السودان… نحو عقدٍ اجتماعيٍّ جديد (٨)
الباب السابع؛ العدالة والذاكرة والمصالحة؛ كيف ننهي الحرب دون أن نورثها؟
علاء خيراوي
■ لا تبدأ الدولة الجديدة من صفحة بيضاء؛ فالسودان يدخل أي مشروع لإعادة التأسيس وهو يحمل ذاكرة ثقيلة من الحروب والانقلابات والقتل والتعذيب والتهجير والإخفاء والتمييز ونهب.الممتلكات والفساد، ثم جاءت حرب أبريل ٢٠٢٣ لتضيف إلى ذلك كله طبقة جديدة من المآسي والانتهاكات والانقسامات. ولهذا فإن السؤال بعد توقف الحرب لن يكون فقط؛ كيف نوقف القتال؟ بل أيضًا؛ ماذا نفعل بما حدث؟ فالسلام الذي يوقف إطلاق النار ولا يعالج آثار الحرب قد يوقف الموت مؤقتًا، لكنه يترك أسبابه ومراراته حية تحت السطح. وفي المقابل، فإن تحويل العدالة إلى مشروع للثأر الجماعي يمكن أن يجعل نهاية حرب بداية أخرى. ومن هنا ينطلق هذا الباب من فكرة مركزية؛ السودان يحتاج إلى عدالة تستطيع أن تواجه الماضي من دون أن تجعل المجتمع أسيرًا له؛ عدالة تحفظ الذاكرة، وتحاسب المسؤول، وتنصف الضحية، وتفتح في الوقت نفسه طريقًا للحياة المشتركة.
■ وأول ما يقتضيه ذلك هو رفض الثنائية التي وضعت السودانيين مرارًا أمام خيار زائف بين السلام والعدالة؛ كأن وقف الحرب يستلزم نسيان الجرائم، أو كأن المطالبة بالمحاسبة تعني رفض المصالحة. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى العدالة، والعدالة المستدامة تحتاج إلى سلام يسمح للمؤسسات بالعمل. لكن العدالة هنا أوسع من المحاكمة الجنائية وحدها؛ فهي تبدأ بمعرفة الحقيقة؛ ماذا حدث؟ أين حدث؟ من أصدر الأوامر؟ من نفذها؟ أين المفقودون؟ ماذا جرى للمعتقلين؟ من استولى على المنازل والأراضي؟ وكيف عملت المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات أو شاركت فيها؟ ولذلك يصبح حفظ الأدلة، وتوثيق الانتهاكات، وحماية الشهود، وكشف مصير المفقودين، وفتح الأرشيفات وفق القانون جزءًا من إعادة تأسيس الدولة نفسها. فالمجتمع الذي لا يعرف ما حدث له يصبح أكثر عرضة لأن تكتب القوى المنتصرة ذاكرته نيابة عنه.
■ ويضع العقد الاجتماعي الجديد حدًا واضحًا بين المساءلة والانتقام. فالمسؤولية عن الجريمة فردية، ولا تنتقل من الجاني إلى أسرته أو قبيلته أو إثنيته أو إقليمه. وهذه قاعدة شديدة الأهمية في السودان؛ لأن الحروب التي تبدأ بين تنظيمات مسلحة يمكن أن تتحول بسهولة إلى أحكام جماعية على المجتمعات التي يُنسب إليها المقاتلون. لا توجد قبيلة مجرمة، ولا إثنية مذنبة، ولا منطقة ينبغي أن تعاقب لأن بعض أبنائها ارتكبوا جرائم. المسؤول هو من أمر أو خطط أو نفذ أو ساعد أو موّل حيث يثبت القانون مسؤوليته، ويحاسب وفق درجة مشاركته وبمحاكمة عادلة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام شعار المصالحة لحماية أصحاب النفوذ من المساءلة، ولا أن تتحول التسويات السياسية إلى أبواب خلفية للحصانة. فالعدالة التي تعاقب الجماعة ظلم، والمصالحة التي تحمي الجاني ظلم آخر.
لكن إنصاف الضحية لا يكتمل بإدانة الجاني. فهناك إنسان فقد بيته، وأسرة فقدت معيلها، وامرأة تعرضت لانتهاك، وطفل حُرم من التعليم، ومجتمع اقتلع من أرضه، ومواطن فقد ممتلكاته أو مصدر رزقه. ولذلك يحتاج السودان إلى مفهوم واسع لجبر الضرر يشمل التعويض المادي حيث يكون ممكنًا، والرعاية الصحية والنفسية، واستعادة الممتلكات، ورد الاعتبار، والاعتراف الرسمي بالضحايا، وتخليد الذاكرة، وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمجتمعات بأكملها. ولا ينبغي أن يصبح التعويض ثمنًا للصمت أو بديلًا عن العدالة؛ فهو حق مستقل للضحية. كما يجب تصميم نظام الجبر بطريقة عادلة وشفافة تمنع أن يحصل الأكثر قدرة على الوصول إلى مؤسسات الدولة على النصيب الأكبر بينما يبقى أفقر الضحايا وأبعدهم عن المركز خارج النظام.
■ وتصبح قضية النازحين واللاجئين والأرض والممتلكات أحد أصعب اختبارات السلام. فالعودة لا تعني مجرد نقل الناس إلى الأماكن التي غادروها؛ يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة وقابلة للاستمرار. ولا يجوز إجبار إنسان على العودة إلى منطقة لا أمن فيها ولا ماء ولا مدرسة ولا وسيلة للعيش. وفي الوقت نفسه يجب إنشاء آليات قضائية وإدارية مستقلة لحسم النزاعات حول المنازل والأراضي والحواكير والممتلكات التي احتُلت أو تغيرت السيطرة عليها أثناء الحرب. وهنا تتقاطع العدالة مع قضية الأرض التي ناقشها الكتاب في سياق الهوية والمواطنة؛ إذ ينبغي التوفيق بين الحقوق التاريخية للمجتمعات، والملكية القانونية، وحقوق المواطنين، ومتطلبات السلام، من دون تحويل الأرض إلى أداة جديدة للطرد أو التغيير الديموغرافي أو الانتقام. فالعودة الحقيقية ليست أن يعود الإنسان إلى الخريطة، بل أن يستعيد القدرة على الحياة فيها.
■ ولا يكفي أن نحاسب بعض الأفراد ثم نترك المؤسسات التي صنعت الانتهاكات أو سمحت بها تعمل بالطريقة نفسها. فإذا كانت مؤسسة أمنية مارست التعذيب، أو جهاز إداري مكّن التمييز، أو منظومة مالية سهّلت الفساد ونهب المال العام، فإن العدالة تقتضي إصلاح القواعد والهياكل والحوافز التي جعلت ذلك ممكنًا. وهنا يلتقي هذا الباب مع مشروع بناء الدولة؛ إصلاح القطاع الأمني، ومراجعة القوانين، وتدقيق شغل بعض المواقع الحساسة وفق معايير قانونية عادلة، وتعزيز استقلال القضاء، وبناء آليات الرقابة، وتدريب المؤسسات على حقوق الإنسان. والهدف ليس تطهير الدولة على أساس الانتماء السياسي، ولا إنشاء تمكين مضاد باسم العدالة، وإنما ضمان عدم عودة الأشخاص المسؤولين عن انتهاكات جسيمة إلى مواقع تمكنهم من تكرارها عندما تثبت مسؤوليتهم وفق إجراءات عادلة. فالمعنى الأعمق للعدالة الانتقالية ليس معاقبة الماضي فقط، بل تغيير الشروط التي أنتجته.
■ ثم تأتي المصالحة والذاكرة، وربما تكونان أصعب ما في المشروع كله. فالمصالحة لا تصدر بمرسوم، ولا يصنعها مؤتمر في العاصمة، ولا تعني مطالبة الضحية بأن تغفر قبل أن تعرف الحقيقة. إنها عملية اجتماعية طويلة تبدأ حين يشعر الإنسان بأن ألمه عُرف، وأن المجتمع لم ينكره، وأن الدولة لم تساوِ بين الجريمة والضحية باسم تجاوز الماضي. ولهذا يحتاج السودان إلى ذاكرة وطنية لا يكتبها المنتصر وحده؛ توثيق، وأرشيف، ومناهج تعليم، ونُصب ومتاحف أو أشكال مناسبة للتخليد، ومساحات تستطيع فيها المجتمعات أن تروي ما حدث لها. لكن الذاكرة ينبغي ألا تتحول إلى مصنع دائم للكراهية؛ فنحن لا نحفظ الماضي لكي نورث أبناءنا قائمة بأسماء من يجب أن ينتقموا منهم، وإنما لكي يعرفوا ما الذي لا ينبغي أن يسمحوا بحدوثه مرة أخرى. وهنا تصبح المصالحة ممكنة؛ لا بوصفها نسيانًا، بل بوصفها انتقالًا من ذاكرة تطالب بالثأر إلى ذاكرة تحمي المستقبل.
■ الخلاصة الكبرى لهذا الباب أن السودان لا يستطيع أن يؤسس عقدًا اجتماعيًا جديدًا بينما يحمل داخله حسابات حرب لم تُفتح، وضحايا لم يُعترف بهم، ومفقودين لم يُعرف مصيرهم، وأراضي وممتلكات لم تُرد، ومؤسسات لم تتغير، وروايات متصارعة يعتقد كل طرف أن الاعتراف بألم الآخر ينتقص من ألمه. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع السودان أن يبني مستقبلًا إذا تحولت العدالة إلى وسيلة لتوريث العداء من جيل إلى جيل. ولهذا يقوم المشروع على معادلة دقيقة؛ الحقيقة بلا انتقائية، والمساءلة بلا انتقام، وجبر الضرر بلا شراء للصمت، والمصالحة بلا نسيان، والذاكرة بلا كراهية. فلا سلام مستدامًا يقوم على الإفلات من العقاب، ولا عدالة حقيقية تقوم على العقاب الجماعي. والاختبار النهائي ليس عدد الذين دخلوا السجون وحده، ولا عدد مؤتمرات المصالحة التي عُقدت، وإنما ما إذا استطاع الضحية أن يشعر بأن الدولة الجديدة سمعته واعترفت بحقه وأنصفته، وما إذا استطاع المجتمع في الوقت نفسه أن يخرج من منطق الحرب الذي يقسم السودانيين إلى جماعات تتوارث الذنب والخوف والثأر. فالمطلوب ليس أن ينسى السودانيون ما حدث؛ بل أن يتذكروه بطريقة تمنع تكراره. وليس المطلوب أن نمحو الماضي من ذاكرة الأجيال القادمة، وإنما أن نمنحها دولة لا تضطرها إلى إعادة عيشه، وهذه هي الغاية الأعمق للعدالة والمصالحة في العقد الاجتماعي الجديد؛ أن ننهي الحرب مرتين؛ مرة حين يصمت السلاح، ومرة حين تتوقف أسبابها ومراراتها عن الانتقال من جيل إلى جيل…يتبع…..
