السياسات الثقافية القومية الفرعية وأثرها في بناء الدولة والتنمية في أفريقيا

د. نازك حامد الهاشمي

يتناول كتاب The Politics of Cultural Sub-Nationalism in Africa (سياسات القومية الثقافية الفرعية في أفريقيا) ظاهرة القومية الفرعية في القارة الأفريقية، وهي تلك الهويات العرقية واللغوية والثقافية التي تنشأ داخل الدولة الواحدة وتؤثر على الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي. ويركّز الكتاب على العلاقة المعقدة بين هذه الهويات وبنية الدولة، موضحًا أن الطريقة التي تُدار بها هذه الاختلافات الثقافية والسياسية لها تأثير مباشر على قدرة الدولة على تأسيس مؤسسات قوية، وتحقيق حكم رشيد يقوم على دستور عادل يحمي الحقوق ويكفل المساواة بين جميع المواطنين. ويؤكد المؤلف أن فشل أي دولة في إدارة هذا التنوع لا يفضي فقط إلى صراعات سياسية بين المكونات المختلفة، بل يضعف أيضًا من قدرتها على التخطيط الاستراتيجي ووضع سياسات فعّالة للتنمية، وهذا مما شأنه أن يحد من فرص تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام. فالاستقرار السياسي، الذي يُعتبر شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع تنموي، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود مؤسسات فاعلة قادرة على وضع سياسات عادلة، وإرساء قواعد واضحة للحكم، وتطبيق القانون على الجميع من دون تمييز.
ويشير الكتاب أيضًا إلى أن البناء المؤسسي الفعّال يشمل تطوير آليات توزيع السلطة والموارد بشكل متوازن، بما يضمن مشاركة جميع الجماعات في عملية صنع القرار، ويحول الاختلاف الثقافي من مصدر محتمل للصراعات إلى عنصر قوة يسهم في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة. كما يوضح المؤلف أن قدرة الدولة على إدارة التنوع الثقافي والسياسي ترتبط بمدى كفاءتها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك قضايا الأمن، الحدود المتداخلة، وضغوط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
من هذا المنظور، يُعد التنوع الثقافي والعرقي أداةً لتعزيز التنمية المستدامة، وليس سببًا في تفكك الدولة أو ضعف مؤسساتها. ومن المؤكد أن تحقيق التنمية المستدامة لا يقتصر على تحسين الأداء الاقتصادي فحسب، بل يشمل كذلك بناء قدرات مؤسسية قوية، وتطبيق نظام حكم رشيد، وضمان العدالة الاجتماعية، وإشراك جميع الفئات في صياغة وتنفيذ السياسات العامة. فالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من العوامل التي ترتبط ببعضها بشكل وثيق، بحيث لا يمكن لأي دولة أن تحقق التنمية الشاملة إلا إذا تمكنت من بناء دولة قوية، تحكمها مؤسسات فعّالة ودستور عادل، وتتمتع بالقدرة على إدارة التنوع الثقافي والسياسي بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويضمن رفاهية جميع مواطنيها.
إن الصراعات المعاصرة ليست نتاج التغيرات الإقليمية وحدها، ولا انعكاسًا طبيعيًا للتنوع، بل هي في جوهرها نتاج توظيف سياسي لهذه المتغيرات في ظل دولة ضعيفة ومؤسسات غير قادرة على إدارة التعدد أو ضبط التنافس على السلطة والموارد. وتوضح العديد من الدراسات في مجال السياسة المقارنة أن الصراعات الداخلية لا تنشأ غالبًا بسبب عامل واحد مباشر، بل تظهر نتيجة تفاعل معقد بين تحولات إقليمية، وضعف بنيوي داخل الدولة، وطموحات سياسية تسعى لاستثمار هذه التحولات لصالحها. ففي كثير من الحالات، لا تكون الصراعات نتيجةً حتميةً للتنوع الثقافي أو للتغيرات الجغرافية والسياسية، بل نتيجة الزج بهذه المتغيرات وتحويلها إلى أدوات صراع مجتمعي.
وتبين التحليلات المعاصرة إلى أن التغيرات الإقليمية، مثل إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم، أو التدخلات الخارجية، أو تحولات الاقتصاد الإقليمي، غالبًا ما تُحدث ضغوطاً على الدولة الوطنية. غير أن هذه الضغوط لا تتحول تلقائيًا إلى صراعات داخلية إلا عندما تجد نخبًا سياسية تعمل على توظيفها لخدمة مصالحها الخاصة. وهنا يصبح العامل الحاسم ليس التغير الإقليمي ذاته، بل طريقة توظيفه سياسيًا.
في هذا السياق، يرى عدد من الباحثين، مثل مايكل روس (Michael Ross) وبول كولير (Paul Collier)، أن الصراعات لا تنشأ فقط بسبب الفقر أو التنوع الثقافي، بل نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل منها السلطة والموارد والانقسامات الاجتماعية؛ وهذا ما يسميه بعض الباحثين بـ “اقتصاديات الصراع”. ويوضح روس كيف يمكن للموارد الطبيعية، مثل النفط، أن تصبح عاملًا مضاعفًا للصراع السياسي عند سوء إدارة الدولة لها، بينما يركز كولير على كيفية تحويل الموارد والسلطة إلى أدوات تنافس، واستغلال الانقسامات الإثنية أو الثقافية في بلد ما لتعبئة الجماهير وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للنخبة الحاكمة. وهنا يصبح الخطاب الثقافي أو الإقليمي مجرد غطاء لمصالح سياسية واقتصادية أعمق. وتساعد هذه الرؤية على فهم كيف يمكن للدول نامية أن تواجه صراعات مستمرة عندما تغيب مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد والسلطة بشكل عادل.
كما يشير الباحث جويل ميغدال (Joel Migdal) في دراساته حول “الدولة والمجتمع” إلى أن ضعف الدولة يجعلها ساحةً مفتوحةً تتصارع فيها قوى متعددة، داخلية وخارجية، وكل منها يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة بما يخدم مصالحه. وفي هذا السياق، تتحول الدولة من فاعل منظم إلى مجال تنافس، وتصبح الصراعات انعكاسًا لفشل الدولة في فرض قواعد مشتركة للحكم. ومن جانب آخر، تؤكد دراسات التنمية السياسية أن التغيرات الإقليمية قد تخلق فرصًا حقيقية للتكامل والتعاون، لكنها تتحول إلى عوامل عدم استقرار عندما تغيب المؤسسات القادرة على استيعاب هذه التغيرات ضمن مشروع وطني جامع. فغياب التخطيط الاستراتيجي، واحتكار القرار من قبل نخب محدودة، كلها عوامل تسمح بتحويل التحولات الإقليمية إلى أدوات تعبئة وصراع عوضاً عن أن تكون فرصًا للتنمية.
وعليه، يمكن القول إن الصراعات لا تنشأ بسبب التغيرات الإقليمية بحد ذاتها، ولا بسبب الاختلافات الداخلية وحدها، بل نتيجة تفاعل العاملين معاً ضمن سياق دولة ضعيفة البنية المؤسسية. فحين تغيب الحوكمة الرشيدة، يصبح من السهل توظيف الانقسامات وتحويلها إلى صراعات مفتوحة تخدم مصالح ضيقة على حساب الاستقرار والتنمية المستدامة. وتُظهر تجربة السودان بوضوح العلاقة المعقدة بين التغيرات الإقليمية والصراعات الداخلية، حيث لعبت التحولات في موازين القوى الإقليمية، والتداخل الثقافي والاقتصادي للمناطق الحدودية مع الدول المجاورة، دورًا في تعميق حالة عدم الاستقرار، لكنها لم تكن السبب المباشر للصراعات. فقد تم استغلال هذه التحولات من قبل النخب السياسية المحلية لتحقيق مصالحها الخاصة، عبر تعبئة الانقسامات الإثنية والثقافية والاقتصادية، وإضفاء شرعية على مطالب سياسية معينة. ويمكن أن يستنبط من هذا التحليل أن الصراعات الداخلية في السودان (وبعض الدول النامية الأخرى) لم تنشأ نتيجة طبيعية للتنوع الثقافي أو للتغيرات الإقليمية، بل نتيجة تفاعلها مع ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها وفشلها في إدارة الموارد والسلطة بشكل جيد.
ويبرز الكتاب أن هذا السياق البنيوي يجعل الدولة عاجزةً عن التخطيط الاستراتيجي أو تنفيذ سياسات تنموية فعّالة، وهو ما يحد من قدرتها على تحقيق النمو المستدام وضمان رفاهية المواطنين. فغياب مؤسسات قوية، وعدم تطبيق القانون على جميع فئات الشعب بصورة عادلة، كل ذلك يُسهّل تحويل التحولات الإقليمية إلى أدوات صراع داخلي، ويخلق بيئة خصبة للنزاعات المستمرة وتأخر جهود التنمية. وفي حالة السودان (وبعض الدول النامية الأخرى)، ساهم ضعف الدولة في المناطق الطرفية والحدودية في تعزيز الولاءات العابرة للحدود، مما جعل بعض الجماعات تنظر إلى الدولة بوصفها غير قادرة على حماية مصالحها، وهو ما أضاف طبقة أخرى من التعقيد للصراعات السياسية والاقتصادية.
ومن منظور التنمية المستدامة، يشير الكتاب كذلك إلى أن تحويل هذه الاختلالات الهيكلية إلى مسارات إصلاح يتطلب بناء دولة قوية قادرة على إدارة التنوع الثقافي والسياسي ضمن إطار مؤسساتي رشيد، وضمان تحقيق مشاركة جميع مكونات البلاد في صنع القرار، وكذلك ضمان توزيع الموارد والفرص بشكل متوازن. فالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية مترابطان بشكل وثيق، بحيث لا يمكن لأي دولة أن تحقق تنمية مستدامة إلا إذا تمكنت من بناء مؤسسات فعّالة، وتطبيق حكم رشيد يقوم على دستور يرتضيه غالب السكان، وتحويل الانقسامات الثقافية والسياسية إلى عناصر تكاملية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
تُظهر التجارب في عدد من الدول الأفريقية (من بينها بالطبع السودان) أن الحلول المستدامة للصراعات لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال توحيد الدولة وتعزيز مؤسساتها القومية، باعتبارها الإطار الشرعي الوحيد القادر على إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار والتنمية. فضعف الدولة لا ينشأ فقط من الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل يتغذى كذلك على محاولات منهجية لإضعاف مؤسساتها، سواءً عبر الصراعات الداخلية (المدعومة في الغالب من الخارج)، أو من خلال قوى داخلية و/أو خارجية تسعى إلى تقويض سلطة الدولة لتحقيق مصالح ضيقة. وفي هذا السياق، تصبح المؤسسات العامة للدولة هدفًا مباشرًا للتفكيك، مما يؤدي إلى تآكل الثقة بينها وبين المجتمع، ويقوض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. وفي الحالة السودانية، لم يكن تفكك مؤسسات الدولة نتيجة طبيعية للاختلافات السياسية أو الاجتماعية فحسب، بل جاء أيضًا نتيجة محاولات متعمدة لإضعافها، مما قد يؤدي هذا الوضع إلى إضعاف قدرة الدولة على فرض سيادة القانون، وضبط الموارد، وتقديم الخدمات، مما يفتح المجال دائما أمام مزيد من الانقسامات والصراعات التي تعيق مسار التنمية والاستقرار.
إن توحيد أي دولة لا يعني فقط إنهاء الانقسامات السياسية بها، بل يتطلب إعادة بناء مؤسسات قوية وفاعلة قادرة على العمل باستقلالية وكفاءة، بعيدًا عن المصالح الضيقة أو الولاءات الجزئية. فالمؤسسات القوية تمثل العمود الفقري لأي مشروع تنموي، وهي الضامن الحقيقي لاستمرارية الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات وتحقيق العدالة الاجتماعية. ومن دون هذه المؤسسات، تتحول الدولة إلى كيان هش يسهل اختراقه والتأثير عليه، سواء من الداخل أو الخارج.
عادة ما لا تقدّم الكتابات البحثية سردًا تاريخيًا لكل دولة، بل تستخدم البحوث هذه الحالات لتفسير ظاهرة كيف تتحول الهويات الثقافية الفرعية إلى أدوات سياسية وكيف تؤثر على الوحدة الوطنية، وبناء الدول والصراع أو الاستقرار السياسي. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يرى أن السودان يُعد نموذجًا بارزًا لفشل الدولة الوطنية في إدارة التعدد الثقافي والإثني. بالإضافة لعوامل أخرى للإقصاء ساهمت في نشوء قوميات فرعية تحولت إلى حركات سياسية مقاومة، ونتج عنها صراعات ممتدة أضعفت الدولة وأعاقت بناء هوية وطنية جامعة، إلا أنني أعتقد أن الأزمة السودانية لم تكن نتيجة لـ “تنوع ثقافي” فحسب، بقدر ماهي نتيجة لسوء إدارة هذا التنوع وغياب مشروع وطني شامل ومتوافق عليه؛ وعندما تُستخدم الهوية كأداة سياسية، تُمنح المناصب على أساس الانتماء لا الكفاءة والخبرة، وينتشر الفساد كوسيلة لإرضاء الجماعات الداعمة (وحتى المناهضة) لاستمالتها. عند ذلك تتحول الدولة عند تلك الجماعات إلى “غنيمة سياسية”. وكما هو معلوم ومشاهد فإن الدول التي تفشل في بناء مؤسسات محايدة تميل إلى الاعتماد على الولاءات العرقية مما يجعل الثقة بين المواطن والدولة تتضاءل، ويضعف هذا من فرص إقامة “حكم رشيد”.
وفي هذا السياق، يتضح أن القومية الثقافية الفرعية ليست سببًا جوهريًا لفشل الدولة، بل تعبيرًا عن ضعف الحكم الرشيد وهشاشة البنية المؤسسية. فالدولة القادرة على الاعتراف بالتنوع وإدارته سياسيًا بحكمة وعدالة، تستطيع تحويله من عامل تفكك إلى مصدر قوة واستقرار. كما أن معالجة التوتر بين الانتماءات الجزئية والهوية الوطنية لا تتحقق بالإنكار، بل عبر بناء دولة مواطنة تقوم على المساواة والمشاركة السياسية، وتدعمها مؤسسات قوية ولامركزية رشيدة، وتنمية متوازنة. غير أن الخلل يتفاقم عندما تتحول الأحزاب والجماعات المُسيّسة، التي تقوم أيديولوجياتها على الانتماءات القبلية أو الهويات الجزئية، إلى فاعل سياسي مهيمن؛ إذ تسهم هذه الأحزاب والجماعات في تقويض الفكر الديمقراطي من داخله، وتحوّل العملية الانتخابية من آلية تداول سلمي للسلطة إلى أداة لإعادة إنتاج الدولة على أسس قبلية محضة. وعند فوز مثل هذه القوى بالانتخابات وتوليها الحكم، تتعزز سياسات الإقصاء وتُعاد صياغة مؤسسات الدولة لخدمة الولاءات الضيقة، بما يُعجّل بتقويض الدولة الوطنية ويحوّل الانقسامات الاجتماعية إلى مغذيات دائمة للصراع عوضاً أن تكون مكونات ضمن مشروع وطني جامع.
ختامًا، يبيّن هذا التحليل أن استقرار الدولة وبناءها لا يتوقفان على تقليص التنوع الثقافي أو إنكاره، بل على كيفية إدارته ضمن مشروع وطني جامع يستند إلى حوكمة رشيدة ومؤسسات قوية ومحايدة. فحين تُدار التعددية بوعي سياسي وعدالة مؤسسية، يتحول عبء الصراعات إلى رافعة للاستقرار والتنمية المستدامة. ومن ثمّ، فإن الطريق إلى دولة قوية لا يمر عبر تفكيك الهويات، بل عبر إعادة بناء الدولة ذاتها بوصفها الإطار القادر على استيعاب التنوع، وضبط التنافس، وتحويل إرث الصراع إلى مسارات إصلاح ونمو تخدم الحاضر وتؤسس لمستقبل مستدام.

nazikelhashmi@hotmail.com

عن د. نازك حامد الهاشمي

د. نازك حامد الهاشمي

شاهد أيضاً

روافع التنمية والاستقرار السياسي عبر الأمن الجماعي في السودان

يشير مصطلح “روافع التنمية” إلى العوامل الأساسية والأدوات الاستراتيجية التي تمكن الدول من تحقيق التنمية …