السُّودانُ: وطنٌ يَحْتَرِق ونُخَبٌ غائبة ..!

د. فيصل عوض حسن

يمرّ السودان اليوم بأكثر لحظاته التاريخيَّة قسوةً وتعقيداً. فالحربُ تُمزِّق الجُغرافيا، والاقتصادُ يترنَّح ويمضي نحو الانهيار، والمُجتمع يَئِنُّ تحت ثقل الأزمات التي لم تترك مجالاً لترف الانتظار أو رفاهيَّة الجدل العقيم. وفي إطار هذا المشهد القاتم، تبرز أسئلة مُلِحَّة لا يُمكن القفز فوقها: أين النُخَب السُّودانِيَّة مما يحدث؟ ولماذا ظَلَّت أسيرة لدور المُتغافل أو المُراقب الذي يصف الأزمات ويحللها من بعيد؟ ومتى ستملك الشجاعة وتنتقل من موقع التعليق إلى موقع الفعل، ومن لُغةِ التحليلِ إلى لُغةِ الحلول؟

المُفارقة المُدهشة، أنَّ السيد/مالك عقار، نائب الجنرال عبد الفتاح البرهان، فاجأنا بدعوته لاستشراف المُستقبل وإعادة بناء السُّودان بعقليةٍ جديدة؛ تضع في مُقدِّمة أولويَّاتها إعادة إعمار الإنسان السُّوداني نفسه: وعياً وروحاً وقِيماً، جنباً لجنب مع دفع عجلة الاستثمار والأنشطة الاقتصادِيَّة بأيدٍ وعقولٍ سُّودانِيَّة، وتفعيل قوانين مُحاربة الفساد وضبط الأداء وترسيخ ثقافة التطوير. ولكن، وكما هو مألوفٌ في واقعنا السُّوداني المأزوم، لم تَمُر هذه الدعوة دون أن تتفجَّر حولها موجة من السُخريَّة والرفض والتأييد. بعضهم استقبلها بالتهكُّم، وبعضهم بالعداء، وآخرون بالصمت الذي لا يقل سلبيَّةً عن الرفض نفسه. ولم يقتصر هذا الانقسام على عامَّة النَّاس، بل شمل شريحةً واسعةً من المُتعلمين السَّودانيين، الذين يُفترض أنَّهم أكثر قُدرة على النظر إلى القضايا بعينٍ موضوعِيَّةٍ تتجاوز الأشخاص إلى جوهر الأفكار.

رغم تحفُّظاتي العميقة جداً على المسيرة السياسِيَّة لمالك عقار، وما شابها من تَقَلُّباتٍ ومواقفٍ مُثيرةٍ للجدل والاشمئزاز، إلا أنَّ الفكرة التي طرحها في هذه الجُزئِيَّة تحديداً ليست موضع خلاف عقلاني. فالسُّودان يحتاجُ بالفعل إلى إعادة بناءٍ شاملة، تبدأ من الإنسان قبل الحجر، ومن الوعي قبل البُنيان.

في تقديري أنَّ المُشكلة الحقيقيَّة لا تكمُن في هذه التصريحات، بقدر ما تكمُن في حالة التِيه التي تعيشها النُخَب السُّودانيَّة منذ عقود. تلك النُخَب التي كان يُفترض أن تكون بوصلة المُجتمع وضميره الحي، فإذا بها تتحوَّل – في كثيرٍ من الأحيان – إلى جُزءٍ من الأزمة نفسها. فقد ظَلَّ السُّودانُ، منذ فجر الاستقلال، يُعاني من مُفارقةٍ مُؤلمة: بلدٌ غنيٌ بالموارد الطبيعيَّة والبشريَّة، لكنه عاجزٌ عن النهوض والبناء. فبدلاً من أن تتقدَّم النُخَب الصفوف لتقود مشروعاً عقلانياً لإدارة الدولة، انشغلت بالطموحات الشخصِيَّة والولاءات الطائِفيَّة والكيانات الضيقة، وغرقت في جدالاتٍ عقيمةٍ لا تبني دولة ولا تنقذ وطناً.

هكذا ظَلَّ السُّودانُ يدور في الحلقة المُفرغة ذاتها: أزماتٌ تتوالد من أزمات، وانقساماتٌ تتغذَّى على انقسامات، وحروبٌ تُورث حروباً. وآخر فصول هذه المأساة هي الحرب الراهنة، التي مَزَّقت الجُغرافيا وأرهقت الإنسان السُّوداني إلى حدٍ لم يَعُد يُحتمَل. ومع ذلك، ما تزال النُخَب السُّودانِيَّة – في مُعظمها – حبيسةً لمُربَّع التحليل والتفسير. تُحلِّل الأزمة وتشرحها وتكتب عنها، لكنَّها نادراً ما تنتقلُ إلى مُربَّع الفعل الحقيقي. كأنَّ دورها ينتهي عند تشخيص المرض، دون أن تتقدَّم خطوةً واحدةً نحو وصف العلاج.

لقد آن الأوانُ أن تتغيَّر هذه المُعادلة.. آنَ الأوانُ أن تُدرك النُخَب السُّودانِيَّة أنَّ التاريخ لا يذكر المُراقبين، وإنَّما يذكرُ الشُجعان الذين صنعوا الفارق في اللحظات الحرِجة. والأوطانُ لا تُبنى بالغضب والارتجال، ولا تنهض بالنوايا الحَسَنة، ولا تُدارُ بالجدلِ العقيم، وإنَّما تُبنى بالعلم، وتنهضُ بالتخطيط، وتُدارُ بعقولٍ تعرف ماذا تريد وكيف ومتى تصل إليه، وهذا ما يحتاجه السُّودانُ اليوم! فبلادنا لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من البيانات السياسِيَّة، ولا إلى سيلٍ جديد من الخطاباتِ الحماسِيَّة، ولكننا بحاجة إلى برنامجٍ وطنيٍ علميٍ وعملي، واضحُ المعالم، مُحدَّدُ الأهداف، يستندُ إلى قُدراتنا الواقِعيَّة، ويجيبُ بلا مُواربةٍ على الأسئلة الجوهريَّة التالية:

ماذا سنفعل؟

مَنْ سيفعل؟

كيف سنفعل؟

ومتى سنفعل؟

إنَّ المسؤوليَّة التاريخيَّة للنُخَب السُّودانِيَّة تفرضُ عليها أن تُبادر إلى وضع الأُسُس العلمِيَّة لإدارة الدولة وبناء نهضتها. والخطوةُ الأولى في هذا الطريق تكون بإعداد استراتِيجيَّة وطنيَّة شاملة لإدارة الدولة السُّودانِيَّة ككل دون استثناء أي إقليم أو قطاع، استراتيجيَّة تُمثِّل رُؤية مُتكاملة وليس مُجرَّد مُبادراتٍ مُتفرِّقة أو اجتهاداتٍ معزولة. ويُمكن البدءُ في هذا المشروع بتشكيل مجموعات عمل وفق التَخصُّصات العلمِيَّة والمِهَنِيَّة، لتَتَولَّى إعداد استراتيجيات قطاعِيَّة مُتكاملة كالصحة والتعليم والاقتصاد والزراعة والبُنية التحتِيَّة والإدارة العامَّة وغيرها. على أن تتضمَّن هذه الاستراتيجيات تحديد الأهداف الكُبرى، والخطط التنفيذيَّة قصيرة ومُتوسطة وطويلة الأجل، وتقدير التكاليف والموارد، وآليات المُتابعة والتقييم والتقويم، وتَصَوُّر واضح لشكل الحُكم والتنظيم الإداري للدولة ومُتطلبات شغل الوظائف العامة، أخذاً في الاعتبار الواقع المالي والسياسي والأمني والاجتماعي المُعقَّد الذي يعيشه السُّودان. وعند اكتمال هذه الاستراتيجيات القطاعِيَّة، يتم دمجها لتُشكِّل الاستراتيجيَّة الوطنيَّة الشاملة، ثُمَّ تُطرَح بشفافِيَّةٍ أمام الشعب السُّوداني ليُقرِّر بشأنها بحُرِّيَّة ودون وصاية..

قد يقول قائل إنَّ بعض القوى أو الكيانات السياسِيَّة تمتلك بالفعل رُؤىً أو استراتيجيات. لكن الحقيقة أن كلَّ ما طُرِحَ حتَّى الآن لا يتجاوز حدود الشعارات العاطِفِيَّة والوعود الفضفاضة وتفتقر إلى الأساس العلمي والعملي. فالاستراتيجيَّة الرصينة لا تُبنى على الأمنيات، ولا تقومُ على التعويل المُفرِط على الخارج، بل تعتمدُ فقط على قُدراتنا الذاتِيَّة (المُتاحة فعلاً)، وعلى المعلومات الدقيقة والإحصاءات الواضحة، وهذا لا يتوفَّر في كل المطروح الآن (رغم قِلَّته)..!

إنَّ الشعب السُّوداني ينتظرُ من نُخَبه أن يضعوا علمهم وخبراتهم في خدمة الوطن الجريح، وأن يُحولوا المعرفة إلى خطط، والخبرة إلى برامج ورُؤى قابلة للتطبيق..! فإمَّا أن تتقدَّم النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذ الوطن وبناء المُستقبل، وإما أن تكتفي بالصمت والتَرَدُّد، فتدفع البلاد بكاملها الثمن، والتاريخُ لن يرحم مَنْ تَخَلَّف، والأجيال القادمة لن تنسى من امتلك الشجاعة ليبني، أو فشل واكتفى بالمُشاهدة.

السُّودانُ يحتاجُ اليوم إلى عملٍ وشجاعةٍ وعقلانِيَّة، لا إلى مزيدٍ من التحليلاتِ والجدالاتِ العقيمة والانصرافِيَّة.

awadf28@gmail.com

عن د. فيصل عوض حسن

شاهد أيضاً

بُؤسُ أنور قرقاش في تجميلِ قُبْح الإمارات..!

د. فيصل عوض حسنكَتَبَ أنور محمد قرقاش المُستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات مقالةً بعُنوان (الإمارات …