الشرط الإنساني في السودان و نصف القرن الذي يفصلنا ريثما يعود سيزيف الى الأسافل

 


 

طاهر عمر
26 May, 2024

 

طاهر عمر

بالمناسبة حالة العالم العربي و الإسلامي و حضارته التقليدية السائدة تشابه حال أوروبا بعد الحرب العالمية الأولي و لكن الفرق بين أوربا و العالم العربي و الإسلامي التقليدي بأن هناك كان أي في أوربا فلاسفة و علماء إجتماع و اقتصاديين قد لاحظوا نقاط الإنقلاب و إنشغلوا بكيفية معالجتها و لم يغيب عن ذهنهم بأن هناك تحول هائل في المفاهيم يمسح صورة عالم قديم يتأهب بفكره للخروج من التاريخ.
و يمكن أن نعطي مثال لملاحظات لإقتصاديين و علماء إجتماع في ثلاثة دول مختلفة مثلا توكفيل في فرنسا كان سابقا بعقود قليلة بملاحظته التحول الهائل في المفاهيم و يأتي بعده أرنولد توينبي و هو عم أرنولد توينبي المؤرخ البريطاني و كان قد إنتقد بفكر واضح الملامح مسألة إستعمار الشعوب في القارات البعيدة و ذكر بأن الإستعمار فيه تبديد لموارد الدولة المستعمرة و فيه إهمال للطبقات الفقيرة و الضعيفة في أوروبا و نادى بفكرة الإهتمام بالطبقات الضعيفة في أوروبا و يعتبر فكره فكر واضح في إدانة النخب الاوروبية بل يوضح كيف تكون صورة خيانة أوروبا للتنوير و لا يخرج فكره من خط تبرئه إقتصادي كادم اسمث من أنه قد صنف كأب شرعي للسياسات الإستعمارية و هذا ما نجده في سجلات تاريخ الفكر الإقتصادي و تبرئة أمثال ادم اسمث من أنه لم يكن كأب شرعي لموجات الإستعمار.
أما في المانيا فنجد ماكس فيبر بأفكاره النيرة و كثير من النقاد في العالم العربي و الإسلامي يلاحظون في كتاباته بأنه يفتخر بالحضارة الغربية بشكل لا يخلو من غطرسة يسهل ملاحظتها في إفتخاره بأن الحضارة الغربية قد أنجزت ما عجزت عنه الحضارات التقليدية و الحضارة العربية الإسلامية من ضمن الحضارات التقليدية كالهندية و الصينية المهم في الأمر أن ماكس فيبر و فكره لا يمكن تجاوزه من قبل من يريد الدخول لعتبات الدولة الحديثة و إفتخار ماكس فيبر بقيم الحضارة الأوروبية له ما يبرره و أوضح دليل عليه حالة العالم العربي و الإسلامي التقليدي و قد أصبح الآن في مواجهة لحال لا يسر حيث أصبح هيكل الدول نفسها عظام نخرة كما في اليمن و لبنان و سوريا و السودان و بالكاد قد أخرج العراق رأسه من تحت الماء في الثلاثة سنوات الإخيرة.
و هذه الحالة أي حالة أن تكون الدولة كعظام نخرة في سوريا و اليمن و السودان و لبنان يشابه حال المانيا بعد الحرب العالمية الثانية و قد أصبحت حطام و هذا ما يجعلنا أن نقول بأن حال العالم العربي و الإسلامي التقليدي متأخر بقرن كامل مقارنة بالتحول الهائل في المفاهيم في الدول المتقدمة و يشبه عشية إنتهاء الحرب العالمية الأولى و يحتاج لجهود مفكريين لا يقلون وزنا عن ماكس فيبر عندما واجه حالة المانيا و هي حطام بعد إنتهاء سياسات بسمارك.
و بالطبع هذا هو وضع السودان و هو يخوض حرب عبثية بين جيش الكيزان و صنيعته الدعم السريع كأداة موت إستخدمها الكيزان بغباء أوردهم موارد الهلاك. و من هنا نوجه دعوتنا للنخب السودانية بأن تدرك أن ما ينتظرها هو مواجهة تحليل الحالة السودانية كما فعل ماكس فيبر لحالة المانيا قبل ما يزيد على القرن من الزمن و ماكس فيبر عندما شرع في تحليل حالة المانيا كان متسلح بأفكاره كاقتصادي و مؤرخ و قانوني و عالم اجتماع لذلك جاءت أفكاره كخط تقسيم المياه بين نهرين تفصل بين فلسفة تاريخ تقليدية و فلسفة تاريخ حديثة و كانت فلسفة التاريخ التقليدية عنده تغطي من إفلاطون و حتى الهيغلية و قد إنقضى زمانها لتفسح الطريق لفلسفة تاريخ حديثة.
و هنا يمكننا أن نقول أن الهيغلية و الماركسية التي قد أكد ماكس فيبر بأنها من ضمن فلسفة التاريخ التقليدية عندنا في السودان تعتبر فلسفة تاريخ حديثة و هنا تتضح لنا قمة المأساة للنخب السودانية و كيف أنها تعيش على فكر تقليدي بل قمة المأساة تعتبره فلسفة تاريخ حديثة و هذا ما يجعل الشيوعي السوداني داخل متاهة فكرية لا يستطيع الخروج منها بالمرة و لكن الواقع يجعله مكشوف لأنه يعتقد في فلسفة تاريخ تقليدية و يريد إستخدامها مكان فلسفة التاريخ الحديثة فكل نتائجه و أفعاله مخيبة للآمال و هذا ما يكشف لنا سر لماذا يطرح الشيوعي السوداني طرحه الجذري؟ و لماذا تغيب عن أفق الشيوعي السوداني حقيقة أنه متأخر عن موكب التقدم الفكري بقرن كامل من الزمن بالتمام و الكمال؟ و هو مطمئن لوثوقياته و حتمايته التي قد فارقتها فلسفة التاريخ الحديثة.
المحزن عندنا في السودان و رغم مرور قرن كامل بعد أن أصبحت أفكار فلسفة التاريخ التقليدية خارج نموذج الفكر أي لم تعد فلسفة التاريخ من افلاطون و حتى هيغل فاعلة في تفسير تحول الأفكار ما زال الشيوعي السوداني يعتبرها خاتم منى أو اكسير حياة و هنا تكمن مصيبة الشعب السوداني و قد أصيب في مقتل بسبب غياب أفكار أقلية خلّاقة تستطيع أن تعبر به من فواصل فلسفة التاريخ التقليدية و تسير به نحو فلسفة تاريخ حديثة تجسر الهوة التي تفصلنا عن مواكب البشرية المتقدمة و هي تحقق إزدهارها المادي و قد إنعكس في مستوى عالي لمعدلات الحياة.
ما نود قوله و في حقيقة الأمر مؤلم و هو لو إنتبهت النخب السودانية اليوم للخطاء الكبير الذي قد مارسته طيلة قرن كامل لو إنتبهت اليوم قبل باكر و بداءت في مسيرة فلسفة تاريخ حديثة سنحتاج لثلاثة عقود على أقل تقدير حتى تتضح ملامح فكر جديد يحمل جينات فلسفة التاريخ الحديثة و نقول ذلك لأن أفكار ماكس فيبر عن الإقتصاد و المجتمع و عقلانية الفكر البروتستانتي و عقلانية الرأسمالية و أفكاره في كتابه رجل العلم و رجل السياسة لم تمنع المانيا بأن تتكامل في حريق الحرب العالمية الثانية و بعدها قد أصبحت حطام و لكن بعدها قد أصبحت أفكار ماكس فيبر حل لكثير من الدول و حل لحيرة كثير من النخب و حتى فرنسا التي كانت متأثرة و أسيرة الفكر الشيوعي بفضل أفكار ماكس فيبر التي نقلها ريموند أرون قد تخلّصت من سطوة أفكار الماركسية و بداءت مسارها في طريق فلسفة التاريخ الحديثة و أصبح الإشتراكييين في فرنسا يقبلون نمط الإنتاج الرأسمالي.
و قلنا أن المحزن لو إنتبهت النخب السودانية اليوم لورطتها الفكرية و بداءت طريق الفكر المؤدي الى فلسفة تاريخ حديثة الهدف من هذا القول لكي تقلل من الخسائر الى أن تصل لمرحلة الخروج بأقل خسائر من فلسفة التاريخ التقليدية رغم أن كل الدلائل تقول لنا بأن النخب السودانية أرداء أنواع النخب حتى مقارنة بنخب العالم العربي و الإسلامي التقليدي و لهذا مسألة تفادي تكامل السودان في الحريق مسألة إحتمالاتها ضعيفة و الراجح أن يسير السودان في درب الآلام الى منتهاه و بعد سوف تأتي أجيال من جهة المستقبل البعيد تتصالح مع فكرة التحول الهائل في المفاهيم.
و تصبح فكرة الشرط الإنساني أي أن زمن دولة الإرادة الإلهية قد ولى و بأن زمننا زمن الإنسان و فكره و هذا هو معنى الشرط الإنساني و هو أن أي فكر غائي لاهوتي ديني سواء كان في أحزاب أتباع المرشد أو الكيزان و أتباع الامام أي الانصار أو أتباع الختم و كذلك أتباع الشيوعية السودانية كنسخة متكلسة و كدين بشري قد مضى زمانها و إنقضى و أن الشرط الإنساني يجعل علم الإجتماع بعد معرفي في صميم الديالكتيك و يصبح الشرط الإنساني أي أن السياسة و الإقتصاد هي التي تقود و تخطط لفكرة الإقتصاد و المجتمع في ظل عقلانية الفرد و أخلاقيته.
و هذا ما تحدث عنه ماكس فيبر في فكرة زوال سحر العالم أي أن الفكر الديني لم يعد له أي دور بنيوي على صعد السياسة و الإقتصاد و الإجتماع و بالتالي نجد أن ريموند أرون مستفيد من أفكار ماكس فيبر قد تخطى فكر الوضعية كما هو في فكر أوجست كونت و هو يقول أي أوجس كونت بأن علم الإجتماع هو خاتم العلوم حيث تظهر ثوقياته و حتمياته كما في وثوقيات و حتميات ماركس و عكسهما نجد أفكار ماكس فيبر حيث تصبح ظاهرة المجتمع البشري محكومة بأخلاقية و عقلانية الفرد و عقلانية الفرد و أخلاقه تقودانه الى مسألة قبول العدالة و الحرية التي لا تتحقق إلا بفصل الدين عن الدولة لأننا لا يمكننا بناء مجتمع يقوم على فكرة المساواة بغير فصل الدين عن الدولة مثلما لا يمكننا التحدث عن التسامح في ظل خطاب ديني أي دين كما يقول جون لوك الأب الشرعي للفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الإقتصادي.
و يقول إذا كان هناك مطلقا واحد يجب الإيمان به سيكون فكرة فصل الدين عن الدولة و في نفس الوقت يؤكد بأن هذا لا يكون دعوة للإلحاد بقدر ما أنه محاولة لتوضيح إستحالة التحدث عن التسامح في ظل خطاب ديني و هنا يلتقي مع توكفيل في فكرة فصل الدين عن الدولة حيث يصبح الدين شأن فردي كما وصفه بأنه أفق الرجاء في علاقة العبد بربه بلا وسيط من تجار الدين من كل شاكلة و لون و عند توكفيل يجب أن يجرد الدين من قوته السياسية و قوته الإقتصادية و هنا تصبح السياسة العمود الفقري لفكرة الشرط الإنساني و مسيرة الإنسانية و هي تواجه ما لا نهاية من المصاعب المتجددة بلا نهاية و من هنا ينفتح تاريخ البشرية على اللا نهاية في مواجهته لمسيرته التراجيدية و المأساوية المنفتحة على اللا نهاية بعيدا عن الهيغلية التي تعتقد في عقل و تاريخ يوصل الى نهاية متوهمة للتاريخ.
من هنا يمكننا أن نتحدث عن فلسفة التاريخ الحديثة لدي ريموند أرونه و هو يقول مستفيد من أفكار ماكس فيبر بأن فلسفة التاريخ التقليدية قد وصلت لمنتهاها في الهيغلية و أن فلسفة التاريخ الحديثة تبداء برفض الهيغلية و كان هذا عام 1938 و كان ريموند أرون يؤسس لفلسفة تاريخ حديثة و عبرها تحدث أن الإنسان محكوم عليه بألا يتخلص من أحماله و هي بنسبة له كصخرة سيزيف كلما أوصلها الى الأعالي سرعان ما عادت متدحرجة الى الأسافل و ريثما يعود إليها يتمتع بحريته المؤقتة و هنا يلتقي ريموند أرون مع ألبرت كامو في كتابه أسطورة سيزيف و فيه يشبّه مأساة سيزيف بأنها حياة أي إنسان عادي في عصرنا الحديث و ريثما ما يعود سيزيف الى الأسافل لكي يبداء كرته مع الصخرة يتمتع بحريته.
و هنا نطلب من القارئ بأن يلاحظ أن فلسفة التاريخ الحديثة بداءت عام 1938 مع ظهور مؤتمر الخريجيين في السودان و بعد عقد منه ظهرت الأحزاب السودانية و من ضمنها الحزب الشيوعي السوداني و هو يخوض في وحل فلسفة تاريخ تقليدية الى يومنا هذا و هذا مضحك لدرجة الجنون و محزن الى درجة الكآبة في حزب ينشط أتباعه في إقناع نخب سودانية فاشلة بأنه حزب له علاقة بالحداثة و هيهات و ما زال يعتقد في نهاية التاريخ و لا يختلف الشيوعي السوداني و هو محاط بالأوهام عن أتباع المرشد أي الكيزان و الأنصار في حزب الامة و أتباع الختم في ايمانهم بأن الدين لا ينبغي تجريده من قوته السياسية و الإقتصادية.
و هنا نقصد مجافاة النخب السودانية لأفكار كل من توكفيل و أفكار جون لوك و هما يؤكدان على أهمية تجريد الدين من أي قوة سياسية و أي قوة إقتصادية و نحن نقول لهم أن مسيرة الإنسانية التاريخية لا تنتظر أحد مهما تكاسل كما كان الامام الصادق المهدي يتكاسل في أن يرى أن مسيرة الإنسانية التاريخية لا تجامله كرجل دين كما تجامله النخب السودانية و هي متوهمة بأنها تستطيع بناء ديمقراطية من أفكار المرشد و الامام و الختم و هيهات لأن فلسفة التاريخ الحديثة تقول لنا أننا في زمن زوال سحر العالم أي أن الدين لم يعد يستطيع أن يلعب أي دور بنيوي على صعد السياسة و الإجتماع و الإقتصاد و هذا الذي ستفهمه الأجيال السودانية الآتية من جهة المستقبل البعيد.
في ختام هذا المقال نود أن نذكّر بكتاب ماكس فيبر رجل العلم و رجل السياسة و هو قد وضّح أفكاره في عام 1917 و هو كتاب مهم جدا ترجم للفرنسية في الخمسينيات من القرن المنصرم و قدم له ريموند أرون بمقدمة ما زالت حديث مراكز البحوث و ساعدت في هزيمة الشيوعية في فرنسا و من حينها قد أصبحت فرنسا توكفيلية و ليست ماركسية و أعجبت الترجمة الفيلسوف الفرنسي إدغار موران و تحدث عنها بإعجاب و على فكرة إدغار موران أيقن من أن الماركسية ترزح تحت ظلال فلسفة التاريخ التقليدية و قد فارق ميادينها قبل قيام الحزب الشيوعي السوداني في منتصف أربعينيات القرن المنصرم.
كتاب رجل العلم و رجل السياسة يساعدك في معرفة كيف يظهر على سطح الأحداث أمثال أردول و التوم هجو و مناوي و جبريل أبحث عنه و عن الأفكار الأخرى لماكس فيبر و هو يتحدث عن الإقتصاد و المجتمع و عقلانية الرأسمالية و بالتأكيد لم تعد كما كنت قبل قراءة أفكار ماكس فيبر و هو يتحدث عن الشرط الإنساني حيث يصبح فكر دولة الإرادة الإلهية أمام الرياح هباء و ينفتح لك فكر يمجد العقل البشري وفقا لتجربة الإنسان و ضمير الوجود بعيدا عن شطحات رجال الدين من كل شاكلة و لون.
فكر ينتصر للفرد و العقل و الحرية فكر يمد لك جسور التلاقي مع مسيرة الإنسانية التاريخية و يجعلك متصالح مع نفسك كإنسان تاريخي و يفتح لك أبواب تاريخ الذهنيات بعد أن تنتصر على تاريخ الخوف و حينها يصبح الإنسان في نظرك غاية و قبولك للآخر يصبح في مستوى التشريع و لا تعامل الآخر إلا بمعاملة تحب أن تعامل بها لأنك قد صرت عقلاني و أخلاقي و تستطيع عبر رافعة العقلانية أن تقبل الحرية و العدالة للآخر و بالتالي تصبح ديمقراطي يؤمن بأن الديمقراطية قد أصبحت بديل للفكر الديني لأنها تسعى لترسيخ فكرة العيش المشترك على قاعدة المساواة التي لا تكون بغير عقلنة الفكر و علمنة المجتمع.

taheromer86@yahoo.com

 

آراء