بقلم : محمد سنهوري الفكي الامين
m.sanhory@yahoo.com
من يتأمل خريطة السودان الاقتصادية يكتشف مفارقة لافتة دولة تمتلك واحدة من أكبر الثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية في أفريقيا والعالم العربي، ومع ذلك ظل اقتصادها لعقود طويلة يعاني من الأزمات والتقلبات ، هذه المفارقة نتيجة مباشرة لطريقة إدارة الموارد أكثر من كونها نتيجة لنقصها. السودان لا يعاني من فقر الموارد، ولكن يعاني من فقر الإدارة الاقتصادية طويلة المدى.
اليوم، وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية وارتفاع الطلب على الغذاء والطاقة والمعادن، تتوفر فرصة حقيقية لإطلاق مشروع اقتصادي وطني شامل يعيد بناء الاقتصاد السوداني على أسس حديثة. لكن هذا المشروع يجب أن يقوم على مبدأ واضح: تحويل الموارد الطبيعية السودانية إلى أصول اقتصادية حقيقية تجذب الاستثمار والتمويل العالمي.
السودان يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية تتجاوز مئة مليون رأس، واحتياطيات كبيرة من الذهب والمعادن، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط أفريقيا بالبحر الأحمر والعالم العربي. هذه الموارد يمكن أن تتحول إلى محرك اقتصادي ضخم إذا تم تنظيمها في إطار مبادرات استراتيجية واضحة.
أول هذه المبادرات يتمثل في إطلاق مشروع وطني للأمن الغذائي يعتمد على إعادة تشغيل المشاريع الزراعية الكبرى وتطوير الزراعة الحديثة. العالم اليوم يبحث عن مصادر غذاء مستقرة، والدول العربية خصوصاً تبحث عن شراكات طويلة المدى لضمان أمنها الغذائي. السودان قادر على أن يصبح أحد أهم سلال الغذاء في المنطقة إذا تم استثمار أراضيه الزراعية بطريقة علمية حديثة.
إلى جانب الزراعة، تمثل الثروة الحيوانية فرصة اقتصادية هائلة. السودان يمتلك واحداً من أكبر قطعان الماشية في أفريقيا، لكن معظم هذه الثروة تُصدر بشكل تقليدي في شكل حيوانات حية، وهو ما يعني فقدان جزء كبير من القيمة الاقتصادية. الحل يتمثل في تطوير صناعة متكاملة للحوم ومنتجاتها عبر إنشاء مزارع حديثة للتسمين ومسالخ متطورة ومصانع للصناعات الغذائية المرتبطة بها. بهذه الطريقة يمكن مضاعفة قيمة الصادرات الحيوانية عدة مرات.
أما قطاع الذهب فيمثل أحد أكبر مصادر الدخل الممكنة إذا تم تنظيمه بطريقة حديثة وشفافة. اليوم يخرج جزء كبير من الذهب السوداني عبر التهريب، وهو ما يحرم الاقتصاد من مليارات الدولارات سنوياً. إنشاء منظومة رسمية لشراء الذهب وتأسيس سوق منظمة للمعادن يمكن أن يحول هذا القطاع إلى مصدر أساسي للعملة الصعبة.
ومن المبادرات المهمة أيضاً تطوير الموانئ السودانية على البحر الأحمر وتحويلها إلى مركز لوجستي إقليمي يخدم دولاً أفريقية عديدة لا تملك منافذ بحرية. الموقع الجغرافي للسودان يمنحه فرصة ليصبح جسراً تجارياً بين أفريقيا والعالم العربي إذا تم تطوير البنية التحتية للموانئ والطرق والمناطق الحرة.
لكن كل هذه المبادرات لن تنجح ما لم تُدار بطريقة مختلفة عما اعتاده الاقتصاد السوداني في الماضي. التجارب العالمية تؤكد أن نجاح المشاريع الاقتصادية الكبرى يعتمد بدرجة كبيرة على جودة الإدارة. لذلك يجب أن تتولى إدارة هذه المبادرات شخصيات تكنوقراطية مستقلة معروفة بالكفاءة والنزاهة، بعيدة عن الاستقطاب الحزبي والصراعات السياسية.
إن تعيين إدارات مهنية نظيفة لا يكفي وحده، بل يجب أن تُمنح هذه الإدارات صلاحيات حقيقية وإمكانيات مالية وتقنية كافية لتنفيذ المشاريع دون عراقيل بيروقراطية. كما ينبغي أن تُحمى هذه المشاريع بقوانين واضحة تجعلها مشاريع استراتيجية للدولة لا تتأثر بتغير الحكومات أو التقلبات السياسية.
الجدول الزمني لمثل هذا المشروع الاقتصادي يمكن أن يبدأ بمرحلة أولى تمتد لعامين تركز على إعادة تشغيل الإنتاج الزراعي وتطوير صادرات الثروة الحيوانية وتنظيم قطاع الذهب. خلال هذه الفترة يمكن أن تبدأ الصادرات السودانية في الارتفاع تدريجياً وأن يبدأ الاقتصاد في استعادة جزء من توازنه.
في المرحلة الثانية، الممتدة حتى خمس سنوات، يمكن أن تتوسع المشاريع لتشمل الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة الزراعية وتطوير البنية التحتية اللوجستية في الموانئ والطرق. هذه المرحلة يمكن أن تشهد دخول استثمارات عربية ودولية أكبر إلى الاقتصاد السوداني.
أما المرحلة الثالثة فتتمثل في تحويل السودان إلى مركز إقليمي لإنتاج الغذاء والتجارة والخدمات اللوجستية، وهو ما يمكن أن يرفع قيمة الصادرات السودانية إلى مستويات غير مسبوقة.
السودان يمتلك فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاده إذا استطاع أن يطلق مبادرات استراتيجية تُدار بكفاءة ونزاهة وتستند إلى رؤية طويلة المدى.
إن المستقبل الاقتصادي للسودان لن يُبنى بالمساعدات وحدها، ولكن بالإدارة الذكية للموارد الوطنية. وعندما تتحول هذه الموارد إلى مشاريع حقيقية ذات قيمة مضافة، فإن الاقتصاد السوداني يمكن أن ينتقل خلال سنوات قليلة بعد الاستقرار وتوقف الحرب من اقتصاد يعاني الأزمات إلى اقتصاد يقود نهضة شاملة مع المتغيرات العالمية وسباق العالم علي موارد المياه والغذاء .صورة داخلية
771359ea-4c60-46cf-bebc-bf35f7aedf35.jpeg
Attachments:
771359ea-4c60-46cf-bebc-bf35f7aedf35.jpeg 57,0 KB
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم