علاء خيراوي
■ ليست كل الإهانات التي تتعرض لها الشعوب تأتي من خارج حدودها؛ فبعضها يتضاعف وقعاً حين يصدر عن الحاكم الذي يفترض أنه المؤتمن على كرامتها وحياة مواطنيها. وما شهدته وادي حلفا مؤخراً، من خطاب عبد الفتاح البرهان، الذي وقف يشكر مصر ويطمئن رعاياها إلى أمنهم وسلامتهم، بعد أيام من الغارات الدامية التي أودت بحياة عشرات المعدّنين السودانيين قرب الحدود، يضعنا أمام مشهد سياسي بالغ الاستفزاز والاستخفاف المتعمد والاستفحال في الإهانة والتمادي في الإساءة. فأسر الضحايا لا تزال تنتظر الحقيقة والعدالة، والاتهامات الموجهة إلى القوات المصرية لم تجد إجابات حاسمة، بينما اختار قائد الجيش السوداني أن يوجه إلى القاهرة رسالة ود وامتنان في توقيت كانت فيه الكرامة الوطنية تستدعي منه موقفاً مختلفاً في وضوحه وأولوياته. وليس الاعتراض على حماية المصريين المقيمين في السودان، فتلك مسؤولية لا يجوز التهاون فيها، وإنما على غياب الموقف العلني المكافئ في الدفاع عن السودانيين الذين سقطوا في الصحراء. والبرهان الذي لا يكف عن الحديث عن السيادة ورفض التدخل الخارجي مطالب بأن يفسر للسودانيين كيف تستقيم هذه الشعارات مع خطاب يطمئن الدولة التي تواجه قواتها اتهامات خطيرة، بينما تظل أسر الضحايا تنتظر إعلاناً واضحاً بالإجراءات التي اتخذتها سلطته. فأي سيادة هذه التي تحتشد لها الخطب في مواجهة الخصوم السياسيين، ثم تتراجع لغتها حين تصبح المساءلة متعلقة بالقاهرة؟ وأي كرامة وطنية تلك التي يحاضر بها الحاكم شعبه، بينما لا يجد المواطن المقتول على الحدود ما يكفي من الحزم السياسي للدفاع عن حقه في العدالة. وفي الوقت الذي أعلن فيه الجيش المصري في الثاني عشر من أكتوبر ٢٠٢٦، مواصلة المرحلة الثالثة من حملته ضد ما وصفه بالتنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، متحدثاً عن فرض السيادة وحماية الثروات، ومشيراً إلى منشورات تحذيرية سبقت العمليات. ولم يتضمن البيان اعترافاً صريحاً بتنفيذ الغارات التي قُتل فيها المعدّنون السودانيون، لكن صدوره في أعقاب تلك الغارات، وما تضمنه من حديث عن استخدام القوات المسلحة في مكافحة التعدين، يجعلان المطالبة بكشف طبيعة العمليات ومواقعها ووسائلها أمراً لا يجوز التهرب منه. والأشد إثارة للاعتراض أن الخطاب المصري تحدث عن السيادة والثروات، لكنه لم يقدم إجابات شافية عن الضحايا الذين أثارت وفاتهم غضباً واسعاً في السودان. وما يطالب به السودانيون ليس امتيازاً تمنحه لهم القاهرة، بل حق في معرفة الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن إزهاق الأرواح. فلا الذهب أغلى من الإنسان، ولا الحدود تمنح الجيوش حق التصرف في حياة المدنيين خارج القانون، ولا الحديث المتكرر عن الأخوة بين الشعبين يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة.
■ أما البرهان، فإن مسؤوليته السياسية لا تبدأ عند إدانة الخصوم، ولا تنتهي عند رفع شعار الكرامة، وإنما تُختبر تحديداً عندما تتعارض حقوق المواطنين مع حسابات الحلفاء. فالرجل الذي يطالب السودانيين بالاصطفاف خلفه باسم السيادة لا يستطيع أن يتوقع منهم قبول الغموض حين يتعلق الأمر بدماء أبنائهم. وإذا كانت سلطته قد اتخذت إجراءات دبلوماسية أو قانونية تجاه القاهرة، فمن حق الشعب أن يعرف طبيعتها ونتائجها، ومن حق أسر القتلى أن تعرف ما إذا كانت التحقيقات قد حددت مواقع الضربات والجهة المنفذة والمسؤولين عنها. أما الاكتفاء بالحديث عن المصالح المشتركة والكهرباء والتجارة، دون منح قضية الضحايا المكانة التي تستحقها في الخطاب الرسمي، فيبعث برسالة سياسية قاسية إلى السودانيين. فالكهرباء ليست مِنّة تستوجب الامتنان السياسي غير المشروط، والتجارة ليست ثمناً للصمت، والعلاقات بين الدول لا تستقيم إذا أصبحت حقوق المواطنين أضعف حلقاتها. وهنا تتجاوز القضية حادثة المعدّنين إلى سؤال أكبر عن طبيعة السلطة التي تحكم السودان؛ سلطة تجعل من السيادة شعاراً للتعبئة السياسية، بينما يطالبها المواطنون بإثبات معناها عبر حماية الحقوق والشفافية والمساءلة. إن السيادة التي لا تحمي المواطن لا تكفيها الخطب، والكرامة التي لا تجد ترجمتها في قرارات الدولة تصبح كلمة تتردد على المنابر أكثر مما تُصان في الواقع. وأخيراً، فإن السيسي والبرهان يقفان أمام مسؤوليتين لا ينبغي الخلط بينهما أو إعفاء أي منهما من المساءلة. فالقاهرة مطالبة بكشف حقيقة العمليات العسكرية التي نفذتها قرب المناطق الحدودية، والتعاون مع تحقيق مستقل في مقتل المعدّنين، وتحديد المسؤوليات عن أي استخدام غير مشروع للقوة. والبرهان مطالب بأن يثبت، بالأفعال لا بالخطب، أن حياة السودانيين وكرامتهم لا تحتلان مرتبة أدنى من علاقات سلطته الإقليمية. فالسودان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا مجالاً أمنياً مفتوحاً لإرادة جيرانه، ولا دولة يجوز أن تُعلّق فيها المطالبة بحقوق المواطنين مراعاةً لتحالفات الحكام. وليت الذين يرفعون شعارات السيادة يتذكرون أن الدولة لا تستمد كرامتها من قوة خطابات قادتها، وإنما من قدرتها على حماية مواطنيها ومساءلة من يعتدي عليهم. وأن الشعب الذي صبر على الحرب والتشريد والفقر ليس مطالباً بالصبر على الغموض حين تُزهق أرواح أبنائه. فالأيام دُوَل، وموازين القوة لا تدوم، أما الحقوق فلا تزول لمجرد أن أصحاب السلطة لم يطالبوا بها بما يكفي من الحزم. وسيظل السؤال قائماً أمام السيسي والبرهان معاً؛ من يتحمل المسؤولية عن الدماء التي أُريقت، ومتى يعرف السودانيون الحقيقة كاملة؟ أما البندقية التي أهداها البرهان المجد، فإن سجل الحرب والانتهاكات المنسوبة إلى القوات الخاضعة لقيادته يطرح السؤال المرير عن نصيب السودانيين من ذلك المجد؛ فكم من بندقية وُجهت إلى صدورهم، وكم من دم أُريق باسم الوطن والكرامة؟ وهل يريد البرهان اليوم أن يضيف إلى مجد بندقيته المزعوم مجداً آخر لبندقية السيسي، بينما لا تزال دماء المعدّنين السودانيين تطالب بكشف الحقيقة والقصاص العادل؟ وليعلم الرجلان أن السلطة ليست حصانة أبدية، وأن حساب المسؤولين عن الدماء التي تثبت مسؤوليتهم عن إراقتها لا بد أن يأتي، مهما طال الزمن. فالأيام دُوَل، وموازين القوة تتبدل، وحقوق الضحايا لا تموت، والتاريخ لا ينسى من اعتدى، ولا من تستر، ولا من صمت وهو مؤتمن على أرواح شعبه.
