السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني من يعيد السودان للسكة

طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com

بالمناسبة السودان بعد الإستقلال خلال سبعة عقود كقاطرة قد خرجت من سكتها و لم تجد من يعيدها الى السكة لتبداء مسارها من جديد. هناك عوامل داخلية و عوامل خارجية ساعدت في تأخر ظهور سياسي سوداني مدرك للفلسفة السياسية و كذلك مدرك لفكرة الشرط الإنساني التي تعيد السودان لسكته لكي يبداء مساره ليلحق بمواكب الأمم المتحضرة و قد أنجزت إزدهارها المادي لينعكس في إرتفاع مستويات المعيشة بالنسبة لمجتمع من أفراد علاقة الفرد بالدولة الحديثة مباشرة بلا وساطة سواء كانت وساطة أوهام دولة الهوية الطائرة بجناحي العرق و الدين أو غيرهما من جهوية أضف إليها أعباء الريادات الوطنية غير الواعية و هي على الدوام تعيق مسيرة التنمية الإقتصادية و التنمية الإجتماعية من أجل تحقيق توازن إجتماعي و توازن إقتصادي.

ملاحظ أن في السودان وسط النخب السودانية تغيب فكرة أن علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا بفروعها قد أصبحت فروع من الفلسفة و أصبح دورها بارز في حل أزمة العلوم الإنسانية. و عندما نتحدث عن أزمة العلوم الإنسانية يبرز عجز النخب السودانية في عدم إدراكها لفلسفة التاريخ الحديثة و قد حققت القطيعة مع التراث الديني التقليدي سواء كان إعمالا لأنثروبولوجيا عمانويل كانط التطبيقية و قد أعملت القطيعة مع اللاهوت و قد أستفاد منها من المفكريين العرب محمد أركون في تقديمه للإسلاميات التطبيقية.

و هي قطيعة تامة مع الإسلاميات الكلاسيكية التي تقيّد أعتى العقول السودانية التقليدية و كذلك تقيّد النخب التقليدية و المثقف التقليدي السوداني و تجعلهم راضيين بأن يسيروا أسيرين في مواكب كأتباع للمرشد الكيزاني أو يسيروا في مسيرة الإمام الأنصاري أو زفة الختم و كله بسبب عدم ملاحظة كيف خرجت الشعوب من أزمة العلوم الإنسانية؟

و أدركت بأن لا خصوصية للمجتمع العربي الإسلامي التقليدي كما يتوهم أغلب النخب و من ضمنهم النخب التقليدية السودانية و قد غاب عن أفقها أن ظاهرة مجتمع ما بعد الثورة الصناعية و في ظل التحولات الهائلة في المفاهيم قد أظهرت أن لأول مرة في تاريخ البشرية يصبح تاريخ البشرية تاريخ واحد و يسير بإتجاه قيمة القيم و هي الحرية.

و خلال القرون التي أعقبت الإصلاح الديني قد أصبح مفهوم الدين أفقي و ليس عمودي و أن المجتمع البشري تفاعله تلقائي و عفوي و الفرد عقلاني و أخلاقي و بالتالي فأنه فعل إنساني متحرر من اللاهوت و من هنا إبتدرت المجتمعات البشرية تاريخ يرتكز على العقلانية و مجدها في إبداع العقل البشري و نزعته الإنسانية التي تبتدي معها مسيرة النزعة الإنسانية.

و معها أي النزعة الإنسانية فيها تظهر فكرة زوال سحر العالم و بها يصبح الدين أفق الرجاء و شأن فردي بين العبد و ربه بعيدا عن وساطة رجال الدين و نجدها قد صاغها عمانويل كانط في كتابه الدين في حدود مجرد العقل و قد أستفاد ماكس فيبر من أفكار عمانويل كانط.

و عن استفادة ماكس فيبر من أفكار كانط نجدها في حديثه و قد تحدث عن زوال سحر العالم أي في فكره لم يعد للدين أي دور بنيوي على صعد السياسة و الإجتماع و الإقتصاد.

و بالتالي قد أصبح علم الإجتماع بعد معرفي في ديالتيك فلسفة التاريخ الحديثة و أصبح كذلك فرع من فروع الفلسفة كما قلنا في مقدمة المقال و هدفه معادلة الحرية و العدالة و هي التي تعيد توازن الفعل الإنساني الذي يبحث عن التوازن الإجتماعي و التوازن الإقتصادي.

و لكي نوضّح فكرة مقالي و هي أن أغلب النخب السودانية التقليدية لم تدرك بعد بأن علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا بفروعها قد أصبحت فروع من الفلسفة يلزمني الذهاب الى عوالم عالم الإجتماع الفلسطيني هشام شرابي في حديثه عن الأبوية و الأبوية المستحدثة.

يؤكد هشام شرابي أن أكبر حاضنة للأبوية و الأبوية المستحدثة هو الفكر الديني التقليدي في العالم العربي و الإسلامي. و قد إنعسكت أي الحاضنة في إنتاج نخب تقليدية لم تستطع مجابهة أي تحدي و بالتالي التغلب على التحدي الذي يواجه المجتمعات التقليدية.

لذلك ظهرت بمشاريع ترقيعية مثل أن يظهر تيار من الإسلاميين بوهم أنهم يمكنهم تحقيق تحول ديمقراطي بفكرهم التقليدي كما يتوهم عبد الوهاب الأفندي و هو غارق في وحل الأبوية و الأبوية المستحدثة. و المؤسف مسايرة بقية النخب السودانية لهذه الأوهام.

و يظهر ذلك عندنا في السودان بأن غير الإسلاميين من النخب التقليدية نجدهم أكثر ترقيع في جهودهم الفكرية من الإسلاميين و خير مثال يمكن تقديمه لقاء نيروبي و فيه قد خدع الكوز خالد التجاني النور كثر من النخب السودانية بوهم أن الدين يمكن أن يكون له دور بنيوي في السياسة و الإجتماع و الإقتصاد و من بين المخدوعيين كل من كمال الجزولي و رشا عوض و الدكتور النور حمد و قد قدم فكرة المؤالفة بين العلمانية و الدين.

و هنا يتضح لنا أن غياب أفكار الفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية و غياب أفكار توضح أن علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا بفروعها و غيرها من العلوم الإنسانية قد أصبحت فروع من الفلسفة هو ما جعل النخب السودانية التقليدية صيدا سهلا للإسلاميين السودانيين كما حدث لكل من كمال الجزولي و رشا عوض و الدكتور النور حمد في لقاء نيروبي.

و للأسف كانوا ضحايا لأسيري الأبوية و الأبوية المستحدثة التي يمثلها الإسلاميين السودانيين بفكرهم التقليدي و قد رأيناهم عادوا كيزان كاملي الدسم كما فعل عبد الوهاب الأفندي مدافعا عن أفكارهم الإسلامية التقليدية في ظل الحرب العبثية بين جيشهم الكيزاني و صنيعته الدعم السريع و هو يظن أن هناك إمكانية لعودة الإسلاميين من جديد و هيهات.

في ظل مساعي ترامب و إعلانه أن جماعة الأخوان المسلميين جماعة إرهابية هل سأل ضحايا لقاء نيروبي أنفسهم بأنهم كان بإمكانهم تفادي هذه المهزلة لو كانوا مدركيين أن علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا بفروعها و خاصة أنثروبولوجيا كانط التطبيقية التي تعمل القطيعة مع اللاهوت قد أصبحت فروع من الفلسفة؟

بالمناسبة مساعي ترامب لإعلان جماعة الأخوان المسلميين جماعة إرهابية أحرجت كثير من النخب السودانية و أغلبهم ما زال يظن بأن تيار الإسلام السياسي السوداني تيار لا يمكن تجاوزه و هذا الإعتقاد بسبب ضعف مناهجهم التي ترزح تحت ظلال توهم الخصوصية لمجتمع عربي إسلامي تقليدي في وقت قد أصبح تاريخ الإنسانية يسير ببوصلة المجتمعات الحية و ليس برغبات أبناء الفكر الرغبوي فكر الإسلاميين الذي لا يعرف الطريق الى الشك و هو روح مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.

و هنا وجب أن نرجع لهشام شرابي في حديثه عن كيف يمكن فك و كسر دائرة الأفكار الخبيثة المغلقة و فيها يتحدث عن كيفية تحرير المجتمع من أسر الفكر الديني التقليدي كحاضنة للأبوية و الأبوية المستحدثة؟ هشام شرابي كان يتحدث عن حرية المراءة قولا و فعلا من سطوة الأبوية و سطوة المجتمع الخانع للأبوية و الأبوية المستحدثة.

