السُّودان: وعيٌ مُغَيَّب ووطنٌ يُفكَّك ..!

د. فيصل عوض حسن
في وقتٍ يمضي فيه المُتأسلمون وأذرعهم وأدواتهم (البرهان، حميدتي، القحتيون، وما يُسمّى بالحركات المسلحة) في تنفيذ واحد من أخطر مراحل مخططات تاريخ السودان الحديث، وينتقلون فيه من مرحلةٍ إلى أخرى بثباتٍ ودهاء، نجد أنفسنا – نحن السُّودانيين – نغرقُ أكثر في الغفلة، ونَنْجرُّ بلا وعيٍ إلى الفِخاخ التي نُصِبَت لنا بعناية، بل ونتحوّل أحياناً إلى جنودٍ متحمسين في معارك صُمِّمت أساساً لإبادتنا سياسياً واجتماعياً.

بدلاً من توجيه غضبنا نحو من دمَّروا الدولة، وصادروا الثورة، وأشعلوا الحرب، ننشغل بتفاهاتٍ مقصودةٍ صنعتها غرفهم الإعلامية: شخصياتٌ هَشَّة، جدلٌ فارغ، صراعاتٌ وهمية، وأدواتُ إلهاءٍ تُقدَّم لنا على هيئة (مُغَنٍ، شيخ، ناشط، … إلخ)، نخوض حروباً كلاميةٍ طاحنةٍ حولها، بينما تُنْهَب البلاد وتُفكَّك وتُعاد صياغتها وفق مشروع المُتأسلمين القديم/الجديد.

لم نتوقف – ولو للحظة – ونُجري مُراجعة شاملة لما حدث لنا منذ ديسمبر 2018 وحتى اليوم. لم نسأل: مَن خَانَ؟ ومَن تواطأ؟ ومَن قفز بين المعسكرات؟ ومَن بدَّلَ خطابه بحسب الريح؟ ومَن كان شريكاً كاملاً في إجهاض حُلُم التغيير؟

الحرب: قرار إسلامَوي وليس صراعاً عسكري

الحربُ الماثلةُ ليست صدفة، وليست انفجاراً غير متوقّع، أو مُجرَّد صراع بين البرهان/حميدتي، ولكنها حربٌ مصنوعة بقرارٍ، صاغه المُتأسلمون، وأداروه من الخلف، ونَفَّذته أدواتهم كلٌ حسب موقعه ووظيفته. وفي الأسبوع الأول منها، كتبتُ مقالاً – مُوثَّقاً بالوقائع – أنَّ ما يجري ليس إلا حلقةً أخيرةً في مسلسل طويل، وأنَّ أطراف الحرب المُعْلنة ليست سوى واجهات، لتحقيق الأهداف التالية:

  1. تحطيم الإرادة الشعبية عبر القتل، والتجويع، والتشريد، وتحويل المواطن إلى كائن منشغلٍ بالبقاء لا بالتغيير.
  2. إعادة المُتأسلمين إلى السلطة علناً، بعد مرحلة الحكم غير المباشر عبر العسكر والجنجويد والتحالفات الهَشَّة.
  3. استكمال مشروع مثلث حمدي: تفكيك السودان، ونهب موارده، وإعادة رسمه ككياناتٍ ضعيفةٍ مُتناحرة.

أين نحن الآن؟
النتيجة أمام أعيننا، ولا نحتاج إلى عبقرية سياسية لندرك أنهم نجحوا – إلى حدٍ كبير – في تحقيق أهدافهم. فالشعب مُنهك، والثورة مُجهضة، والدولة مُدمَّرة، والبلاد تُساق بخطىً ثابتة نحو التفكيك الكامل. لم يتبقَّ من خريطة الاستهداف سوى الشرق وأقصى الشمال والمنطقتين، ومع ذلك ما يزال قطاع واسع من السودانيين يتعامل مع الأمر بلا مبالاة، أو يبرره ويدافع عنه، أو ينشغل بقضايا جانبية لا قيمة لها أمام حجم الكارثة. وبعضنا وصل إلى مرحلة الدعوة العلنية لتقسيم السودان، متبنياً نفس الخطاب الذي طرحه المُتأسلمون بوقاحةٍ منذ عام 2005، ورفضه الشعب آنذاك، ويُعادُ تسويقه اليوم باعتباره )حلاً واقعياً(، بينما هو في حقيقته المرحلة النهائية من الجريمة.

المركز والهامش: أكذوبة مُفخخة
أحد أخطر أدوات التضليل التي نجح المُتأسلمون في زرعها هو خطاب (المركز والهامش)، ليس لأننا بلا جذور اجتماعية، بل لأنهم استخدموه لتفتيت الوعي، لا لمعالجة الظلم. والأسئلة التي يتهرَّب الكثيرون من طرحها:

مَا هو المركز؟

ومَن شَكَّله، ومِمَّن يتكوَّن؟

ومَن حَكَمَ السودان فعلياً منذ الاستقلال؟

الحقيقة المُعَاشَة فعلاً، أنَّ الحكّام أتوا من كل أقاليم السودان، وأن الفشل لم يكن جغرافياً بل سياسياً وأخلاقياً.
لكننا نفضّل الهروب إلى صراعات الهُوِيَّة، لأنها أسهل من مواجهة المسؤولين الحقيقيين. وهكذا ندافع عن جلادينا لأنهم (يشبهوننا)، ونهاجم ضحايانا لأنهم (لا يمثلوننا)، ونحوّل السياسة إلى انتماء قَبَلي/جِهَوي، لا مشروعٍ وطني.

البرهان وحميدتي: صراعٌ زائف داخل مشروعٍ واحد

الانقسامُ الحادُ بين مؤيدي البرهان وحميدتي وحُلفائهما في قحت (بأسمائها المُتكاثرة) وما يُسمَّى حركات مُسلَّحة ليس دليلاً على وعي سياسي، بل علامة على نجاح الخداع. كلا الرجلين وحلفائهما أدواتٌ مُباشرةٌ للمُتأسلمين، وكلاهما مُحاطٌ بشبكاتهم، وكلاهما ينفذ أدواراً مختلفة داخل الخطة نفسها.

ما جرى في الخُرْطُوم تكرر في دارفور، ثم كردفان، ثم النيل الأزرق، والآن الشرق. نفس السيناريو: انسحابٌ متعمَّد، تَرْكٌ للمدنيين بلا حماية، ارتكابٌ للمجازر، ثُم صمتٌ بلا محاسبة أو مُساءَلَة..! وفي الشرق، بلغ تآمر البرهان مستوىً خطيراً حيث فَتَح البلاد لتَدَخُّلاتٍ خارجيةٍ مُباشرة، وسَمِحَ بتدريب المُجنَّسين الإريتريين بمُسمَّى (بني عامر) داخل إريتريا، وساعد في تسليحهم وإدخالهم للبلاد وتسليمهم للمَقار، ودَعَمَهم مالياً ومعنوياً، بحجَّة دعم الجيش في مُحاربة الجنجويد الذين انضم إليهم مُجنَّسي إريتريا منذ وقتٍ مُبكر (قبل وخلال هذه الحرب)، والبرهان ورُفقائه يعلمون ذلك تمام العلم! رغم ذلك دعموا مُجنَّسي إريتريا ليُهدِّدوا السِلم الأهلي عموماً، ويُهدِّدوا جميع السودانيين الأصيلين (أصحاب الأرض) خصوصاً، وهذه (خيانةٌ) عُظمى تستوجب مُحاسبة ومُحاكمة البرهان ورُفقائه بأقصى وأقسى العقوبات، وليس الاحتفاءُ بهم أو الدفاع عنهم..! أما حميدتي، فجرائمه مُوثَّقة، ومُمتدَّة، ومُتراكمة، ومع ذلك يستميتُ القحتيون بـ(مُسمَّياتهم المُختلفة) في دعمه وتأييده وإعادة تدويره سياسياً، استناداً لخطاب (المظلومية)، ونحن السُّودانيين نزدادُ (انقساماً/تَشرذُماً) بين هؤلاء وأولئك، وكأنَّ ذاكرتنا قد مُسِحَت بالكامل..!

نحن السُّودانِيُّون لا تنقصنا الشجاعة، ولكن قِصَرُ/انعدام الذاكرة. ننسى بسرعة، نُسامح بلا حساب، ونُعيد تدوير الفشل ذاته بأسماءٍ جديدة. لا نقرأ تاريخنا، ولا نستحضر تجاربنا، ولا نربط بين الأحداث، فنقع في الفخ نفسه مرة بعد مرة، ثُمَّ نستغرب النتيجة..!
إنَّ الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوحٍ لا لبس فيه: ألا أحد سيُنقذ السُّودان غير السُّودانيين. لا الجيران، ولا ما يُسمَّى الأشقاء، ولا المجتمع الدولي، ولا الوسطاء..!
وطريقنا الوحيد لبلوغ الحرية والانعتاق واللحاق بما تَبَقَّى من البلادِ والعباد، يجب أن يبدأ بـ:

· تنظيم شعبي واسع بعيد عن جميع الكيانات القائمة.

· قيادة وطنية جديدة (غير مُجرَّبة) في جميع العهود السابقة.

· اقتلاع المُتأسلمين وكل أدواتهم السياسية والعسكرية دون استثناء.

إنَّ السودان لا يُدمَّر لأن شعبه ضعيف، بل لأن وعيه غائب، ولا خلاص من هذه الكارثة دون قطيعة كاملةٍ مع كل الوجوه التي شاركت في السُلطة أو شَرْعَنتها، ولا خلاص لنا دون تنظيمٍ شعبيٍ مُستقل، وبقيادةٍ وطنيةٍ جديدةٍ مُتجرِّدة/نزيهة.. أما الرهانُ على الخارج، أو إعادة تدوير الجُناة، فليس سوى دعم ومُباركة لإكمال الجريمة، التي سنكون ضحاياها الحصريين..

awadf28@gmail.com

عن د. فيصل عوض حسن

شاهد أيضاً

السُّودانِيُّون والاحتفاءُ المُفرط بتصريحات ترامب ..!

د. فيصل عوض حسن في خطوةٍ مُفاجئة ومُريبة أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنَّه سيعمل …