زهير عثمان
هل تتحول المعادن والزراعة إلى مدخل لبناء الاقتصاد السوداني، أم تصبح الحرب بوابة جديدة للتنافس الدولي على ثروات البلاد؟
لم تعد الثروات الطبيعية في السودان مجرد قضية اقتصادية مؤجلة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الحرب والسلام، وموقع البلاد في التنافس الدولي، وإمكانات إعادة بناء الدولة التي أنهكتها الصراعات وسوء الإدارة وتبديد الموارد. وفي هذا السياق، يفتح مشروع القانون الأمريكي المعروف باسم (قانون السودان للاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة- (Sudan IMPACT Act) باباً جديداً للنقاش حول طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين الخرطوم وواشنطن، وحدود المصالح المشتركة بينهما
في 13 أكتوبر 2026، قدّم النائب الأمريكي جيم بيرد مشروع القانون H.R. 10795 إلى مجلس النواب، وأُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية , ويقترح المشروع إقامة شراكة أمريكية سودانية في الزراعة والمعادن، تتيح للسودان الاستفادة من المعدات والتكنولوجيا والخبرات الأمريكية مقابل الوصول إلى موارد سودانية تشمل الذهب واليورانيوم والنفط والكروم والحديد والنحاس والمنغنيز والزنك والفضة والنيكل والصمغ العربي , وحتى 25 أكتوبر 2026، لا يزال المشروع في مرحلة الإحالة البرلمانية، ولم يتحول إلى قانون نافذ أو اتفاق اقتصادي ملزم بين البلدين. المصدر الرسمي للمشروع
لكن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في قائمة الموارد التي يشملها المشروع، ولا في المعدات التي يقترح توفيرها، وإنما في السؤال الذي تطرحه على السودان- كيف يمكن تحويل الثروة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مضافة، بدلاً من استمرار تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات والتكنولوجيا والخدمات؟
من تبادل الموارد إلى بناء الاقتصاد
يمتلك السودان موارد معدنية وزراعية واسعة، غير أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويلها إلى تنمية فالقيمة الحقيقية للثروة لا تتحدد بحجم ما يُستخرج من باطن الأرض أو يُحصد من الحقول وحده، وإنما بما يُبنى حوله من صناعة، ومعرفة، ومؤسسات، وفرص عمل، وشبكات إنتاج وتوزيع, إذا انحصرت الشراكة المقترحة في توفير معدات أمريكية مقابل إتاحة الوصول إلى المعادن السودانية، من دون التزامات واضحة بتطوير التصنيع المحلي ونقل المعرفة وتدريب الكوادر الوطنية، فقد يجد السودان نفسه أمام دورة اقتصادية مألوفة- استخراج المواد الخام وتصديرها، ثم استيراد المعدات والمنتجات والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى
وهنا تكمن إحدى أهم المخاطر المحتملة. فالسودان لا يحتاج إلى زيادة استخراج الذهب والمعادن فحسب، بل إلى بناء القدرات التي تسمح له بمعالجة موارده محلياً، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، وتعزيز مساهمة الزراعة في الاقتصاد الوطني , ولا يعني ذلك رفض التكنولوجيا الأمريكية أو الاستثمارات الأجنبية، بل وضعها ضمن استراتيجية تنموية سودانية واضحة، تكون فيها التكنولوجيا وسيلة لبناء القدرة الوطنية، لا بديلاً عنها
الشروط السياسية= حماية المدنيين أم توسيع النفوذ؟
يربط مشروع القانون إقامة الشراكة بوجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية، وبإحراز تقدم قابل للقياس في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة المسؤولة للموارد. ويمنح وزير الخارجية الأمريكي دوراً محورياً في تقدير مدى تحقق هذه الشروط قبل بدء البرنامج المقترح. نص المشروع
يمكن قراءة هذه الشروط من زاويتين متداخلتين, من الزاوية الأولى، ثمة منطق سياسي وأخلاقي في عدم فصل التعاون الاقتصادي عن حماية المدنيين والحوكمة , فالسودان يعيش حرباً مدمرة، وقد يؤدي ضخ الموارد المالية في مؤسسات تفتقر إلى الرقابة والمساءلة إلى تعزيز اقتصاد الحرب بدلاً من دعم السلام , ومن هذه الناحية، يمكن أن يشكل ربط التعاون بتحسن الأوضاع المدنية والإدارة المسؤولة للثروات حافزاً إيجابياً إذا طُبّق بمعايير واضحة ومتسقة
لكن من الزاوية الثانية، يثير ربط التعاون الاقتصادي بتقييم تصدره جهة تنفيذية أمريكية سؤالاً عن حدود القرار الوطني , فمن يحدد أن التقدم السياسي كافٍ؟ وما المعايير المستخدمة؟ وهل تكون هذه المعايير معلنة وقابلة للتحقق، أم تظل خاضعة لتقديرات سياسية قابلة للتغيير؟
لا يكفي طرح هذه الأسئلة للقول إن المشروع يفرض وصاية أمريكية مكتملة على السودان؛ فالنص المقترح لا يحدد نموذجاً تفصيلياً للحكم المدني، ولا ينشئ بذاته اتفاقاً نافذاً. لكن هذه الأسئلة ضرورية لفهم العلاقة بين شروط التعاون وموازين القوة بين الطرفين
والأهم أن الحكم المدني ليس مجرد شرط خارجي للحصول على التكنولوجيا أو الاستثمار. إنه ضرورة سودانية لاستعادة الدولة، وإخضاع الموارد للمساءلة العامة، وضمان ألا تتحول عائداتها إلى أدوات لتمويل الصراع أو إعادة إنتاج شبكات المصالح القديمة
أين تكمن المخاطر الاقتصادية؟
لا يحدد مشروع القانون، في نصه الحالي، أسعار المعادن أو نسب الأرباح أو مدد الامتيازات أو شروط ملكية المناجم. لذلك لا توجد أدلة كافية للقول إنه يمنح الولايات المتحدة بالفعل امتيازات مجحفة أو يقرر مسبقاً تقاسماً غير متوازن للعوائد , هذه التفاصيل ستتوقف على الأطر التنفيذية والتعاقدية التي قد تنشأ لاحقاً , مع ذلك، يمكن تحديد مخاطر ينبغي أن تكون في صلب أي نقاش سوداني جاد حول المبادرة- أولها، تصدير المعادن الخام دون إنشاء قدرات كافية للمعالجة والتصنيع محلياً، بما يحرم الاقتصاد من فرص إضافية للقيمة المضافة والعمالة الماهرة
وثانيها، احتمال إبرام عقود طويلة الأجل بشروط لا تحقق عائداً عاماً متناسباً مع قيمة الموارد، خصوصاً إذا جرى التفاوض في ظل ضعف المؤسسات أو غياب التمثيل المدني الفعلي
وثالثها، ضعف الرقابة على الإنتاج والصادرات والإيرادات، بما قد يفتح المجال أمام التهريب والفساد والتلاعب بالكميات والأسعار، ويقلص ما يصل إلى الخزانة العامة
ورابعها، الاعتماد على المعدات والخدمات وقطع الغيار الأجنبية من دون ترتيبات كافية لنقل التكنولوجيا والتدريب، وهو ما قد يجعل تكاليف التشغيل والصيانة عبئاً طويل الأجل على المؤسسات والشركات السودانية
أما الخطر الخامس، فيتعلق بالأثر البيئي والاجتماعي للتعدين
فتوسيع النشاط الاستخراجي من دون رقابة فعالة قد يؤدي إلى تلوث المياه والأراضي الزراعية، والإضرار بصحة المجتمعات المحلية وسبل عيشها. ومن المفارقة أن مشروع القانون يذكر تقنيات معالجة الأضرار البيئية ضمن المساعدات الممكنة؛ لكن وجود التكنولوجيا في النص لا يضمن وحده تطبيقها، ما لم تُدعَم بقواعد ملزمة ورقابة مستقلة وآليات للمحاسبة والتعويض
هذه مخاطر محتملة وليست نتائج حتمية , والفارق بين الاحتمال والنتيجة هو نوع المؤسسات التي تحكم الشراكة، وطبيعة العقود، وقدرة الدولة والمجتمع على الرقابة والمساءلة
التنافس الدولي- لماذا الآن؟
لا يمكن فهم المبادرة الأمريكية بمعزل عن أهمية المعادن في الاقتصاد العالمي، ولا عن سعي الدول الصناعية إلى تأمين سلاسل إمداد مستقرة للمواد التي تدخل في الصناعات الحديثة
وقد أشار النائب صاحب المشروع إلى أهمية الموارد السودانية في توفير مواد تستخدمها صناعات أمريكية، بما فيها صناعة السيارات والهواتف. وهذا يوضح وجود مصلحة اقتصادية أمريكية معلنة في المبادرة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات جميع الأهداف الاستراتيجية المحتملة وراءها
كما يطرح توقيت المشروع، في ظل استمرار الحرب السودانية، أسئلة عن علاقة التعاون المقترح بالتنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على الموارد والنفوذ في أفريقيا، وعن أهمية الموقع السوداني على البحر الأحمر , غير أن التحليل الجيوسياسي الرصين يقتضي التمييز بين المصالح المعروفة والاستنتاجات التي تحتاج إلى أدلة إضافية. فوجود تنافس دولي على المعادن والنفوذ لا يعني أن كل مبادرة اقتصادية جزء من خطة واحدة للسيطرة على السودان، كما أن إعلان التعاون التنموي لا يلغي المصالح الاستراتيجية للدول المعنية
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس ما إذا كان من حق الولايات المتحدة أو غيرها السعي إلى مصالحها، فهذه حقيقة في العلاقات الدولية، بل ما إذا كان السودان يمتلك رؤية ومؤسسات تفاوضية تتيح له إدارة هذا التنافس لمصلحته الوطنية، بدلاً من أن يتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين على حساب مواطنيه
إن ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة وغياب الشفافية تجعل الموارد أكثر عرضة لأن تتحول إلى موضوع للمساومات الخارجية والداخلية. أما وجود سلطة مدنية ذات شرعية ومؤسسات رقابية فعالة، فيتيح تحويل الاهتمام الدولي إلى فرص للتنمية، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني
شراكة متوازنة أم تبادل غير متكافئ؟
يمكن تصور مسارين مختلفين لهذه المبادرة، من دون الجزم بأن أحدهما سيتحقق بالضرورة , في المسار الأول، تصبح الشراكة مدخلاً للاستثمار المنتج- تطوير الصناعات التحويلية، وتوطين بعض مراحل معالجة المعادن، وتحديث الزراعة والري، وتدريب المهندسين والفنيين السودانيين، وخلق فرص عمل، وتحسين الإيرادات العامة، مع إخضاع العقود والمشتريات والتدفقات المالية للشفافية والرقابة
وفي المسار الثاني، يقتصر التعاون على تصدير المواد الخام مقابل المعدات والخدمات المستوردة، مع ضعف التصنيع المحلي ومحدودية نقل التكنولوجيا، وارتفاع تكاليف الصيانة، وتراجع قدرة الدولة على مراقبة الإيرادات والآثار البيئية
ولا يمكن ترجيح أي من المسارين اعتماداً على عنوان المشروع أو إعلاناته وحدها. فالحكم يتطلب الاطلاع على شروط التنفيذ والعقود، ومعرفة كيفية تسعير الموارد والمعدات، وتحديد المسؤوليات البيئية والضريبية، وضمان حقوق العمال والمجتمعات المحلية
ولكي تكون الشراكة ذات منفعة مستدامة للسودان، ينبغي أن تتضمن على الأقل ضمانات واضحة بشأن التقييم العادل للموارد، والإفصاح عن العقود، والرقابة المستقلة، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والتصنيع المحلي، وحماية البيئة، وتوزيع الإيرادات وفق القانون، مع نشر النتائج بصورة دورية تتيح للمواطنين مراقبة ما يتحقق فعلياً
كما ينبغي ألا تُختزل الشراكة في قطاع التعدين وحده , فإدراج المعدات الزراعية وتقنيات الري والتصنيع الزراعي في المشروع يتيح فرصة لربط الموارد المعدنية بتعافي الاقتصاد المنتج، بدلاً من الاعتماد المتزايد على استخراج الثروات غير المتجددة
من يفاوض باسم السودان؟
تظل هذه هي المسألة الأكثر حساسية. فالشراكة الاقتصادية الكبرى لا تحتاج إلى موارد طبيعية فحسب، بل تحتاج إلى دولة قادرة على التفاوض باسم المجتمع، وتحديد أولويات التنمية، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، ومنع تضارب المصالح
في بلد يعيش الحرب وتتعرض مؤسساته للاختلال، لا يجوز التعامل مع الوصول إلى الموارد باعتباره هدفاً قائماً بذاته، منفصلاً عن سؤال الشرعية السياسية ومصير المدنيين , و كما لا ينبغي أن تتحول الشروط الخارجية إلى بديل عن إرادة السودانيين في بناء حكم مدني خاضع للمساءلة
إن المطلوب ليس رفض الشراكة لمجرد أنها أمريكية، ولا قبولها لمجرد أنها تعد بالتكنولوجيا والاستثمار , المطلوب تقييمها وفق ما تقدمه للسودانيين، ومدى احترامها لحقوقهم، وقدرتها على الإسهام في إعادة بناء اقتصادهم، لا وفق هوية الطرف الأجنبي وحدها
الثروة ليست بديلاً عن الدولة
يمثل مشروع «Sudan IMPACT Act» مقترحاً يستحق النقاش، لأنه يجمع بين الموارد الطبيعية والتعاون الزراعي والتكنولوجي وشروط الحكم وحماية المدنيين , و لكنه لا يزال مشروع قانون، وليس اتفاقاً نافذاً، ولا تكفي المعلومات المتاحة للحكم على الشروط الاقتصادية النهائية لشراكة لم تتبلور تفاصيلها التعاقدية بعد , وتكمن الفرصة في أن يستفيد السودان من التكنولوجيا والخبرة والاستثمار لتطوير الصناعة والزراعة وبناء القدرات الوطنية , أما الخطر، فيتمثل في أن يستمر تصدير المواد الخام واستيراد القيمة المضافة، في ظل مؤسسات ضعيفة وعقود غير شفافة واعتماد تقني طويل الأجل
وفي النهاية، ليست القضية أن يختار السودان بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ولا أن يستبدل تبعية بأخرى، بل أن يبني قدرة وطنية تسمح له بالتعامل مع الجميع وفق أولوياته ومصالح مواطنيه
فالمعادن لا تصنع التنمية وحدها، والمعدات لا تبني دولة بمفردها، والاستثمار لا يعوض غياب المساءلة , ما يحول الثروة إلى مستقبل هو وجود مؤسسات قادرة على حماية الموارد، وتوزيع عائداتها بعدالة، وربطها بالإنتاج والمعرفة والعمل
إن الشراكة التي يحتاجها السودان ليست مجرد اتفاق على تبادل المعادن بالمعدات، بل عقد اقتصادي واضح يجعل ثروات البلاد أساساً للتعافي والتنمية، لا امتداداً للحرب أو وسيلة جديدة لتكريس اختلال موازين القوة.