و بالمناسبة منهج هشام شرابي كان واسع جدا يمتد في حقول علم الإجتماع و علم النفس و الفلسفة و عبرهن أعاد قراءة ماركسية ماركس و عنده قد أصبح ماركس في الأغلال و ليس ماركس الطليق كما عند الشيوعي السوداني بنسخته الشيوعية المتكلسة.

أمثال هشام شرابي كان لا يمكن أن يحرجه إعلان ترامب لجماعة الأخوان المسلميين كجماعة إرهابية لأن هشام شرابي كان مدرك أن هناك تحول هائل في المفاهيم بعد الثورة الصناعية و أن مسألة لحاق العالم العربي و الإسلامي التقليدي بالعالم الحديث مسألة زمن لا أكثر و بعدها يتخلص العالم العربي و الإسلامي من أصنامه الذهنية.

و لكي نوضح ذلك في مطلع سبعينيات القرن المنصرم أعلن هشام شرابي بأن ساعة إنفكاك العالم العربي من أصنامه الذهنية قد حانت و قدم مشروعه و لكن بسرعة و بحصافته أيضا أعلن سحب مشروعه و قد أدرك أن فشل الجمهوريات في العالم العربي قد فتح على ظهور فكر الإحياء الديني و جماعات الإسلام السياسي و الفكر المنغلق. و لك أن تتصور كيف يمتد تغبيش الوعي على مدى نصف قرن بعد سحب شرابي لمبادرته و بعد نصف قرن يعلن ترامب أن جماعة الأخوان المسلمين جماعة إرهابية.

و هنا يتضح كيف كان هشام شرابي متابع جيدا و مدرك لكيفية تنامي الوعي و تنامي الفكر الذي يتيح فرصة الإنعتاق بإمكانية كسر قيود الأبوية و الأبوية المستحدثة و حاضنتها المتمثلة في الفكر الديني التقليدي و هنا يتوجب الحذر أنظر كيف مر نصف قرن بين سحب هشام شرابي لمبادرته و كيف تمدد الفكر الإحيائي الإسلامي المنغلق و كيف كانت حصيلته من شهوة سلطة الإسلاميين و سطوة إستبدادهم و عليه الملاحظة التي لا تخطئها العين أن الإسلاميين يمكنهم إرباك لحظات التحول الديمقراطي و لكن لا يمكنهم العودة البتة في عالم قد أصبحت فيه الديمقراطية و قيم الجمهورية بديلا للفكر الديني لأن فكرهم ليس من عالم عصرنا الحديث.

و من هنا أدعو لليقظة و على النخب السودانية بأن تسير على يقظة بيان الرباعية و فيه إبعاد للجيش الكيزاني و إبعاد لصنيعته الدعم السريع و إبعاد للكيزان و هنا يأتي دور اليقظة التي تشير الى الإنعتاق الذي يحتاج لفكر جديد لم تعتاد النخب السودانية التقليدية على إرتياده.

و هذه اليقظة تقول لنا أن إبعاد الكيزان في بيان الرباعية يتشابه مع إعلان ترامب بإعلان جماعة الأخوان المسلميين كجماعة إرهابية و أن عهدا جديدا قد بداء في العالم العربي و الإسلامي لكي ينعتق من تقليديته و ينعتق من تجار الدين و يبداء مسار العقلانية و إبداع العقل البشري و اليقظة التي إنبه لها هي ألا يفوّت السودانيين هذه البداية السعيدة التي تحطم أصنام الإسلاميين الذهنية.

فعالمنا المعاصر عالم قيم الجمهورية و عالم قيم فصل الدين عن الدولة بلا لكن و بالتالي تتحقق فيه المساواة بين أفراد مجتمعه و تكون هناك إمكانية تحقيق المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد.

و عبر اليقظة الفكرية التي أدعو لها أعيد نشر فكرة أن السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني هو الذي يقود التحولات الكبرى و يظهر في زمن الثورات الكبرى التي تعقبها التشريعات الكبرى. و أعيد نشر أن أفكار السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني مبتداء و مفتتح التشريع و ليس أفكار القانوني التقليدي كما يتوهم أغلب النخب السودانية التقليدية و قد رأينا وثيقة القانوني السوداني التقليدي و قد فتحت على الشراكة مع العسكر و هذا خطاء شنيع لا يقع فيه السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني.

لذلك في ظل الثورات الكبرى و التحولات الكبرى يتقدم السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و يأتي بعده الإقتصادي و من ثم علماء الإجتماع و الأنثروبولوجيين و جميعهم يساهمون في إنتاج فلسفة سياسية و فلسفة إقتصادية تحقق معادلة الحرية و العدالة بعد إدراك أن علم الإجتماع و الأنثروبولوجيا قد أصبحتا فروع للفلسفة التي تجابه مشاكل عصرنا الراهن.

في ختام هذا المقال نحاول أن نعالج فيه كيفية إعادة السودان لسكته بعد أن خرج منها طيلة السبعة عقود التي أعقبت الإستقلال كما أوردنا ذلك في مقدمة المقال و هنا نستحضر شطحة من شطحات فردريك نيتشة و فيها يقول بأن البشرية منذ ليل الحياة بينها و بين طريقها الذي ينبغي أن تسلك و يسير فيه الإنسان المتفوق بضع خطوات.

إلا أنها ما زالت في صراعها مع جبّار الصدف الذي يحول بينها و طريقها الذي لم تصله بعد و هذا هو حال السودان و جبّار الصدف الذي يحول بيننا و طريق الإنسان السوداني المتفوّق يصارعه فيه زومبي الكوز السوداني الذي يحول بيننا و بين طريق الحياة و ها هو ترامب بإعلانه جماعة الأخوان المسلميين جماعة إرهابية يقضي على جبّار الصدف الكيزاني الذي يحول بين السودانيين و إنتصارهم للحياة.

أما فيما يتعلق بفكرة السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني الذي يتقدم على الإقتصادي و عالم الإجتماع و الأنثروبولوجيين نذكر الدور الذي لعبه فرانسواة ميتران في فرنسا في مطلع الثمانيينيات من القرن المنصرم و تزامن مع تاتشر في بريطانيا و ريغان في أمريكا.

لاحظ أيها القارئ ماذا فعل فرانسواة ميتران لم يختار فرانسواة ميتران ديناميكية النيوليبرالية كما فعلت تاتشر و ريغان بل أختار فرانسواة ميتران المقطع الرأسي أي فكرة الإستهلاك المستقل عن الدخل لكي يؤسس لفكرة الضمان الإجتماعي و فكرة الحد الأدنى للدخل لحفظ كرامة الإنسان بإختصار شديد لم يختار فرانسوة ميتران فكر فردريك هايك في النيوليبرالية بل أختار الكنزية و فكرة التدخل الحكومي و قد سار بفرنسا في خط معاكس لمسيرة تاتشر و ريغان و إبحارهما في النيوليبرالية.

و هنا أردنا أن نوضّح أن فرانسواة ميتران سياسي مدرك لفكرة الشرط الإنساني لذلك أختار الكينزية و فكرة التدخل الحكومي و لم يختار النيوليبرالية و هذا هو البعد الذي أردت توضيحه أن السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني هو الذي يختار الفكر الإقتصادي من بين طيات أدب النظريات الإقتصادية و تاريخ الفكر الإقتصادي و يسوق به مسيرة مجتمعه نحو أفق تؤشر إلية معادلة الحرية و العدالة في سيرها المفتوح على اللا نهاية.

و كما أوضحنا من قبل و قلنا أن تاتشر كسياسية مدركة لفكرة الشرط الإنساني طلبت من فردريك هايك مقابلتها من أجل أن توظف فكره في النيوليبرالية لكي تنقذ بريطانيا من أزمتها و هذا هو السياسي الذي أتحدث عنه فهو الذي يقود الإقتصادي و يقود عالم الإجتماع و يقود الأنثروبولوجيين.

و إذا ظهر عندنا في العقود القادمة و أقصد السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني سوف تسير مسيرتنا بإتجاة ممارسة السلطة و ليست محاصصتها و كذلك تسير مسيرتنا بإتجاه مفهوم الدولة الحديثة التي تكون فيها العلاقة مباشرة بين الفرد و الدولة لكي تحقق للفرد فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد. و من علامات ظهور السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني في السودان أن يكون خطابه قاسم مشترك ينهي عدم ثقة النخب السودانية في بعضها البعض و في ظل فكره يثق مفكري الهامش في مفكري المركز و تصبح إمكانية ممارسة السلطة ممكنة و ليست المحاصصة و من ممارسة السلطة و ليست محاصصتها تولد فكرة الدولة الحديثة المنتظرة في السودان.

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

اليقينيات والحتميات والوثوقيات والفكر الرغبوي عند الكيزان والشيوعيين

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com بين الحقبتين إنتهاء عالم قديم لا يمكن إعادة إكتشافه و لا يمكن ترميمه …