كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
لا ينبغي التباكي على سيادة لم يُحسن أهل الحكم في السودان الحفاظ عليها.
فالسيادة، في معناها الكلاسيكي، كما أُقرّت في صلح ويستفاليا (1648) في أعقاب حرب الثلاثين عاماً، ليست مجرد شعار يُرفع، أو راية تُلوّح بها جماعة حاكمة في لحظة انسحاب المستعمر. هي مسؤولية معقّدة، تتطلب قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على الأرض والموارد والبشر، وضمان طاعة المواطنين وتوفير الأمن. ومتى ما اختل أحد هذه الأركان، تبدأ السيادة بالتآكل.
وللأسف، تتكشّف الآن أكثر تجليات هذا التآكل. ولعل المثال الأوضح على التغيير في وضع السودان هو اجتماع واشنطن؛ فمجرد أن تجلس ست دول (الإمارات، مصر، السعودية، قطر، بريطانيا وأمريكا)، المؤثرة في ديناميات الواقع السوداني وإن بدرجات متفاوتة بحكم التدخل المباشر أو عبر الوكالة أو بفعل التاريخ أو القوة، لتتفاوض بشأن السودان دون أن تكون هناك حكومة حقيقية تمثّله على الطاولة، هو أكبر دليل على أن مفهوم السيادة قد تآكل، وأن السودان، الذي كان يوما ملء السمع والبصر، لم يعد يُستشار بشأن نفسه.
ولتضح هذه المزاعم، لا بد من استدعاء رؤية رودني بروس هال ( Rodney Bruce Halll ) الأكاديمي البارز في العلاقات الدولية، في كتابه المهم Empires, Security, and Global Orders: The Legacy of International Colonialism، التي تُقدّم زاوية تحليلية دقيقة لفهم هذه الحالة. فهال، المعروف بتفكيكه للأنساق الكلاسيكية للسيادة، لا يتعامل معها بوصفها جوهراً ثابتاً، بل كوظيفة متحركة تتأثر بالقدرة على الإنجاز، والاستجابة للتحديات، والسيطرة الفعلية.
بينما الإسلاميون، بالمقابل – ومعهم عسكر المجلس السيادي الذين تشربوا رؤيتهم المفارقة للواقع – ظلوا يرون في السيادة قيمة مطلقة تُتّخذ ذريعة لرفض التدخل الخارجي، دون أن يدركوا أن هذا التصور قد سقط فعلياً خلال تجربتهم الطويلة في الحكم، والتي امتدت لثلاثة عقود وتوجت بفصل جنوب السودان. ومع ذلك، لم يتغير خطابهم ولا رؤيتهم، بل اعتصموا وما زالوا بنبرة ديماغوجية كلما طاف على مصادر حكمهم طائفٌ مِن الخارج. لم يتزحزحوا عن يقين جامد لا يرى السيادة إلا كدرع حصين لا يصيبه التآكل، رغم أن الوقائع أثبتت عكس ذلك.
إن أكبر مأساة للإسلاميين في السودان أنهم لم يتعلموا من تجربتهم، بل ظلّوا يُسوّقون خطاب السيادة كما لو كان حقّاً إلهيّاً منزوعاً من واقعه، لا وظيفة سياسية تستوجب المسؤولية. لقد حكموا ففصلوا الجنوب، وتكاثرت التدخلات الأجنبية في عهدهم وتناثر أصحاب القبعات الزرقاء في أرجاء دارفور بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومع ذلك لم تتزعزع يقيناتهم، ولم تتصدع لغتهم الجامدة. وبينما يتآكل الواقع من حولهم، ما زالوا يتحدثون كما لو أن السيادة تُستعاد بالشعارات، لا ببناء الدولة.
وما يجدر التذكير به لأولي الألباب أن المصيبة الأكبر أن هذه المأساة لن تبقى حبيسة المشروع الإسلامي وحده، بل ستمتد إلى السودان كلّه؛ فالذي يضيع اليوم ليس ملكاً للإسلاميين، بل ملكٌ للشعب السوداني نفسه، وهو صاحب السيادة المتآكلة، وأكبر الخاسرين من استمرار هذا الإنكار والعويل. وقد يكون من مصلحة البعض وفي مقدمتهم الجنجويد تفكيك دولة 1956 ذات السيادة التي ورثها أهل السودان من الآباء المؤسسين الذين قدموا دولة مستقلة مثل الصحن الصيني من دون (شق أو طق) أو كما قال رافع علم الاستقلال الزعيم الراحل المقيم إسماعيل الأزهري.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم