عدنان زاهر
عدد كبير من الأفلام السينمائية اليوم يتطرق و يتناول موضوع السياسة بأشكال مختلفة، و الباعث لذلك في تقديري ان السياسة يتداخل في مضمونها كثير من القضايا الاجتماعية و الاقتصادية. بالإضافة لذلك انتهاكات حقوق الانسان و الحروب التي تعم وتغطى مساحة كبيرة من العالم، ثم محاولات المخرجين الحثيثة لعكس التجارب المختلفة و الصورة السياسية لبث الوعى و التعاطف مع ضحايا الانتهاكات.
الموضوع الذى اتناوله في هذا الحيز يدخل في صلب علاقة السياسة بالسينما و تم تجسيد ذلك إبان الجوائز التي تمنحها جمعية تورنتو للنقد السينمائي
Toronto Film Critics Association TFCa
و من ضمنها جائزة ( روجرز ) لأفضل فيلم روائي ووثائقي و هما فيلمى ( البلشون الأزرق ) للمخرجة ( صوفي رومفارى ) و الفيلم الوثائقي ( كوكيز ” بسكويت ” بلا نهاية ) للمخرجين الأخوة سكرايفر و من ثم الفيلم الأجنبي ( معركة تلو الأخرى ) للمخرج توماس اندرسون. جائزة أفضل فيلم يمنح الفيلم الكندي مبلغ 50,000 دولار و لا يمنح الفيلم الأجنبي أي جائزة غير التقدير المهني و الفني.
أما جائزة أفضل ممثل مساعد التي فازت بها الممثلة و المخرجة ( أيل مايا تيلفيذرز ) عن فيلمها ( الطفل الملائكي العذب ) أو
Sweet Angel Baby
فقد قامت برفض الجائزة لأن ( لجنة النقاد ) قامت بحذف جزء من خطابها المسجل الذى ارسلته ليقرأ في المهرجان. الجزء المحذوف من كلمتها أو الذى تمت ( سنسرته ) يتعلق بالتضامن مع سكان غزة ووصفها لما يحدث هنالك بأنه ( جينوسايد ). بررت اللجنة ذلك الحذف بضيق وقت المهرجان، العذر الذى لم يلقى قبولا لدى الممثلة ، وتضامن معها عدد من النقاد يبلغ العشرين ناقدا تقدموا باستقالتهم من اشهرهم، ( بارى هيرتيز )، ( راديان سيموتبيلاى ) و( كريم افنان ) و هم يكتبون عن السينما في اشهر الصحف و المجلات بكندا.
أرى من الضروري إيراد الجزء المحذوف من الكلمة المرسلة لتبيان ضخامة الحذف و ( السنسرة ). و قبل ايراد النص أريد أن أقول أن هذا الحذف لم يكن بريئا ،بل هو موقف سياسي لا يعبر عنه صراحة و مؤيدا لما تقوم به إسرائيل في فلسطين. الجزء الذى تم حذفه بالإنجليزي و العربي هو :
( My heart remains with the people of Palestine facing ongoing Genocide, and I thanks every one in this industry who has the courge to say anything )
قلبي لا زال مع شعب فلسطين الذى يواجه الإبادة الجماعية المستمرة، و اشكر كل من في هذه الصناعة يملك الشجاعة لقول أي شيء.
المخرجة و الممثلة ( ايل مايا ) صغيرة في العمر فهي من مواليد 1985 و من سكان كندا ( الأصليين ) و ذلك يعطيها وضعا خاصا، أما والدها فترجع أصوله الى الدنمارك.
2
الشخصية التي قامت بحذف الجزء المتعلق بفلسطين هي رئيسة جمعية النقاد ( جوهانا شنيكر ) و هي ناقدة سينمائية مشهورة تكتب في صحيفة (غلوبال أند ميل ) المحافظة، و تعتبر من الحرس القديم الذى لا يتعاطف مع توجه السينما السياسي، كما انه يضع اعتبارا خاصا لممولين الجوائز، الممول لهذه الجائزة هي شركة ( روجرز ) اكبر شركات الاتصال الكندية !
قدمت رئيس الجمعية اعتذارا تم رفضه فتقدمت باستقالتها ، و في محاولة لرأب الصدع قدم القائم بأعمالها اعتذارا آخر تم رفضه أيضا من قبل الأعضاء المستقيلين الذى قدموا مطالب أخرى طالبوا فيها باستقالة إدارة الجمعية الحالية، إجراء انتخابات مبكرة وتعديل الدستور ليحمل نصا يؤكد على حماية الحريات و يمنع الحذف و ( السنسرة ). كما اقترحت الممثلة ( إيل إيليا ) أن تذهب الجائزة المالية التي خصصت لها وهي خمسة الف دولار، الى مؤسسات تدعم صناع الأفلام في المناطق المتضررة من الحروب.
في اعتقادي بأن ما يدور حاليا في جمعية النقاد سوف تؤثر مستقبلا على صناعة السينما في كندا، خاصة العلاقة بين مهرجان تورنتو السينمائي و لجنة النقاد و هي علاقة أشبه بالتوأمة. مهرجان تورنتو السينمائي أصبحت له مكانة خاصة بين مهرجانات السينما العالمية مثل مهرجان كان ، البندقية ، مهرجان برلين …الخ معظم الأفلام التي تعرض في مهرجان تورنتو تجد طريقا للفوز بالأوسكار، لذلك يحرص المخرجين للمشاركة بأفلامهم في هذا المهرجان. غالبية الأفلام التي تعرض في مهرجان تورنتو تتناول قضية الحريات ، حقوق الانسان ، مناهضة العنصرية و الحروب كما تتعرض للقضايا الاجتماعية التي تتأثر بها المجتمعات الإنسانية.
3
و نحن نتناول أحداث ( لجنة نقاد تورنتو ) لا بد نتحدث عما حدث في مهرجان برلين الذي أقيم في فبراير من نفس هذا العام، و الذى رفضت فيه المخرجة التونسية ( كوثر بن هنية ) الجائزة عن فيلمها ( صوت هند رجب ) و هي جائزة ( الفيلم الأكثر قيمة ) لأنها ترى ان تكريم شخصية عسكرية إسرائيلية في نفس الأمسية التي يحتفى فيها بتوثيق مقتل طفلة فلسطينية يمثل تناقضا أخلاقيا.
المخرجين و الممثلين الشباب لم تعد لديهم الاستطاعة العملبإنصاف الحلول فهم يؤمنون بأن السينما أداة لبث الثقافة ، المعرفة والوعى و لها مهام أخرى و هي أن تتناول قضايا الشعوب المضطهدة و التي تنتهك حقوقها، قضايا العنصرية البغيضة، انتهاكات حقوق الأنسان و قضايا المرأة. السينما يجب أن توظف كأداة للمقاومة بجانب المتعة الفنية.
المخرجين الشباب و النقاد يرفضون المعايير المزدوجة، الرقابة الناعمة و الديمقراطية الزائفة، هذا التيار سوف ينتصر و( يكنس ) من صناعة السينما كل الأفكار و التقاليد البالية . نحن سوف نشاهد عصر جديد للسينما.
عدنان زاهر
12 مارس 2026
elsadati2008@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم