خالد ابواحمد
في مثل هذا اليوم، الإثنين الثاني من مارس 1993م، الموافق الثاني عشر من رمضان، ترجل عن دنيانا شاعرنا الكبير عثمان خالد، تاركًا خلفه فراغًا لا تُقاس مساحته بالكلمات ولا تملؤه المقالات. كان رحيله موجعًا إلى حدٍّ خاص، ألمًا صامتًا استقر في القلوب وظلّ مقيمًا في الذاكرة، لأننا لم نفقد شاعرًا فحسب، بل فقدنا صوتًا كان جزءًا من إيقاع حياتنا اليومية.
وفي ذكراه السنوية لا نستحضر اسمًا عابرًا مرّ على خارطة الوطن والتاريخ والأغنية، بل نستدعي تجربة شعرية أسهمت، مع كوكبة من الأفذاذ مثل محمد يوسف موسى، والتجاني حاج موسى، والسر قدور، والحسين الحسن وغيرهم، في تشكيل وجدان الشعب السوداني خلال سبعينات القرن الماضي؛ تلك المرحلة الدقيقة التي كانت البلاد فيها تبحث عن توازنها بين التحولات السياسية والتبدلات الاجتماعية، فيما كانت الأغنية تقوم بدور المرآة الصافية للروح الجماعية، تعبّر عن أحلام الناس وحنينهم وقلقهم وأشواقهم بلغةٍ دافئة لا تخطئ الطريق إلى القلب.
لم يكن عثمان خالد شاعرًا يكتب للعاطفة الفردية فحسب، بل كان يكتب لما يمكن أن نسميه “العاطفة الاجتماعية”؛ تلك التي تمزج بين الحبيب والوطن، بين الشوق والأسرة، بين الفقد والحيّ والذكريات. عباراته لم تكن عالية النبرة أو متكلفة الصور، بل جاءت دافئة، قريبة من مفردات الناس اليومية، لكنها مشحونة بإيقاع داخلي حنون، يجعل الكلمة كأنها تنهض من صدر المجتمع لا من حنجرة شاعر واحد.
أبرز ما يميز شعره هو تلك الحنية التي تتسلل في مفرداته دون ضجيج. لم يعتمد على البلاغة الثقيلة، بل على بساطة شفيفة، كان يعرف أن المجتمع السوداني بطبيعته مجتمع حميمي، تحكمه الروابط الأسرية والوجدانية، فاختار أن تكون لغته امتدادًا لذلك الدفء. تأتي كلماته وكأنها حديث في فناء بيتٍ قديم، أو همسة في أمسية على ضفاف النيل.
الجرس الموسيقي في عباراته لم يكن مصطنعًا، بل نابعًا من الإيقاع الداخلي للدارجة السودانية، ومن قدرتها على احتضان العاطفة دون تكلف. ولذلك التصقت نصوصه بالألحان بسهولة، وصارت الأغنية معه مساحة اعتراف جماعي بالمحبة والانتظار والوفاء.
في سبعينات السودان، كان الحنين ليس مجرد شعور رومانسي، بل قيمة اجتماعية كاملة. الناس يحنّون للقرى، للمدن القديمة، للأحباب المسافرين، للدفء العائلي. في هذا السياق، جاءت نصوص عثمان خالد لتُعبّر عن هذا الوجدان الجمعي. لم يكن الحبيب في قصائده شخصًا معزولًا، بل جزءًا من بيئة كاملة: شارع، بيت، أم، جيران، ذكريات طفولة.
كان يكتب الحب بوصفه علاقة نقية، تخلو من الصخب، وتقوم على الصبر والوفاء. وفي ذلك انعكاس واضح للوجدان السوداني الذي يرى في العاطفة التزامًا أخلاقيًا، لا نزوة عابرة.
البساطة التي تتحول إلى خلود
قد تبدو بعض عباراته للوهلة الأولى بسيطة جدًا، لكن سر خلودها يكمن في صدقها. لم يسعَ إلى الإدهاش البلاغي، بل إلى لمس القلب مباشرة. ولهذا بقيت نصوصه حيّة في الذاكرة، تتناقلها الأجيال، وتستعيدها الحناجر في لحظات الفرح والحزن معًا.
لقد أسهم عثمان خالد في تشكيل هوية الأغنية السودانية في مرحلة مفصلية، حين كانت الكلمة لا تزال تحتفظ بقدرتها على صناعة المعنى، وعلى جمع الناس حول شعورٍ مشترك. وفي ذكراه، لا نرثي شاعرًا فحسب، بل نحتفي بزمنٍ كانت فيه العبارة الحنينة قادرة على أن تصنع وطنًا صغيرًا داخل القلب.
رحم الله عثمان خالد، وجعل كلماته شاهدًا على زمنٍ عرف كيف يُغنّي بحياءٍ وصدق، وكيف يحوّل الحنين إلى قيمة اجتماعية راسخة في وجدان السودان.
في ذكرى رحيله، لا يعود الاسم وحده، بل يعود وجعٌ قديم،اليوم فتحتَ جرحًا، وانفتح معه شريطٌ طويل من الذكريات الجميلة والمؤلمة، ويوم الرحيل الصعيب، ومتلازمة الحزن الدفين التي استمرت سنوات طويلة. لم يكن رحيله كما يرحل الآخرون؛ كان شيئًا مختلفًا عن كل إحساسٍ بالأسى والفقدان، كأن قطعةً من وجدان انتُزعت فجأة من قلوبنا، فهو الذي علّمنا أن “المحبين الحُنان لا بنسوا لا بتحولوا”، وكيف ننسى من كتب:
“ننساك..؟
إنت إنت بتتنسي
ما إنت روحنا وحبنا
سافرنا في عينيك ولسة
قلوبنا بيك متجننة…”
في هذه المقاطع يتجلى جوهر عثمان خالد: البساطة التي تشبه الناس، والعبارة التي تمشي حافية في طرقات القلب. لا زخرفة متعالية، ولا صور معقدة، بل اندياح عاطفي صادق يجعل الحبيب وطنًا، ويجعل الوطن حبيبًا. حين يقول “قلوبنا بيك متجننة”، فهو لا يبالغ، بل يلتقط تلك الحالة السودانية الخاصة في التعبير عن الحب: جنونٌ مهذب، وولهٌ نظيف، وشوقٌ لا يخجل من نفسه.
ثم تأتي “بتقولي لا”، الأغنية التي هزت مشاعر المحبين منذ تلك السنوات وحتى اليوم. في قوله:
“بتقولي لا لقليب عليك يقطر حنان ويذوب وله
بتقولي لا لقليب رهيف ما ظنو لالالا بيحملا…”
نجد قلبًا لا يحتج بعنف، بل يستعطف بحنان، إنه خطاب عاشقٍ يعرف هشاشته، ويعلنها بلا مواربة. في هذا الاعتراف تكمن قوة النص: صدقٌ يلامس التجربة اليومية للناس، حيث الحب ليس بطولة استعراضية، بل ذوبانٌ صامت.
وحين يرسم صورة المساء الذي “أدى الفروض داعب شفايفك وغازلا”، أو القمر الذي يغار، فهو لا يستدعي الطبيعة للزينة، بل يجعلها شريكًا في المشهد العاطفي. الكون كله يتحرك في خدمة لحظة حب، وكأن العاطفة عنده حدثٌ كوني، لا شأنًا فرديًا ضيقًا.
عثمان خالد كان شاعر الأغنية في سبعينات القرن الماضي ولا زال اثرها باقية حتى اليوم وسيستمر إلى ما لا نهاية، تلك الحقبة التي كانت فيها الكلمة لا تزال قادرة على أن تكون وعدًا أخلاقيًا، وأن تعكس ملامح مجتمعٍ محافظ في عاطفته، عميق في حنانه، صبور في انتظاره، لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان طبيبًا يداوي النفوس من عللها، يخفف عنها وطأة الغربة، ويمنحها حق البكاء وحق الفرح في آنٍ واحد.
ولهذا هو عصيٌّ على النسيان. لأن من يكتب بهذا الصدق لا يغيب، بل يتحول إلى ذاكرةٍ تمشي بين الناس، وإلى أغنيةٍ تسبق الدموع وتلحقها.
حين نسمع (إلى مسافرة):
“يا قلبي يا مكتول كمد اعصر دموع هات غنوة لي سيد البلد…”
نجد أنفسنا أمام واحدة من أصدق حالات البوح في شعر عثمان خالد، هنا لا يبدأ من الحبيب، بل من القلب ذاته، من موضع الألم، “مكتول كمد” تعبير سوداني خالص، كثيف الدلالة، يجمع بين القهر والحزن واللوعة في كلمة واحدة، إنه لا يقول “حزين”، بل يقول “مكتول”، كأن الحزن فعل قتلٍ بطيء.
القلب باعتباره كائنًا حيًا
في هذه الأغنية القلب ليس مجازًا عابرًا، بل كائن يُخاطَب ويُؤمر: “اعصر دموع”، فعل العصِر هنا قوي، حسي، يضعنا أمام صورة دموع تُستخرج استخراجًا، وكأن الحزن مادة سائلة لا بد أن تُفرغ، ثم تأتي “هات غنوة”، فيتحول الألم إلى غناء، وهذه إحدى خصائص عثمان خالد: تحويل الفقد إلى طرب، والدمعة إلى لحن.
حين يقول:
” يا حليله قال سايب البلد..يا حليله كيفن يبتعد.”
وهي من العبارات (الحنينة) التي كتبت عنها ذات مرة، فشعر عثمان خالد يتم بعبارات حنينة من صميم بوحنا الاجتماعي، فإن الحبيب يتجاوز كونه شخصًا ليصبح “سيد البلد”، الرحيل هنا ليس سفر فرد، بل مغادرة رمز لذلك يتسع الحزن ليشمل الجماعة “وكيفن نسيبه يروح بعيد”. الضمير الجمعي حاضر بقوة، كأن المجتمع كله متورط في هذا العشق.
وفي قوله:
” كل العمر كان لحظة واحدة نشوفه والشوق يتقد”.
يختصر فلسفة العاطفة عنده: الزمن يتكثف في لحظة رؤية، والشوق نار تتقد صورة بسيطة، لكنها مشتعلة.
الجمال الحسيّ الرقيق
ثم ينتقل إلى وصف الجمال:
“في شفايفه زي ياقوت ندر..في شكله زي نص القمر”.
التشبيهات مألوفة في الثقافة العربية، لكن سرها هنا في السياق السوداني الدافئ. لا مبالغة صاخبة، بل انبهار حميمي، القمر ليس بدراً كاملاً، بل “نص القمر”، وهذه اللمسة تحديدًا تكشف رهافة الصورة؛ كأن النقص يزيد الجمال فتنة.
أما قوله:
” بي نظرة بتذوب حجر..بي بسمة بطول عمر”
هنا نصل إلى ذروة التأثير، النظرة تذيب الحجر، والابتسامة تطيل العمر، الجمال عند عثمان خالد ليس شكلاً فقط، بل طاقة حياة، الحبيب يمنح الوجود معنى، ويجعل الزمن أكثر احتمالًا.
في هذا النص الشعري، كما في مجمل تجربته، تتجلى بنية فنية يمكن قراءتها على ثلاثة مستويات مترابطة، تكشف سر فرادة عثمان خالد في فضاء الأغنية السودانية.
أولًا، اللغة الشعبية الراقية ليست مجرد استخدام لمفردات دارجة، بل هي عملية تهذيب فني للعامية دون نزع روحها. فهو يأخذ الكلمة من التداول اليومي – من السوق، ومن الحي، ومن جلسات السمر – ثم يعيد تركيبها داخل سياق إيقاعي يجعلها أكثر صفاءً وكثافة. العامية عنده لا تبدو عفوية ساذجة، بل واعية بإيقاعها الداخلي وبقدرتها على حمل المجاز، وهنا تكمن قيمته: لم يرفع اللغة إلى برج فصيح بعيد عن الناس، ولم يتركها سائبة، بل أقام توازنًا دقيقًا بين العفوية والانضباط الموسيقي.
ثانيًا، الحنين الجمعي في شعره يتجاوز البوح الفردي. المتكلم في نصوصه يبدو عاشقًا، لكنه في العمق صوت جماعة. ضمير “نحن” يحضر صريحًا أو مضمرًا، والحبيب يتحول إلى رمز تتوحد حوله القلوب. بذلك تتحول الأغنية من اعتراف شخصي إلى مساحة وجدانية مشتركة، يشعر فيها المستمع أنه معنيّ بالكلمات، لا متفرج عليها. هذه القدرة على تحويل التجربة الخاصة إلى ذاكرة جمعية هي ما جعل نصوصه تعيش خارج لحظتها الزمنية، وتستمر في التداول بوصفها تعبيرًا عن وجدان مجتمع بأكمله.
ثالثًا، الجرس الداخلي في نصوصه ليس زينة صوتية، بل عنصر بنائي، تكرار التراكيب مثل “من لطفه..من دله..من لونه”، يخلق حركة تراكمية، كأن العاطفة تتصاعد طبقة فوق أخرى. هذا التكرار يمنح النص إيقاعًا سابقًا على التلحين، بحيث تصبح الكلمات نفسها حاملة للموسيقى. إنه يكتب وهو يسمع الإيقاع في داخله، لذلك تأتي نصوصه قابلة للغناء بطبيعتها، لا لأنها وُضعت على لحن، بل لأنها مشبعة بموسيقاها الذاتية.
لهذا ظل عثمان خالد حاضرًا في وجدان السودانيين لأنه لم يكن شاعر صورة عابرة، بل شاعر إحساس اجتماعي مركّب، كان يدرك أن القلب السوداني يتكلم بلهجته الخاصة، وأن الشوق ليس حالة فردية، بل طقسًا جماعيًا، ومن هنا استطاع أن يحول العاطفة إلى مشهد حي، تتحرك فيه القلوب فعلًا، وتكاد “تأتمر” تحت سلطان النظرة والابتسامة والكلمة.
رحم الله الغالي العزيز عثمان خالد، فقد ترك لنا حسّه وروحه وانفعالاته الصادقة ميراثًا وجدانيًا لا يندثر، كلماتٍ تعيش بيننا، تُغنّى فتزهر من جديد، وتبقى لأن فيها شيئًا من صدق الناس ودفء قلوبهم. في هذه الأيام الطيبة المباركة نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يشمله بعفوه وغفرانه وحنانه وعطفه، وأن يجزيه عنا وعن الشعب السوداني خير الجزاء، وهو الذي رسّخ في وجداننا أن “المحبين الحُنان لا بنسوا لا بتحولوا”.
ونسأل الله أن يجعل البركة في ذريته وأهله، في حبيبنا الغالي د. خالد وأسرته، وفي عمتنا العزيزة آسيا البدوي، وفي أشقائه وشقيقاته، وأن يربط على قلوبهم جميعًا، ويجعل ذكراه نورًا ورحمة وسكينة.
مساء الاثنين 2 مارس 2026م
khssen@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم