الحالة، تتغير معادلة الكلفة والعائد: يصبح السلام مكلفًا لأنه يهدد هذه الشبكات الاقتصادية، بينما تصبح الحرب خيارًا عقلانيًا لبعض الأطراف لأنها تضمن تدفق الموارد. وهنا يكمن جوهر «فخ الصراع»: ليس في استمرار الحرب، بل في اختلال الحوافز بحيث يصبح إنهاؤها ضد مصلحة الفاعلين الأقوى فيها.

اقتصاديًا، تمثل هذه المرحلة انتقالًا حاسمًا من اقتصاد حرب إلى اقتصاد قائم على الحرب، وهو نمط أكثر رسوخًا وأصعب تفكيكًا. ومع ذلك، فإن الخروج من هذا الفخ، رغم كلفته الظاهرة، يظل أقل كلفة بكثير من استدامته، لكنه يتطلب إعادة هندسة الحوافز الاقتصادية بصورة عميقة.

ويتحقق ذلك عبر تحويل السلام إلى صفقة اقتصادية رابحة، من خلال ربطه بمكاسب مادية مباشرة للأطراف، وإعادة توزيع الموارد، وتقديم ضمانات اقتصادية تخلق مصالح جديدة في الاستقرار. كما يتطلب تفكيك اقتصاد الحرب تدريجيًا عبر دمج شبكاته في الاقتصاد الرسمي بدلًا من إقصائها المفاجئ، إلى جانب بناء اقتصاد إنتاجي بديل يخلق فرصًا حقيقية تقلل من جاذبية العنف كخيار اقتصادي.

إن المفارقة الكبرى في الحالة السودانية هي أن السلام يبدو مكلفًا في لحظته الأولى، لكنه في حقيقته الخيار الأقل خسارة. غير أن هذه الحقيقة لا تتحول إلى واقع إلا إذا أُعيدت صياغة الحوافز بحيث يصبح السلام، لا الحرب، هو الخيار الأكثر ربحًا.

خاتمة: من سرد التاريخ إلى تفكيك الاقتصاد

كما سعى أحمد إبراهيم أبو شوك إلى فتح آفاق جديدة لفهم جدلية الثورة والانتقال والحرب، تكشف هذه القراءة الاقتصادية أن السودان لم يمر فقط بتحولات سياسية، بل عبر دورة اقتصادية كاملة من الانهيار والتكيف مع الأزمة.

لقد كان:

اقتصادًا مختلًا قبل الثورة

منهكًا أثناءها

هشًا في الانتقال

منهارًا في الحرب

ومحتجزًا في فخ الصراع الحالي

وبذلك، فإن التحدي لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصادي بالدرجة الأولى:

كيف يمكن إعادة تصميم الحوافز الاقتصادية بحيث يصبح السلام أكثر ربحًا من الحرب؟

دون ذلك، سيظل السودان — كما توحي كل المؤشرات — عالقًا في معادلة معكوسة، حيث لا تنتهي الحرب لأنها لم تعد عبئًا اقتصاديًا، بل أصبحت، في جوهرها، نمطًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.

إزاء هذه الحالة المعقدة من فخ الصراع، فإن الكاتب ينظر إلى أن آفاق الحلول تبدأ من مفهوم «السلام من قريب»، كما ورد في مقاله السابق؛ حيث خلص إلى أن «السلام من قريب» ليس شعارًا أخلاقيًا فقط، بل هو القرار الأكثر عقلانية، والأكثر إنسانية، والأقل كلفة. هو أن تفعل الصواب في وقته، لا بعد أن يفقد أثره. هو أن تُنهي النزيف قبل أن يصبح قدرًا.

وفي هذا المعنى، يستحضر الكاتب دلالة قوله تعالى: “إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب”؛ إذ لا يكفي إدراك الخطأ، بل تكمن القيمة الحاسمة في توقيت التراجع عنه. ليس المطلوب أن نتوب فقط، بل أن نفعل ذلك «من قريب» — قبل أن تتحول الأخطاء إلى مصائر، وقبل أن يصبح التراجع أكثر كلفة من الاستمرار. فالقُرب هنا ليس زمنًا، بل شجاعة؛ ليس توقيتًا، بل وعيٌ بأن بعض القرارات إذا تأخرت… فقدت معناها.

هامش: في الإشادة العلمية بعمل المؤرخ أحمد إبراهيم أبو شوك

يُمثّل عمل الباحث المؤرّخ البروف أحمد إبراهيم أبو شوك، في كتابه السودان.. مقاربات ووثائق في الثورة والانتقال والحرب، إضافةً نوعية رفيعة إلى حقل الدراسات السودانية المعاصرة، إذ ينهض بوظيفة مزدوجة: توثيق اللحظة التاريخية، وتفكيك بنياتها العميقة.

وفق هذه الرؤية، يُعيد الكتاب رسم الأحداث المتشابكة التي بدأت مع شرارة الثورة، وامتدت عبر مسار الانتقال السياسي، وصولًا إلى الصراع الأهلي المسلح، في مقاربة تعتبر الثورة تجربة اجتماعية وسياسية وثقافية متكاملة؛ حيث تصبح كل مظاهرة، وكل لجنة مقاومة، وكل قرار سياسي جزءًا من شبكة تفاعلات معقدة تعكس الوعي الجمعي وصراع المصالح والتحولات البنيوية في الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق، يكتسب العمل فرادته المنهجية من اعتماده على الوثيقة بوصفها مدخلًا أصيلاً للفهم، لا مجرد أداة مساعدة؛ إذ يتعامل مع البيانات الرسمية والاتفاقيات والتقارير الميدانية والخطابات السياسية باعتبارها «نوافذ على الحدث نفسه»، كاشفًا من خلالها ديناميات التحول من الاحتجاج الفردي إلى الفعل الجماعي المنظم، ومن المطالب الشعبية إلى محاولات إعادة تشكيل السياسات العامة.

كما يُبرز الكتاب، عبر هذا التأسيس الوثائقي، التوترات الداخلية بين المكونات المدنية والعسكرية، والصراعات البنيوية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، في قراءة تتجاوز السرد السطحي إلى تحليل عميق لجدلية السلطة والتغيير. وبذلك، يغدو هذا العمل مرجعًا علميًا رصينًا، لا يكتفي بتأريخ الوقائع، بل يسهم في إعادة بناء أدوات فهمها وتأويلها.

المراجع والمصادر

كتاب السودان.. مقاربات ووثائق في الثورة والانتقال والحرب.

تقارير البنك الدولي حول الاقتصاد السوداني (2017–2025).

بيانات صندوق النقد الدولي بشأن النمو والتضخم.

تقارير بنك السودان المركزي السنوية (2017–2019).

قاعدة بيانات World Bank Open Data للناتج المحلي الإجمالي.

تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول الفقر والتنمية في السودان

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

جدلية الوعي والممكن: في مقاربة نقدية لمقال “وعيٌ يصنع الممكن

جدلية الوعي والممكن: في مقاربة نقدية لمقال “وعيٌ يصنع الممكن: كيف نقرأ السودان في مرآة …