بقلم عمر العمر
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة ،حد التطابق أحيانًا ،رغم التفاوت الزماني أو المكاني أو الزمكاني . بين السودان وإيران تشابه يراوح بين التماثل والتطابق . تلك حالة تمتد عبر مساحة زمنية تتقارب فيها تضاريس الجغرافيا السياسية في غالبية منحنياتها صعودا وهبوطا. بل ربما حد إعادة انتاجاتها ونتائجها .التطابق ليس وقفًا على النظام الثيوقراطي فحسب .بل في منثنيات الصراعات داخل النظام،أو بينه وبين القوى في الخارج بما في ذلك محيط الجوار .في الحالتين يرتبك الخارج تجاه كيفية التعامل مع النظام لجهة إصلاحه أو الذهاب لجهة تصفيته . لعل هذا بند شائك على أجندة ترامب الشرق أوسطية حاليًا .ثمة قناعة في أروقة صناعة القرار الدولية ترجّح إنجاز الاصلاح بواسطة قوى الداخل على فرضه من الخارج .هذه القناعة توجد كذلك لدى تيارات في مجتمعاتها .ربما تقف التجربة الأميركية في العراق شاهدا شاخصا في تلك الأروقة وعند تلك التيارات.
رغم بروز النظامين في طهران والخرطوم على ضفتي الشيعة والسنة على نهر الإسلام إلا انهما يلتقيان في مرايا التاريخ .كلاهما يتدثرات ما يوصّفه الأدب السياسي بالثيوقراطية. منطلقات النظامين وغاياتهما محاولة جعل الإسلام المحرك الرئيسي والموجه للدولة . الواقع يؤكد انخراطهما في قمع كل محاولة لممارسة الديمقراطية أكثر من إزالة الحواجز بين الدين والسياسة. مرايا التاريخ تعكس تشابهما في محاربة خصوم توجهاتهما بما يتاح لهما من الوسائط بلا استثناء . بغية احتكار السلطة ذهب زبانيتهما إلى صنوف إقصاء الخصوم السياسيين بالكبت ،السجن، الترهيب ، الترغيب، التعذيب التجريف والإقصاء .لكن كل ذلك التوحش لم يحقق مخططات النظامين إذ لم يتم تصفية المعارضة. ربما سكن الصوت المقاوم فترة لكنه لم يخمد . ربما انكسر حراك المعارضة غير أنه لم يفقد استرداد القدرة على الحركة.
مرايا التاريخ تحتفظ بمشاهد باهرة تصاعدت إبانها موجات الجيشان الشعبي في وجه آليات قمع النظامين .صحيح تعرضت المعارضة في السودان وإيران إلى خسائر فادحة طوال نضالها من أجل اصلاح حال الشعب .ربما اضطرت شرائح منها إلى تقديم تنازلات تحت الإملاء أو الإغراء .لكن جذوة المعارضة ظلت متوقدة.فهناك تيارات رفضت تقديم تنازلات مهما تعاظمت الضغوط .النظامان لم يستوعبا من خلال التجربة والممارسة في مواجهة الداخل والخارج الفرز بين مفهومي الأمن والسلام .فالأول قائم على موازين القوى .هي بالطبع راجحة في كفتي النظامين على الصعيد الداخلي .أما الثاني فركائزه الاستقرار القائم على أرضية العدالة. كذلك أخفق النظامان في قراءة تشابك الداخل مع الخارج ثم بناء علاقات معه . تلك نتيجة حتمية لتخشُب أعصاب الدولة وتصلُب شرايينها.
هذا الإخفاق المزدوج دفع النظامين إلى مراكمة معضلات بنيوية زاد من حجمها المعالجات السياسية والاقتصادية الخاطئة .القاعدة الاقتصادية تعرضت إلى التفتت و البنى التحتية للتآكل.العائدات البترولية في البلدين لم تصب لصالح تحقيق تنمية حقيقية ينعم بها المواطنون .تحت مظلة النظامين كما تعكس مرايا التاريخ زادت ثروات الأغنياء من أهل السلطة بينما اتسعت دائرة الفقراء.الشعبان في السودان وإيران يكابدون ارتفاع كلفة المعيشة ومعدلات البطالة . واقعٌ دفع الشباب إلى الهجرة في منافي الدنيا . هؤلاء دفعوا ضريبة باهظة من أعمارهم -موتًا أو انتظارا-في أتون حروب النظام مع الداخل أو الخارج . للأسباب ذاتها ،أكثر من غيرها اتسع حضور المرأة على مراقي هرم الحياة عددا أو تأثيرا . في السودان تسلق نفوذها المؤسسة العسكرية.
في مرايا التاريخ ظل النظامان يكابدان صراعات ت داخل بئتيهما . لكن توجد فوارق شاسعة بينهما تفرزها تركيبتاهما . ففي إيران يخرج رجال الدين من عباءاتهم التقليدية ليشغلوا المناصب السياسية كرجال الدولة. في السودان يتجمل الساسة خاصة شاغلي مناصب رجال الدولة بلقب (شيخ) في محاولة التمظهر في دور رجال الدين .رغم الإنعام عليهم بهذا اللقب تزلفاً أو انتزاعه من قبلهم إلا أنه لم يُعرف عنهم ما يوازي استحقاقات اللقب في الإرث الصوفي .مع ذلك لا أحدًا ممن شغل رئاسة أجهزة الأمن والشرطة حصل على هذا (الشرف). الإرث الصوفي نفسه يُحرّمه على هؤلاء نتيجة فعائلهم .هي أفعال تنافي الدين، الأخلاق والأعراف.في ايران توجد مرجعية مركزية عليا للنظام ذات أُطر قدسية . في النظام السوداني تعرضت المرجعية للاستهداف حد العزل دون محاولة الاستعاضة عنها.ذلك الفراغ منح الرئيس فرص الاستفراد بالقرار .الرئيس في إيران أشبه برئيس الوزراء في المنظومة الجمهورية .فهو محدود الصلاحيات تحت طبقات عليا؛ مجلس الخبراء،مجلس تشخيص النظام ، مجلس صيانة الدستور ثم مؤسسة المرشد.
مرايا التاريخ توضح تشابهًا في قسمات الصراعات داخل النظامين. فقط ظل الصراع في الخرطوم على مستوى الشخصيات بينما اتخذ في طهران طابع التنازع بين المؤسسات .في العاصمتين ظل الصراع بين الإرادات تجاه ادارة الصراع ليس تجاه ادارة الدولة .للتيار الاصلاحي الإيراني يدٌ في نقل الصراع من القيادات إلى المؤسسات . في الحالتين لم يستطع أيٌ من النظامين بناء علاقات بناءة ثابتة مع القوى السياسية والمدنية داخل المجتمع كما بناء جسور تواصل راسخة مع الخارج. على الصعيد الداخلي تكمن المعضلة في سوء فهم مركّب للعلاقة بين الدولة والمواطن بحيث تبدو المسافة واضحة بقدر ماهي شاسعة بين السلطة والتسلط. في التعامل الدولي لم يستوعب النظامان من غير الممكن بناء شبكة ثقة متينة مع تزامن الحديث بلسانين . فالسياسة الخارجية هي تعبير عن السياسة الداخلية.
مرايا التاريخ تبيّن في وضوح تعمق أزمات النظامين . هذه الصورة المهشمة تربك سيناريوهات الخارج .ففي داخل السودان كما في إيران لاتوجد قوى جاهزة تصبح بديلا مقنعا لاخراج الشعبين من مأزقهما المركب.لذلك يبدو ترامب أقرب إلى التريث من الإقدام على مغامرة غير محسوبة تجاه إيران أولا .فهو يراوح بين الرهان على الانفجار من الداخل أو تفجير الأرض تحت أقدام النظامين. على أي الخيارين ارتكز فإنه يبقى اسير المصالح الأميركية. إحدى مشاكل ترامب أن ليس بين أركان إدارته شخصية تتمتع بخلفية ذات ثقل فكري أو أكاديمي على وزن هنري كيسنغر ،زبغنيو بريجنسكي أو حتى جيمس بيكر و كونداليزا رايس .هذا الضعف الفكري والدربة السياسية يجعل أميركا برمتها رهينة لمغامرات ترامب الذاتية .كذلك أمسى حال العالم واقفاً على رصيف الترقب انتظارا لما يقدم عليه ترامب .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم