السُجُودُ لله ِ على أرضِ الكُفْرِ .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

 

إنهم فتية من مختلف الأعمار والأقطار المتباعدة على خريطة العالم، جمعتهم الدنيا هذه المرة على صعيد واحد. والضرورة بعض الأحيان لها أحكام تفرض سيطرتها، جمعتهم هكذا ليتفقوا، يتحدوا ويتعاونوا هدفهم واحد وعزمهم واحد وقوي على تنفيذ خطة رسموها أكيد لا تراجع عنها فقد كلفتهم الغالي والنفيس. هم فتية نتاج سلالات بني آدم الذين تفرقوا عبر ملايين السنين التى جعلت من تكاثرهم قبائل وأمماً تختلف شكلاً ولوناً ولغة أو لهجة. لكن هذه المرة أجبرتهم الدنيا العبوس على نسيان اختلاف أشكالهم وألوانهم وطبائعهم فرجعوا إلى أصلهم “دم ولحم” بأنهم إخوة كلهم لآدم وآدم من تراب، فتوافقت مطالبهم وتوحدت كلمتهم ووجهتهم باتخاذهم القرار الصعب هروباً من جحيم فقر بلادهم وظلم وبطش حكامها وحروب داخلية شردتهم. توحد مقصدهم وكان تصميماً لا رجعة فيه “إذا ضاقت بك الدنيا العبوس فالموت بركوب البحر أهون “. من بلاد مسلمة كانوا هم ، وعبر حدود بلاد مسلمة هي نفسها طاردة وغير مرحبة، بل ذاقوا فيها أبشع مرارات الحياة وتعرضوا لجميع أنواع الإبتزاز منالأذى المعنوي والجسدي والأهم المالي، فركبوا غير آبهين بل مصممين قارب التهلكة والمجهول “السمبوك المطاطي الصغير” الذي صار ت تلعب به أمواج بحر الضياع المرعبة. الكل لا يمكنه التنبوء بمصيره الحتمي وهو يحط رجله اليمنى قبل اليسرى داخل السمبوك من غير تردد، لأن ذرة من أمل النجاة بقيت تنبض مع كل ضربة من ضربات قلبه المتصاعدة سرعتها جعلت تنير ظلمات جوانحه الحزينة، وحلم كبير على النقيض أيضاً بعيداً من الخوف كان يؤانسه ويجعله يتخيل كيف سيتغير حاضره ومستقبله إذا وصل سالمًا إلى شواطيء بلاد جون. أما وإن ابتلعه البحر فربما يحسب شهيداً ويكرمه الله بجنة عرضها السموات والأرض .

بأعجوبة وقدر من الله الذى له فى خلقه شئون وتصريف فقد كتبت لذلك القارب النجاة حتى الشاطيء الأخر من ساحل البحر الأبيض المتوسط. ماذا فعل جمع الفتية المتلهف للنجاة؟ إنهم قفزوا من القارب كما تقفز الغزلان فى الهواء مثل الطيور هرباً من هجوم السباع التى تطاردها. وبعفوية مؤثرة خروا كلهم” جماعة” على تلك الأرض ساجدين لله شكراً من الأعماق كان، فجاء صادقاً . وسجود شكر الله علىأرض “الكفر” طعمه غير عند الناجين من موت محقق، ولفيه دلالات ورسالة قوية إلى رعاة الرعية فى بلادهم بل كل بلاد المسلمين. ماذا يا ترى سيكون مصير هؤلاء النفر من الشباب لو حط قاربهم على ساحل أي من الدول العربية أو الإسلامية ؟

حمداً لله وشكراً على سلامتهم وحمداً لله أنهم سيجدون كل الرعاية والعلاج والتأهيل وسيكون لهم مستقبل واعد يعود بالخير عليهم وعلى أهلهم إلى أن يموتون. سيكونون أكثر تديناً وإيماناً وورعاً لأن الإسلام موجود فى تلك الدول وسيكونون خير السفراء لبلادهم. على النقيض من التجارب المؤسفة أننا بعض الأحيان نشعر بالحرج الشديد عندما يزورنا فى أروبا عالم أو خطيب من بلاد المسلمين ( خاصة خلال شهر التسامح رمضان) ويُقدَّم إكرامًا ليلقي خطبة الجمعة ، اسمعوا ماذا يقول بعضهم أثناء الدعاء ” اللهم جمد الدماء فى عروقهم” ناسياً أن الكثير من المصلين تكفلهم الرعاية الإجتماعية لتلك الدولة المستضيفة أو يعملون مشاركين أولئك “الكفر” فى المكاتب والمصانع والمستشفيات ويجدون كل الإحترام والمساواة مثلهم فى كل الحقوق. ناسياً كذلك أنهم سمحوا للمسلمين بناء الجوامع وممارسة شعائر دينهم . ألا نكون قدوة حسنة وشاكرين لمن هم يحسنون إلينا؟

ختاماً عزيزي القاريء الموقر ، أتعجب وهذه الصورة المؤلمة ومحزنة مأساتها صارت تتكرر وفى معظم الحالات تنتهي رحلة المجهول إلى أروبا بموت كل الحالمين بحياة ومستقبل أفضل ومن بينهم حتى الأطفال الرضع. فأين هم دعاة تلك البلاد المسلمة وأئمة مساجدها وأين برلماناتهم وإتحاداتهم ومجالسهم وجامعاتهم العربية والأفريقية فهل فكروا يوماً ودعوا للجلوس مع بعضهم لعقد مؤتمرات يتدارسون فيها أسباب مخاطرة الشباب بأرواحهم التى لا يستفيد من ثمنها سوى مافيا تجارة البشر. لابد من مكافحتها بشدة ولإيقافها بتوفير فرص التعليم ومن بعده توفير فرص العمل لهؤلاء الشباب لكي يستقرون وينتجون ويبنون أسر جديدة وعوالم جديدة وإشراقات من صنع أفكارهم تعود على أوطانهم بالنفع والخيرات؟.

drabdelmoneim@yahoo.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …

اترك تعليقاً