lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في قلب دولتي السودان، حيث تتشابك السياسة بالقبيلة والطموحات الفردية، يظهر الدكتور ريك مشار كشخصية محورية في تاريخ الصراع السياسي والعسكري للبلاد. حاملاً دكتوراه في الميكانيكا ومتمتعًا بمكانة مرموقة في قبيلته الكبيرة، دخل مشار عالم السياسة بتفاؤل كبير، مدفوعًا بإيمانه بقدرته على تحويل الطموح الشخصي إلى قيادة سياسية حقيقية. انضم إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، ليصبح جزءًا من مسيرة التحرير الوطني، لكنه لم يكن مجرد مقاتل عادي؛ بل كان رجلًا يحمل رؤية أكبر، ربما أكبر من قدراته في قراءة تعقيدات المشهد السياسي. في بداية التسعينيات، ومع تصاعد الانقسامات داخل الحركة، وجد مشار نفسه في مواجهة تحدٍ لم يكن مجرد سياسي، بل أخلاقي واستراتيجي أيضًا. إذ حاول، بمساعدة الدكتور لام أكول، استقطاب المقاتلين من قبيلته لصالح مشروع سياسي جديد، معللين ذلك بغياب الديمقراطية داخل الحركة الأم. لكن هذا الطموح، مهما بدا مشروعًا على الورق، كان يفتقر إلى حساب دقيق للواقع السياسي والعسكري. أعلن مشار وأجاوين عن “إعلان الناصر” عام 1991، محاولةً لعزل القيادة العليا للحركة الأم والسعي نحو استقلال جنوب السودان، لكن بدلاً من توجيه سلاحهم نحو العدو، استُخدم ضد رفاق النضال، مدعومين من الحكومة المركزية في الخرطوم، التي رأت في الانشقاق فرصة لإضعاف الحركة الأم. رغم أن مشروع “الحركة الشعبية والجيش لتحرير السودان – جناح الناصر” كان طموحًا كبيرًا، إلا أنه لم يصمد طويلًا. انسلخت قيادة لام أكول سريعًا، معلنة تأسيس تنظيم جديد، تاركة مشار وحيدًا في مواجهة العواصف السياسية والعسكرية فغير اسم حركته الي حركة استقلال جنوب السودان بعد سقوط مدينة الناصر في يد القوات الحكومية. لم يجد مشار أمامه إلا الطريق الدبلوماسي نحو الخرطوم عام 1996م، لتوقيع اتفاقيات سلام أعادت له بعض المراتب السياسية، لكنها لم تمنحه السلطة الحقيقية. في كل خطوة كان يخطوها، كان يكتشف أن طموحه وحده لا يكفي لقراءة الميدان، وأن القوى السياسية الحقيقية تدار بعقلية تحكمها المصالح والقدرة على التحكم بالمسلحين، لا الطموحات الفردية. بينما كان مشار يواجه إخفاقاته، سلك ميني أركو مناوي مسلكًا مشابهًا في إقليم دارفور. مؤسس حركة وجيش تحرير السودان، اعتمد على ثقله القبلي من الزغاوة وسعى إلى أن يصبح قائدًا سياسيًا قويًا في المنطقة. خلال جولات التفاوض، بدا مناوي كقائد يمتلك القدرة على التحرك بين القوة السياسية والميدانية، لكن طموحه الشخصي دفعه للانفصال عن الحركة الأم واتباع اتفاقيات سلام مرحلية، لتبوؤ مناصب رمزية، لكنها بلا صلاحيات حقيقية. فكان عليه أن يواجه القوى الكبرى، ممثلة في الجيش السوداني وتحالفاته مع الحركة الإسلامية، والتي لم تتردد في توظيف الخلافات القبلية لصالح سيطرتها على المنطقة. ما يربط بين الرجلين في هذه المرحلة هو الاعتماد على الثقل القبلي كأداة لتحقيق الطموح السياسي، والرهان على تحالفات مرحلية مع النظم الحاكمة لتحقيق مكاسب سياسية. هذا الاعتماد لم يكن كافيًا لخلق قيادة مستدامة، بل جعلهما عرضة للخيبات والتآمر. فقد أدرك كل منهما أن السياسة ليست مجرد سلطة أو منصب، بل فن قراءة القوى والتعامل مع المتغيرات السياسية بشكل استباقي، وهو ما غاب عنهما في كثير من اللحظات الحاسمة. مع مرور السنوات، بدأت مرحلة جديدة من الصراعات السياسية التي لم تكن في الحسبان. التحالف مع الحكومة السودانية عبر اتفاقية الخرطوم للسلام بدا فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراق ريك مشار السياسية، ولكنه سرعان ما كشف له حدود هذه التحالفات المرحلية. فقد حصل على منصب مساعد رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس تنسيق الولايات الجنوبية، كما تغير اسم حركته من حركة استقلال جنوب السودان إلى “جبهة الإنقاذ الديمقراطية المتحدة UDPF”، لكن السلطة الفعلية بقيت رهينة لإرادة الخرطوم. القوة الحقيقية لم تكن في المنصب، بل في القدرة على السيطرة على الأرض وعلى المقاتلين، وهو ما اكتشف مشار أنه لم يتحقق بالكامل. انكشفت هشاشة وضع مشار بعد تصاعد النزاعات المسلحة في ولايتي الوحدة وأعالي النيل، حين اشتبكت قواته مع ميليشيات محلية متحالفة مع الحكومة بقيادة فاولينو ماتيب نيال، مما أجبر حاكم الولاية المعين تعبان دينق قاي من قبله على الفرار. كانت تلك اللحظة الأولى التي شعر فيها مشار بمرارة سوء التقدير السياسي، حين أدرك أن الثقة في تحالفات مرحلية مع الخرطوم لم تكن سوى وهم، وأن القوى الحقيقية تدار بعقلية مصلحية بحتة. الهروب إلى ألمانيا عام 1999 كان بمثابة اعتراف ضمني بأن الطموح وحده لا يكفي، وأن السياسة تتطلب قراءة دقيقة لكل تحرك داخلي وخارجي. موازاة مع ذلك، كان ميني أركو مناوي يسلك مسارًا مشابهًا في دارفور. بعد توقيعه اتفاقية أبوجا للسلام، حصل على منصب رئيس السلطة الإقليمية لدارفور ومساعد رئيس الجمهورية، وهي مناصب رمزية بلا صلاحيات فعلية، تمامًا كما حدث مع مشار في الجنوب. واجه مناوي تحديات مشابهة، إذ حاول فرض إرادته على شركائه السياسيين والحركات الأخرى، لكنه اكتشف أن الجيش السوداني / الحركة الإسلامية وتحالفاته القبلية كانوا يتحكمون بمفاصل القوة الحقيقية، وأن الاعتماد على الثقل القبلي وحده لا يمنحه القدرة على اتخاذ القرارات أو حماية قواته. الحركة السياسية لكل منهما أصبحت اختبارًا صارمًا للقدرة على الصمود أمام الخيانة والاستغلال السياسي. مشار واجه محاولات لإضعافه داخليًا وخارجيًا، بما في ذلك محاولات اغتيال وتآمر من حلفاء سابقين، فيما وجد مناوي نفسه مكشوفًا أمام تلاعب الجيش السوداني بالقبائل، حيث حُوِّلت التحالفات التي اعتمد عليها إلى ساحة صراع جديدة بين العرب والزرق في دارفور. في كلتا الحالتين، تكشف التجربة عن قاعدة مهمة: التحالفات المرحلية مع القوى الكبرى غالبًا ما تتحول إلى فخ سياسي، حيث تصبح الشخصيات المحلية أدوات لتحقيق مصالح الآخرين بدلاً من أن تكون صانعة لقراراتها. من خلال هذه التجارب، يصبح واضحًا أن الاعتماد على الثقل القبلي وحده لا يصنع قائدًا سياسيًا ناجحًا. إن التحالفات المرحلية مع النظم الحاكمة، مهما بدت مغرية، غالبًا ما تنتهي بالخيانة أو التهميش، ويصبح القائد عرضة للتحكم من قبل القوى الكبرى التي تتحكم بالموارد والسيطرة العسكرية. كل من مشار ومناوي، رغم مكانتهما وشعبيتهما، أصبحا أدوات في صراعات الآخرين، غير قادرين على صياغة المستقبل بيديهما. لكن العبرة لا تقتصر على إخفاقهما الفردي، بل تتجاوزها لتصل إلى الدرس الأكبر في السياسة السودانية: غياب المشروع الوطني الموحد والاستراتيجية الواضحة يحوّل القيادات الطموحة إلى رهائن للأحداث، فحتى التعليم أو القوة العسكرية أو الانتماء القبلي لا يكفيان لقيادة دولة أو بناء مشروع سياسي مستدام. السياسة الحقيقية تحتاج إلى رؤية وطنية، قدرة على قراءة القوى، وإدارة التحالفات بذكاء، مع الحفاظ على استقلالية القرار. أي قائد يسعى للنجاح في بيئة سياسية معقدة مثل السودان لا يمكنه الاعتماد على الطموح الفردي أو الدعم القبلي فقط. إن من يفتقر إلى مشروع سياسي وطني متكامل، ويعتمد على تحالفات مرحلية مع قوى خارجية، غالبًا ما سيجد نفسه بين المنافي، والإقامة الجبرية، والمحاكمات، أو مجرد أداة في صراعات الآخرين. مصير الدكتور ريك مشار وميني أركو مناوي يمثل تحذيرًا صارخًا لكل من يسعى للقيادة دون استراتيجيات واضحة، ويؤكد أن الطريق نحو قيادة ناجحة لا يمر إلا من خلال المشروع الوطني، الحنكة السياسية، والقدرة على التحرك باستقلالية داخل شبكة القوى المتشابكة. في النهاية، تظل التجربة السياسية لهذين الرجلين درسًا مؤلمًا ولكنه غني بالعبر، يوضح أن الطموح وحده لا يكفي، وأن من يريد أن يكون قائدًا حقيقيًا عليه أن يبني مشروعًا وطنياً شاملاً، ويوازن بين القوة، الاستراتيجية، والتحالفات بعقلانية، بعيدًا عن وهم السيطرة المؤقتة أو التوهم بالولاء القبلي. فالمستقبل السياسي لأي قائد يتشكل ليس بما يملك من منصب أو قوة، بل بكيفية إدارة المخاطر، قراءة الواقع، والحفاظ على استقلالية القرار في وجه المصالح المتشابكة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم