السودان والصمغ العربي

الصمغ العربي عبارة عن إفرازات مجففة يتم الحصول عليها من سيقان ومن فروع أنواع معينة من جنس أو من شجر السنط. ونظراً لخصائصه المرغوبة والعديدة وسجل السلامة والأصل الطبيعي، فهو الصمغ الإفرازي الأكثر قيمة تجارية، مع تطبيقات واسعة في صناعات متنوعة وكثيرة مثل المواد الغذائية ومثل المشروبات وكالأدوية وكمستحضرات التجميل والطباعة والسيراميك والمواد الكيميائية الحساسة للضوء والألعاب النارية والمنسوجات والورق والحبر والدهانات والمواد اللاصقة.
ويتم إنتاج الصمغ العربي في المقام الأول في السافانا المشجرة القاحلة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولكن، أيضاً، يُنتج بكميات أقل في جنوب آسيا وفي شبه الجزيرة العربية. ويتم استهلاكه في الغالب من قبل الشركات المصنعة في الاقتصادات المتقدمة وتلك الناشئة. وقد تضاعفت صادرات الصمغ العربي الخام وشبه المعالج ثلاث مرات تقريباً في السنوات الخمس والعشرين الماضية، من متوسط سنوي قدره حوالي (35 ألف طن) في الفترة الواقعة بين السنتين (1992-1994م) إلى متوسط سنوي قدره (102,000) طن في الفترة الممتدة من والي (2014-2016م).
بالإضافة إلى ذلك، فقد تضاعفت صادرات الصمغ العربي المعالج بأكثر من ثلاثة أضعاف، من حوالي 17 ألف طن إلى 53 ألف طن في نفس الفترة. ووصلت إيرادات الصادرات منه إلى متوسط يقدر بنحو 337 مليون دولار سنوياً في الفترة (2014-2016م)، منها حوالي 44% تعود إلى الصمغ الخام وشبه المعالج ونحواً من 56% إلى الصمغ المعالج.
ويعد التغلب على، التوزيع غير المتكافئ للمكاسب الاقتصادية على طول سلسلة القيمة من خلال زيادة المعالجة المحلية وضمان تعويض أعلى لجامعي الصمغ ذوي الموارد الفقيرة، من بين التحديات الرئيسية التي تواجهها البلدان المنتجة.
ونظراً لقدرته على خلق وتوليد احتياطيات من النقد الأجنبي ومن العملة الصعبة، وضمان الأمن الغذائي، وتعزيز الزراعة المستدامة والغابات، ودوره في مكافحة التصحر وتغير المناخ، يعتبر الصمغ العربي بمثابة سلعة واعدة لعدد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولديه، أيضاً، القدرة على لعب دور حاسم وضروري في جهود البلدان المنتجة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المنصوص عليها في خطة التنمية المستدامة لعام 2030م.
لمحة تاريخية
يعود الاستخدام المسجل للصمغ العربي إلى عام “2000 قبل الميلاد”، عندما قام باستخدامه المصريين القدماء في المواد الغذائية وفي الدهانات الهيروغليفية وكمراهم للتحنيط. وكان أن تمت مناقشة خصائصه في كتاب هيستوريا بلانتاروم لثيوفراستوس (Theophrastus’s Historia Plantarum) وكتاب بليني هيستوريا ناتوراليس (Pliny’s Historia Naturalis)، وهما من أهم أطروحات التاريخ الطبيعي المكتوبة في العصور الكلاسيكية القديمة.
وقد تم استخدامه، أيضاً، في اللوحات الجدارية في سراديب الموتى المسيحية المبكرة وفي إضاءة المخطوطات وفي العلاجات الطبية في أوروبا والشرق الأوسط في العصور الوسطى. وفي ذلك الوقت، كان التجار الأوروبيون يصنفون الصمغ إلى أصناف جغرافية، تعزى قيمتها التجارية على أساس مستويات نقائها.
ويطلق مصطلح “الصمغ العربي” على الصمغ الأفريقي عالي الجودة المستورد من الموانئ العربية مثل الإسكندرية وجدة، نظراً لسيطرة الإمبراطورية العثمانية على هذه الموانئ في أواخر العصور الوسطى. وكان هذا المنتج يشتهر ويُعرف باسم “الصمغ التركي”. وعلى النقيض من ذلك، يشير مصطلح “صمغ الهند الشرقي” إلى ذلك الصمغ الذي تم استيراده إلى مومباي من موانئ البحر الأحمر، وتم خلطه بصمغ محلي رديء الجودة، ثم بعد ذلك تم إعادة تصديره.
وقد وضع التوسع البحري الأوروبي حداً لاحتكار الصمغ الذي كانت تمارسه الموانئ التركية العربية. وكان، في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، أن انتقل التجار البرتغاليون عبر نهري السنغال وغامبيا، حيث تبادلوا هناك الملابس والمعدات مقابل الصمغ العربي والذهب والعبيد مع الدول الأفريقية. ومع تحول مركز ثقل التجارة الأوروبية من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، أصبح “ساحل الصمغ” في موريتانيا وفي السنغال الحالية المورد التجاري الوحيد للصمغ العربي إلى أوروبا.
وقد أدى التنافس بين القوى الأوروبية للسيطرة على تجارة الصمغ إلى ما يسمى “بحروب الصمغ” في القرن الثامن عشر. وقد كان الصمغ العربي هو السلعة الزراعية أو الشجرية الوحيدة التي تم تصديرها من غرب أفريقيا إلى أوروبا بكميات كبيرة تجارية، قبل إلغاء تجارة الرقيق، عبر المحيط الأطلسي في القرن التاسع عشر.
وأثارت تجارة الصمغ العربي السوداني المزدهرة اهتمام الكثير من المسؤولين البريطانيين في محمية نيجيريا، حيث ظلت هناك مساحات واسعة من الأراضي المغطاة بأشجار السنط غير مستغلة اقتصادياً، وذلك بسبب نقص الخبرة في عملية جمع الصمغ وفي عملية تسويقه. ولم تنجح الجهود المبكرة التي بذلتها الشركات البريطانية لتصدير الصمغ العربي من نيجيريا، حيث أدى الفرز والتصنيف غير المناسبين إلى إنتاج صمغ منخفض في جودته، والذي بدوره نال من الأسعار أسعار زهيدة وغير مربحة في أوروبا.
وبعد دراسة تنظيم إنتاج الصمغ العربي في السودان وممارسات الفرز والتصنيف في موانئ الشحن في بوردو وتريستي (Bordeaux and Trieste)، أنشأ البريطانيون تجارة ثابتة للصمغ بين نيجيريا وبين أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين. وكان الاستعمار الأوروبي أيضاً وراء تطوير صناعة الصمغ الحديثة في القرن الأفريقي.
وخلال سني الأربعينيات من القرن العشرين، أدخلت السلطات الاستعمارية الإيطالية عملية استغلال منظمة وعملية حصاد الصمغ الطبيعي على نطاق تجاري في الصومال وفي إريتريا، ومن هناك انتشرت إلى إثيوبيا. وظلت الإمكانات التجارية للصمغ العربي في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى غير مستغلة إلى حد كبير حتى بدأت زراعته في تشاد في عقد الخمسينيات من القرن الماضي.
وأدى الجفاف الذي طال أمده في منطقة الساحل في الفترة المرتاحة بين العامين الواقعين بين القوسين (1968-1975م)، والجفاف الأقصر في الفترة التي أخذت لها عمراً بين هاتين السنتين 1983-1985م، والاضطرابات السياسية المتقطعة إلى انتكاسات كبيرة في تجارة هذا الصمغ والمعروف بالصمغ العربي. ومع تدمير غابات ومزارع السنط، انخفض الإنتاج وتدهورت الصادرات بشكل حاد واستنزفت المخزونات.
وقد انتعشت الصادرات بوتيرة بطيئة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، على الرغم من عودة مستويات هطول الأمطار العادية، حيث تحول جزء من الطلب على الصمغ الموجود مسبقاً في البلدان المتقدمة إلى البدائل خلال فترات نقص وانخفاض العرض. وأدت السياسات المحلية غير المواتية، مثل فرض الضرائب المفرطة واحتكارات التسويق والتصدير، إلى مزيد من الانخفاض ومن الانتقاص في أسعار المنتجين وتثبيط الإنتاج في عدد من البلدان الأفريقية.
وكان أن أدى تحرير السوق وارتفاع الطلب في الأسواق الناشئة وظهور تطبيقات تجارية جديدة، مثل المنتجات الغذائية والصيدلانية، إلى تحسين آفاق القطاع في الألفية الجديدة. وقد أدى ارتفاع أسعار المنتجين في عام 2005م إلى دفع الصادرات العالمية من الصمغ العربي الخام إلى ما يزيد عن 70 ألف طن للمرة الأولى منذ أوائل عقد السبعينيات.
وتضاعفت أحجام التجارة في غضون 15 عاماً من 50 ألف طن في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى 113 ألف طن في عام 2016م. ومنذ افتتاح أول مرافق لتجفيف الصمغ العربي في أفريقيا في كل من نيجيريا والسودان في أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت البلدان، التي كانت تصدر سابقاً فقط الصمغ الخام وشبه المصنع، تدخل الآن تدريجياً سوق العلكة المعالجة ذات القيمة المضافة العالية، والتي تهيمن عليها شركات من البلدان المتقدمة.
التوزيع الجغرافي والخصائص البيئية
المنطقة الرئيسية للتوزيع الجغرافي لشجر “السنط السنغال” و”سنط السيال”، وهما المصدران النباتيان المعترف بهما دولياً للصمغ العربي، هي ما تسمى وتعرف بحزام الصمغ في أفريقيا السمراء، السافانا المشجرة القاحلة الشاسعة التي تمتد جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، من موريتانيا والسنغال في الغرب إلى السودان وإريتريا والصومال وكينيا وجمهورية تنزانيا المتحدة في الشرق. ويوجد هناك نوعان من السنط أيضاً في سلطنة عمان وفي باكستان (مقاطعات بلوشستان والسند) وفي الهند (في ولايات غوجارات وهاريانا وماديا براديش والبنجاب وراجستان وأوتار براديش).
وينمو السنط السنغالي بشكل أفضل في التربة العميقة والرملية وجيدة الصرف في المناطق التي يتراوح متوسط هطول الأمطار فيها بين 200 و500 ملم سنوياً، والتي تتمتع بمناخ حيوي من النوع شبه الصحراوي الدافئ (أي موسم الجفاف من 9 إلى 11 شهراً سنوياً).
ومع ذلك، يوجد هذا النوع أيضاً في التربة سيئة الصرف (مثل التربة الرملية الطينية الخفيفة أو الطين البني أو الحجر الرملي الطيني)، وفي المناطق التي تتلقى ما يصل إلى 800 ملم من الأمطار سنوياً والتي تتمتع بمناخ حيوي من النوع الاستوائي الجاف (أي موسم الجفاف يكون عمره 8 أشهر في السنة).
ويزدهر سنط السيال في التربة الطينية والطينية الرملية والرملية، والتي غالباً ما تغمرها المياه في فصل الشتاء. وينمو بشكل متكرر على السهول الغرينية (الطمي) والأراضي المزروعة سابقاً. ومن وجهة النظر المناخية، فهي توجد في المناطق التي يتراوح فيها تساوي الصفائح بين 200 و1000 ملم سنوياً ويتراوح المناخ الحيوي من النوع شبه الصحراوي الدافئ إلى النوع الاستوائي القوي (أي موسم الجفاف من 7 إلى 8 أشهر سنوياً).
ويعتبر وجود أشجار من نوع أكاسيا (شجر السنط) السنغال أو أكاسيا (السنط) سيال في منطقة معينة شرطاً ضرورياً، وإن كان غير كاف، لإنتاج الصمغ العربي. وقد تظل غابات السنط غير مستغلة تجارياً بسبب الافتقار إلى مهارات الإنتاج ومهارات التسويق، وأيضاً، الي نقص رأس المال، والي ضعف البنية التحتية، والي الاضطرابات المدنية والسياسية، ومن بين أسباب أخرى.
وقد لوحظ، وذلك بسبب زحف التصحر أو الزحف الصحراوي، في العقود الأخيرة أن هناك تحول نحو الجنوب في التوزيع الطبيعي لأكاسيا (شجر السنط) السنغال وأكاسيا (شجر السنط) سيال. وإذا ترك الاستغلال المفرط للتربة والتغير في المناخ دون رادع، فمن المتوقع أن يستمر هذا التحول بصورة مستمرة ومتواصلة. ومن المفارقات أن زراعة أشجار السنط على مساحات واسعة من الأرض يمكن استخدامها لمنع الزحف الصحراوي، وأيضاً، لاستصلاح الأراضي الصحراوية.
