نزار عثمان السمندل
لعلنا نقترب الآن من تلك اللحظة التي تفقد فيها الحروب أسماءها الأولى. فالمعركة التي دخلت عامها الرابع لم تعد مجرد نزاع على السلطة بين جنرالين يتبادلان القتل فوق جسد وطن منهك. شيء أعمق يتسلل إلى المشهد السوداني. شيء يشبه الانزلاق البطيء من فكرة الدولة إلى فكرة الكيانات، ومن الوطن الواحد إلى سلطات متجاورة تتقاسم الجغرافيا والدم والخوف.
التحذيرات الأخيرة من خطر تقسيم السودان لم تأتِ من فراغ، ولا من فائض خطاب سياسي. الوقائع نفسها صارت تتحدث. البلاد التي كانت تخوض حرباً بين مركزين للقوة، تبدو اليوم وكأنها تمضي نحو تأسيس مركزين للدولة.
تحالف «صمود» كان قد رفع نبرة التحذير حين تحدث عن مخاطر التقسيم. بدا الأمر أقرب إلى قراءة لما يجري على الأرض منه إلى إطلاق موقف سياسي مشوب بالعاطفة. فالمسألة تجاوزت حدود السيطرة العسكرية المؤقتة. هناك وقائع جديدة تتراكم يوماً بعد يوم، وتدفع البلاد نحو التشظي الجديد.
إعلان «حميدتي» تشكيل مجلس للأمن والدفاع يتولى وضع السياسات الأمنية والعسكرية، والإشراف على بناء ما سُمّي «جيشاً وطنياً جديداً»، ليس مجرد إجراء تنظيمي داخل معسكره السياسي والعسكري. الخطوة تحمل دلالة أكبر بكثير. فالجيوش تُنشأ داخل الدول، لا داخل ساحات الحرب. والأجهزة الأمنية والمخابراتية لا تُبنى عادة إلا حين يبدأ مشروع سياسي ما في تخيل نفسه سلطة مستقرة لا قوةً مقاتلة فحسب.
لهذا تبدو خطورة التطور الأخير كامنة في رمزيته أكثر من تفاصيله. فالسودان بات يقترب من مشهد بالغ القسوة: سلطة في بورتسودان تملك جيشها ومؤسساتها وخطابها السياسي، وسلطة أخرى تعمل على بناء جيشها وأجهزتها ومؤسساتها في مناطق نفوذها. دولتان تتشكلان تحت اسم دولة واحدة.
بابكر فيصل لخص جانباً من المأساة حين تحدث عن أن التقسيم صار واقعاً سياسياً ووجدانياً معاشاً. التعبير يبدو مؤلماً لأنه يمس أخطر ما تفعله الحروب الطويلة بالشعوب. فالانقسام يبدأ بالحدود، ثم ينتقل إلى العقول، قبل أن يستقر في الذاكرة الجماعية.
المشهد الميداني يمنح هذه المخاوف أسباباً إضافية. غرب السودان يبتعد أكثر فأكثر عن المركز، بينما تتعزز سلطات الأمر الواقع في جهات مختلفة من البلاد. الإدارات المحلية تتكاثر، والجبايات تُفرض، والمعابر تُدار بمنطق القوة، والناس يتعلمون التعايش مع خرائط نفوذ جديدة. كل يوم تستمر فيه الحرب يتحول جزء إضافي من المؤقت إلى دائم.
الأخطر أن الطرفين لم يعودا يتنافسان على كسب المعارك وحدها، بل على بناء الشرعية. كل طرف يريد أن يقدم نفسه بوصفه الدولة الحقيقية. كل طرف يسعى إلى إنشاء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية تمنحه القدرة على البقاء حتى لو توقفت المعارك غداً. وهنا يتحول السلاح من أداة حرب إلى آلية تأسيس.
وسط هذا المشهد، تبدو القوى المدنية وكأنها تخوض معركة مختلفة تماماً. لم يعد التحدي وقف إطلاق النار فحسب، بل إنقاذ فكرة السودان نفسها. فالحروب لا تقسّم الأرض فقط؛ إنها تعيد تشكيل المخيلة الوطنية. وحين يعتاد الناس وجود جيشين وسلطتين ومركزين للقرار، تصبح العودة إلى الدولة الواحدة أكثر صعوبة من الوصول إلى هدنة لإيصال المساعدات.
المأساة أن الأحزاب السياسية تبدو عاجزة عن ملء الفراغ الذي تمدد فيه السلاح. وقفت البلاد تنزف بينما انشغلت النخب بخلافاتها الصغيرة. غاب المشروع الوطني الجامع، فحضرت المشاريع المسلحة. تراجع صوت السياسة، فارتفع صوت البنادق.
البلاد تواجه امتحانها الوجودي القاسي. ذلك أن القضية لم تعد مَن ينتصر في الحرب، ولا مَن يجلس على كرسي الحكم بعد انتهائها. السؤال الذي يقترب كل يوم هو: هل سيجد السودانيون بلداً واحداً ليختلفوا عليه أصلاً؟
ذلك هو الخطر الحقيقي.
فنحن لا نقترب من تقسيم محتمل فحسب، وإنما من لحظة يتجسد فيها الانقسام في مؤسسات وجيوش وأجهزة أمن وحدود. وعندما تتحول الوقائع المؤقتة إلى هياكل دائمة، يصبح تفكيكها أصعب كثيراً من بنائها.
عندها قد يكتشف السودانيون أن الوطن الذي عرفوه طويلاً لم يضِع في معركة واحدة، بل تآكل قطعةً قطعة، بينما الجميع ينشغل بعدّ الرصاص أكثر من انشغاله بعدّ الشقوق التي كانت تتسع في رقعة المليون ميل مربع.