وكان في عام 2007م، أن أطلق الاتحاد الأفريقي مشروع الجدار الأخضر العظيم، وهو بمثابة جهد أفريقي لمكافحة التصحر ومعالجة الفقر ووقف تدهور الأراضي في جميع أنحاء منطقة الساحل من خلال زراعة الأشجار ومن خلال خلق الفرص الاقتصادية للسكان المحليين. وفي إطار هذه المبادرة، يعمل البنك الدولي وصندوق البيئة العالمي على دعم حكومة موريتانيا من أجل مكافحة التصحر، وذلك من خلال تجديد أشجار السنط وتوسيع إنتاج الصمغ العربي.
ونظراً لأن أشجار أكاسيا (السنط) السنغال وأكاسيا (السنط) سيال تعمل على تثبيت النيتروجين في التربة، فإنها تساهم في التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، وذلك من خلال زيادة خصوبة التربة والتغطية النباتية وغلة المحاصيل.
ومثالاً لا حصراً، ففي السودان، غالباً ما يتم تناوب زراعة السنط مع زراعة المحاصيل، حيث يتم إزالة حدائق السنط القديمة لزراعة الذرة الرفيعة أو السمسم أو الدخن أو الفول السوداني؛ وعندما تنخفض غلة المحاصيل، يتم هجر الحقول والتحول الي المواقع المجاورة؛ ويتم بعد ذلك إعادة استغلال أو استعمار الأراضي المهجورة بأشجار السنط، مما يزيد من خصوبة تربتها، استعداداً لدورة جديدة من زراعة المحاصيل.
وفي سياق اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أدرجت حكومات أربعة بلدان منتجة للصمغ العربي وهي – إثيوبيا والسنغال وجنوب السودان والسودان – إعادة تأهيل غابات السنط وإنشاء مشاتل السنط كأنشطة ذات أولوية ضمن حدودها الوطنية ضمن برامج عمل التكيف (NAPA).
علاوة على ذلك، أدرجت حكومات أربعة بلدان منتجة للصمغ العربي -مالي والنيجر والصومال والسودان – إشارات صريحة إلى زراعة والي إعادة تأهيل حدائق السنط في مساهماتها المعتزمة والمحددة وطنياً (INDC).
وفي بعض مناطق حزام الصمغ الأفريقي، تعكس الممارسات على المستوى الجزئي الأهداف التي حددتها السلطات الوطنية. فعلى سبيل المثال، في منطقة “بارا” بولاية شمال كردفان في السودان، قامت حوالي 42.9% من الأسر التي تم أخذ عينات منها في عام 2014م، بتوسيع مزارع السنط السنغالي كاستراتيجية تكيف لمكافحة تغير المناخ وتحسين غلات المحاصيل.
وتشمل الاستراتيجيات الأخرى المستخدمة في المنطقة تشكيل جمعيات منتجي الصمغ العربي واعتماد الغابات الجماعية، حسبما أفاد به 18.6% و10% على التوالي من المستجيبين للاستطلاعات. وفي مناطق إنتاج الصمغ في النيجر، كانت إعادة تخزين الأشجار القيمة وزراعتها (بما في ذلك أشجار السنط) وحماية شتلات السنط ثاني وثالث أكبر وأكثر استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ، اعتماداً على نطاق واسع، حيث ذكرها 15.6% و14.7% من المشاركين. المستجيبين، على التوالي.
انتاج السودان من الصمغ العربي
ماضياً، في الماضي كان الصمغ العربي يتقدم الكل ويقود الجميع ويتصدر قائمة صادرات السودان الي أوربا منذ السحيق من الآماد. واستمر وواصل مع اطلالة القرن التاسع عشر في أن يكون هو المحصول الأساسي وهو الرئيسي لتجارة الصادرات، وهو المركز الذي ظل يحتكره لغاية قدوم العام 1920م، عندما وجد مضايقات ومنافسات من محصول القطن، الذي حل محله، والذي أخذ مكانه غصباً وباقتدار.
وكان لامتداد خطوط السكك الحديدية والتي وصلت مدينة الأبيض فعل السحر، في 1912م، في ازدهار تجارة هذا المنتج الضروري والهام كونياً وانسانياً. ومن ثم قامت أسواق ونشأت أسواق بصورة مرتبة وبطريقة منظمة لتسويق هذا الصمغ العربي في كل من مدن الأبيض والنهود وأم روابة والرهد.
وقد كانت في ذلك الزمان الماشية وتجارتها أقل أهمية أو ذات أهمية ضئيلة وغير مرئية. ونظراً لوصول خطوط أو خط السكك الحديدية الي مدينة الأبيض، ونسبةً للتوسع وللتحسن في الخدمات البيطرية، زادت ونمت صادرات الماشية وعلى وجه الخصوص باتجاه شمال الوادي حيث مصر.
وأشار السيد مزدلفة عثمان (2023)، في مقالة له في “الجزيرة نت” الي أن انتاج السودان من الصمغ العربي قد بلغ حوالي 80% من اجمالي الإنتاج العالمي من هذه السلعة، وقال بأن الذين يعملون ويشتغلون في هذا القطاع لا يقلون عن خمسة (5) ملايين نسمة في حوالي ثلاثة عشر ولاية سودانية مختلفة، وذكر بأن حزامه السوداني يحتل مساحة تقدر بحوالي خمسمائة (500) ألف كيلومتر، ولا أقل من ذلك.
ولكن، وبالرغم من أن الصمغ العربي يعتبر هو الثروة المهمة والضرورية، فإن الحكومات المتعاقبة في السودان لم تعره أي اهتمام ونجدها قد تجاهلته وتجاهلت عملية تطوير إنتاجه تماماً وكأنه غائب في الواقع أو في أذهانهم وفي أدمغتهم، وهل من أدمغة هل؟! في حين أننا نجد أن القسم الأكبر من انتاجه قد تم تهريبه ويتم تهريبه إلى الأقطار المجاورة وتلك المتاخمة للحدود الغربية نهاراً جهاراً ولا حياة لضمير، وسط شكاوى وأنات وآهات المنتجين الكثيرة والمتكررة والمكرورة من تدني العائد والعوائد ومن ضعفها، مقارنة بالجهد العظيم المبذول فيه وفي حصاده، والذي يتم عادةً في شهر نوفمبر من كل عام، وسط ظروف قاسية لا تضاق ولا تحتمل.
وفي مقابل عدم اهتمام الحكومات السودانية وتجاهلها، المريب والعجيب، لتطوير صناعة الصمغ العربي، نجد أن الولايات المتحدة وشركات غربية أخرى، عديدة وكثيرة، تظهر اهتمامها وعنايتها بهذا المنتج المهم والضروري والمطلوب عالمياً، حيث أنه السلعة الوحيدة التي تم اعفائها من قبل واشنطن من قائمة العقوبات التي فُرضت على حكومة السودان، لفترة طويلة عمرت حوالي العشرون عاماً من الزمان الأسود في سياق خلافات الإدارة الأميركية مع نظام الرئيس المعزول البشير، وسمحت بتصديره بتسهيلات كبيرة وعديدة ومقدرة، وذلك لأنه مادة أساسية ومادة رئيسية تدخل في صناعة المشروبات الغازية وتدخل كذلك في تركيب أنواع مختلفة وعديدة من العقاقير الطبية، علاوة على صناعة الحلويات.
مشاكل التعبئة والتصنيع
يواجه ويعاني منتجو الصمغ -وغالبيتهم من الجنس اللطيف- من صعوبات كبيرة وكثيرة في تسويق أطنان منه بعد موسم حصاده الموسوم بالمشقة وبالقسوة وبشدة المعاناة، فهو حصاد شاق وهو حصاد قاسي لدرجة لا توصف ولا تحتمل، حيث تغطي قيمة المبيع منه بالكاد تكلفة إنتاجه دون أن يجلب لهن فتات أرباح. ويباع القنطار (100 كيلوغرام) من الصمغ العربي بسعر يتراوح بين 35 و40 ألف جنيه سوداني (أي حوالي 80 دولار)، ويباع الطن منه في المزرعة بقيمة تصل الي سبعمائة (700) دولار، لكن المصدرين يبيعونه بحوالي ألفين وستمائة (2600) دولار بعد أن يقوموا بتجهيزه ودفع الرسوم.
ونتيجةً لتهريب كميات مهولة وضخمة منه إلى دول أفريقيا الوسطى والي تشاد والي مصر، يعتبر العائد من الصمغ زهيداً وبخساً للغاية لدرجة تافه لا تُرى بالعين المجردة في الموازنة العامة، حيث لا يتعدى بالكاد حوالي 3.4% من الناتج المحلي. ولم تتجاوز عائدات تصدير هذا المنتج العالمي المهم والضروري، وفق إحصائيات بنك السودان المركزي منذ 2009م، أكثر من (350) مليون دولار أمريكي سنوياً.
ولا يتردد في أن يؤكد أستاذ الدراسات التجارية والمحلل الاقتصادي الدكتور عبد العظيم المهل، في حديثه للجزيرة نت، أن الصمغ العربي -الذي يحتكر السودان إنتاجه- له أهمية كبيرة وله ضرورة عظمى في مائة (100) صناعة مختلفة. ويكشف أن العائد منه يصل الي ما بين مائة وخمسين الي ثلاثمائة (150 و300) مليون دولار سنوياً، ويعتبر هذا الرقم لا يتناسب اطلاقاً، لا من قريب ولا من بعيد، مع حجم الصمغ العربي وأهميته وتعدد وتنوع استخداماته واستعمالاته.
ويواصل الدكتور في التأكيد على أن كميات كبيرة من المحصول تُسرق وتُنهب ويتم تهريبها إلى دولة تشاد الجارة من الجهة الغربية وبعض بلدان الجوار الأخرى، ومن ثم يتم شحنها ويتم تسفيرها وترحيلها إلى فرنسا، والتي تقوم بإعادة تعبئته وتصديره الي الولايات المتحدة الأميركية والي دول أخرى بمليارات الدولارات، يا سبحان الله!!
وتابع، وهو كله حسرة وفيه ألم باين، قائلاً، “للأسف لا توجد في السودان مصانع تعبئة لإضافة قيمة مضافة لصناعة الصمغ، حيث يُصدر حالياً في أكياس مهترئة، قبيحة في شكلها وفقيرة في جودتها، وبتعبئة سيئة للغاية ومتخلفة، وتنعدم هناك أي خطط الي تطويره أو الي تسويقه، وتتم تعبئته بطريقة الأجداد العتيقة نفسها منذ آلاف السنين”.
لا بديل للصمغ العربي الا الصمغ العربي
ويؤكد الخبير الاقتصادي بكل ثقة قائلاً بأنه لا بديل للصمغ العربي في العالم أجمع الا الصمغ العربي، لذلك تم استثناؤه بلا تفكير وبلا تردد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فُرضت على السودان في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وذلك لكونه مُنتج ضروري ومُنتج إستراتيجي لأميركا ولكثير من الدول الغربية المتحضرة المتقدمة، حيث يستخدم ويستعمل في صناعة المشروبات الغازية، وأيضاً، يدخل في حوالي مائة (100) صناعة أخرى.
ويقول الخبير المهل بملء فيه، وهو كله ثقة، ويؤكد أن الصمغ العربي قادر لوحده وبنفسه للنهوض باقتصادنا السوداني، وذلك في حالة تم تطويره وفي حالة تم الاهتمام به وأعير التفاته خاصة وجادة، ومنحت له قيمة مضافة عن طريق الصناعة وعن طريق التغليف والتعبئة الحديثة غير المتخلفة.
وأشار أيضاً إلى إمكانية استفادتنا من مبادرة المملكة العربية السعودية القائلة بزراعة حوالي خمسين (50) مليار شجرة، وتبني زراعة عشرة (10) مليارات شجرة صمغ عن طريق نثر البذور من عل بواسطة الطائرات في بدايات فصل الخريف بتكلفة متدنية جداً وغير مكلفة.
ومن ناحيته قال المحلل والمتخصص في شؤون الاقتصاد السوداني الدكتور هيثم محمد فتحي، في كلامه مع الجزيرة نت، إن الولايات المتحدة الأميركية تستورد حوالي (70%) من الكميات التي ينتجها هذا البلد المسمى السودان، مضيفاً أن جزء من هذه الكمية يتحرك أو يصل مباشرة من السودان، والباقي يتم استيراده بعد إعادة إنتاجه في دول وبلدان أوروبية.
ورغم وقوع حزام الصمغ العربي في دائرة الاشتباكات العبثية العنيفة التي تدور رحاها هذه الأيام بين الجيش وقوات الدعم السريع في ولايات دارفور وشمال كردفان، التي تعد الأكبر في إنتاج الصمغ العربي، لا يعتقد السيد فتحي بأن يكون هناك أي تأثير للصراع المسلح على التصدير، وذلك لسهولة استمرار الحصول على كميات وكميات إضافية منه من المناطق الريفية، وتصديره عبر الميناء والمناطق غير المتأثرة بهذه الحرب البليدة (صراع السلطة).
ويذكر أن الحرب الدائرة الآن بعيدة عن مناطق الإنتاج، وأن ميناء بورتسودان ومطارها لا يزالان تحت الخدمة، بالإضافة إلى عدد من المنافذ البرية التي من بينها معبر أرقين الذي يربط السودان بمصر.
لعنة الحرب على الصمغ العربي
والمعروف للجميع بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد استثنت الصمغ العربي السوداني من العقوبات التي كانت قد فرضتها على السودان المسكين خلال عهد المخلوع البشير، وذلك لأهميته القصوى والملحة والضرورية. ويعتبر السودان في صدارة البلدان المنتجة لتلك السلعة، ويستحوذ على حوالي 70% من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.
ويصرح رئيس مجلس الصمغ العربي السيد مصطفى السيد خليل لفرانس برس قائلاً، “إذا فقدنا حزام الصمغ العربي سيغرق الجميع.. نحن كلنا في مركب واحد”، في إشارة واضحة الى انقسام السودانيين، -ولماذا الانقسام؟ هل الجهل هو السبب أم هناك أسباب أخرى غائبة عننا، ولا أحد يدري ما هي؟!! ولكنهم يدرون!!!
وشهد وما زال يشهد السودان فوضى عنيفة وعارمة وغير مسئولة مع بداية اشتعال المعارك في منتصف شهر أبريل من العام 2023م، بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي.
وغالباً ما يتركّز تهذيب ويكون تشذيب إنتاج الصمغ العربي في الخرطوم العاصمة، التي لا تشبه العواصم، حيث أم المعارك العبثية كانت فيها وما زالت، وفي عمقها وفي حجرها، ومنها يتم تصدّيره الى خارج البلاد رسمياً قليلاً وتهريباً كثيراً، لا سيما الي الولايات المتحدة الأمريكية.
ويُنتج الجزء الأكبر منه في إقليم دارفور، دارفور المظلومة، حيث تدور معارك ومعارك دامية هناك أيضاً، وتوصف كذلك بأنها عنيفة وبأنها وحشية وبأنها لا وطنية ولا دينية ولا أخلاقية. ولم تصل المعارك الى القضارف بعد، لكن الأسعار تقهقرت وتدهورت بشكل سريع وسريع جداً.
وهذا هو السيد آدم عيسى، الذي يردد قائلاً… “الآن هناك كميات ضخمة معروضة من هذا المنتج أو من هذه السلعة، ولا أحد يرغب فيها أو يريد أن يشتريها، وذلك لخوف أصحاب الشاحنات من المرور بجهنم الحرب، وهم في طريقهم إلى الميناء الواقع في منطقة الحرب الكبرى في الخرطوم”.
ويفيد ويؤكد سكان في العاصمة أن عدداً كبيراً ومحترماً من الشاحنات تم تدُمّريها في القصف الأعمى، وقُتل عدد من سائقي الشاحنات قصداً أو صدفةً. وفي ذات الوقت، تضاعفت أثمان الوقود عشرين مرة ومرة، وما زال شموخها مستمراً.
وتعتقد منسّقة مشروع دعم هيكلة قطاع الصمغ العربي بالسودان المدعوم والمموّل من الاتحاد الأوروبي والمعروفة باسم فايزة صديق أن “الأزمة الآنية يمكنها أن تؤثر على الصادرات، وذلك لأننا نواجه نقصاً حاداً في الوقود مما يجعل النقل مشكلة ويجعله معضلة”. وتواصل لتضيف قائلة بأنه “يتم نقل الصمغ العربي إلى الخرطوم حيث مراكز التجميع، لأن مقر معظم الشركات المصدّرة موجود هنا في الخرطوم”.
وأدى العزوف عن شراء الصمغ العربي بسبب الظروف المميتة الراهنة إلى تراجع سعره والي انخفاضه، وذلك وفقاً لما يقوله منتج الصمغ السيد أحمد حسين. ويتابع ليقول إن “سعر الطن تدهور من 320 ألف جنيه (حوالي 627 دولاراً) في نهاية مارس إلى 119 ألف جنيه (حوالي 233 دولاراً) في الوقت الراهن (2023).
ويكشف السيد خليل القناع عن صادرات السودان من الصمغ العربي، والتي وصلت الي حوالي ستين (60) ألف طن (40 ألف طن من نوع الطلح و20 ألف طن من نوع الهشاب) في 2022م. ومن الصعوبة بمكان، بحسب رأيه وبحسب ما يعتقد، حالياً تحديد كمية الإنتاج أو حجم التصدير من هذا المنتج. ويواصل في سرده حاكياً، “كنا حتى قبل الحرب، قد أطلقنا صيحة عميقة عالية لمعرفة ولإدراك التدهور السريع والمريع لبيئة حزام الصمغ العربي”، ولكن!
ويضرب مثالاً حياً بولاية القضارف التي كانت على رأس قائمة الولايات الأكثر إنتاجاً لهذا المنتج المهم، وأصبحت “اليوم وفي زماننا الحاضر تأتي في المركز الثالث عشر ترتيباً”، مرجعاً السبب إلى نمو أعداد النازحين إليها من الولايات السودانية الأخرى.
وهناك من يحمل رأياً مخالفاً ويعتبر مسؤولاً في هيئة المرافئ السودانية وكان قد صرح لوكالة فرانس برس قائلاً، بإن عمليات الاستيراد وعمليات التصدير مستمرة ومتواصلة وتتواصل بشكل طبيعي!! لكن يأتينا السيد عثمان عبد السلام، الذي يعمل في أحد مكاتب الشحن البحري بكلام وبمعلومة مختلفة تماماً ومغايرة جداً، حيث يؤكد أن “حركة صادرات البضائع التي تمرّ عبر ولاية الخرطوم من كردفان ودارفور تأثّرت بصورة كبيرة وخصوصاً سلعة الصمغ العربي”.
المصادر

  1. الجزيرة نت., 2024. السودان.. كيف أثرت الحرب على أكبر منتج للصمغ العربي بالعالم؟ (أونلاين). متوفرة في: URL: https://www.aljazeera.net/ebusiness/2024/7/14/السودان-كيف-أثرت-الحرب-على-أكبر-منتج (تاريخ الزيارة: 16-09-2024)
  2. الجزيرة نت., 2023. السودان ـ الحرب تهدد بأزمة عالمية في إنتاج المشروبات الغازية. (أونلاين). متوفرة في: URL: https://www.dw.com/ar/السودان-ـ-الحرب-تهدد-بأزمة-عالمية-في-إنتاج-المشروبات-الغازية/a-66310347 (تاريخ الزيارة: 16-09-2024)
  3. مبادرة السعودية الخضراء., 2023. كيف يمكن زراعة 10 مليارات شجرة؟ مبادرة السعودية الخضراء تحدّد خارطة طريق لجهود التشجير؟ (أونلاين). متوفرة فيURL: https://www.sgi.gov.sa/ar-sa/knowledge-hub/how-do-you-plant-10bn-trees :(تاريخ الزيارة: 16-09-2024)
  4. مزدلفة عثمان. 2023. الصمغ العربي كلمة السر.. هل تهدد معارك السودان صناعة المشروبات الغازية الأميركية؟ https://www.aljazeera.net/ebusiness/2023/5/13/الصمغ-العربي-كلمة-السر-هل-تهدد-معارك (تاريخ الزيارة: 09-05-2024)
  5. SWI swissinfo.ch. 2023. الصمغ العربي المنتج السوداني المستخدم في سلع عدة في العالم مهدّد بالحرب. https://www.swissinfo.ch/ara/الصمغ-العربي-المنتج-السوداني-المستخدم-في-سلع-عدة-في-العالم-مهد-د-بالحرب/48531054 (تاريخ الزيارة: 09-05-2024)

bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …